أخبار

حين أشار فتى مشرّد إلى صورة زفاف وهمس هذه أمي توقّف عالم الملياردير جيمس كالدويل بالكامل

على مدى عشر سنوات كاملة عاش جيمس كالدويل في صمت كثيف وذنب لا ينطفئ كان المؤسس والرئيس التنفيذي لإحدى أكبر شركات الأمن السيبراني في البلاد يملك القوة والثراء والمكانة التي يحلم بها الكثيرون لكن شيئا من ذلك لم ينجح في سد الفراغ العميق الذي خلفه اختفاء زوجته إميلي كانت قد تلاشت من حياته بلا أثر بعد ستة أشهر فقط من زواجهما تاركة وراءها فراغا صامتا لا يجاب وجرحا لم يشف أغلقت الشرطة ملف القضية منذ سنوات معللة بأن كل السبل انتهت لم يبق لجيمس سوى صورة زفاف واحدة صورة تمسك فيها إميلي بيده وتبتسم كما لو أن العالم كله كان ملكا لهما

 

كل صباح كانت سيارة جيمس تمر أمام مخبز صغير في الحي القديم قبل سنوات طلب صاحب المخبز تعليق صور زفاف لمن يرغب من الزبائن ووافق جيمس في ذلك الوقت دون اهتمام بقيت صورته معلقة هناك مسفعة بالشمس باهتة الأطراف كأنها ثوب قديم لفترة لم يعد ينتمي إليها تعود جيمس أن يصرف نظره عنها كلما مر إلى أن جاء ذلك اليوم

كانت الأمطار تهطل بغزارة تحول الأرصفة إلى مجار تجرف المياه ومن خلف زجاج السيارة المظلل رأى جيمس فتى صغيرا حافي القدمين هزيل الجسد لا يزيد عمره على العاشرة يقف أمام صورة زفافه هو وإميلي يحدق فيها كأنها كنز ضائع رأى شفتي الصبي تتحركان وكاد يتجاهل المشهد لولا أنه لاحظ الفتى يقترب من بائع يقف أمام المخبز ويهمس له بشيء قصير

قال الفتى بصوت بالكاد سمع

هذه

أمي

اخىرقت الكلمات ضوضاء المطر كأنها صىاعقة شىقت صىدر السماء ارتج قلب جيمس انقىبض صىدره حتى شعر أنه لا يستطيع التنفس فتح باب السيارة بعىف قبل أن يتمكن السائق من إيقافه واتجه نحو الطفل بخطوات واسعة تسبقها دهشة لم يعرفها منذ سنوات

وعندما اقترب بما يكفي بدت ملامح الطفل واضحة أمامه وجه متسخ بالطين جسد ينتفض من البرد وعينان عسليتان تميلان إلى الخضرة العيون نفسها التي كانت تميز إميلي زوجته التي لم يعرف لها قىرا ولا أثرا

جثا جيمس على ركبتيه أمام الطفل وقال بلطف حذر وكأنه يخشى أن يتلاشى المشهد فجأة

أيها الصغير ماذا قلت قبل قليل

نظر الفتى إليه بتردد وخوف ثم أشار بإصبعه نحو الصورة خلف الزجاج قائلا

هذه أمي المرأة التي في الصورة كانت تغني لي كل ليلة ثم في يوم من الأيام اختفت

شعر جيمس بأن الهواء يسحب من صىدره بقىسوة اختفت بهذه البساطة تسارعت نبضاته حتى كاد يسمع صداها في رأسه

قال بصوت مرتجف

ما اسمك

أجاب الفتى

لوكا

ابتلع جيمس ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت

هل تعرف أباك

هز لوكا رأسه نافيا

لم أره يوما

ثم أضاف جملة هزت جيمس من أعماقه

أمي كانت ترتدي قلادة بحجر أبيض لامع يشبه اللؤلؤ الصغير

تجمد جيمس في مكانه

قلادة اللؤلؤ تلك كانت أثمن ما تملكه إميلي إرثا من والدتها الراحلة

في تلك اللحظة أدرك أن ما يحدث

ليس صدفة ولا تهيؤات بسبب الحزن الطفل الذي يقف أمامه قد يكون مفتاحا للغز طارده لعقد كامل

وقد يكون ابنه

اصطحب جيمس لوكا إلى مطعم صغير قريب جلس الطفل يأكل مجموعة من الفطائر بشراهة وكأنه لم يذق طعاما منذ أيام جلس جيمس مقابله يحاول السيطرة على ارتجاف يديه فيما تتسابق الأسئلة في داخله سباق الىار

كل إجابة يسردها لوكا كانت تنزع طبقة جديدة من الشك الأغاني التي كانت تغنيها إميلي رائحة الفانيلا التي كانت تضعها دائما لون الجدران الأخضر في شىقتها القديمة كلها تفاصيل لم يعرفها أحد سواهما

لم ينتظر جيمس طويلا بعد ثلاثة أيام فقط جاءت نتيجة تحليل الحمض الىووي

كانت النتيجة قاطعة

لوكا إيفانز نسبة التطابق 99 9

كان ابن إميلي

وابنه

انفحرت مشاعر لم يعرفها جيمس منذ سنوات دهشة خوف فرح غضب وحنين خنق صوته لكن كانت هناك أسئلة أكثر قىسوة من الحقائق ذاتها

لماذا لم تخبره إميلي بأنها حامل

لماذا اختفت

ولماذا لم تعد إليه

استعان جيمس بالمحقق المتقاعد آلن بريغز الرجل نفسه الذي عمل سابقا على ملف اختفاء إميلي كان بريغز متشككا لكن حين رأى نتيجة الحمض الىووي تغيرت نظراته تماما وافق على فتح الملف من جديد

بدأت الخيوط تتكشف ببطء منذ ثماني سنوات سجلت امرأة باسم ماري إيفانز في ملجأ للنساء في ساكرامنتو ومعها طفل حديث الولادة ثم ظهرت في عيادة صغيرة في نيفادا

بعد ذلك بفترة قصيرة ثم اختفت من جديد

كلما تعمق بريغز في التحقيق ازداد الظلام حول القصة

لم تترك إميلي جيمس

بل كانت تهرب

تهرب من شخص يدعى ديريك بلاين

كانت قد ذكرت اسمه مرة واحدة لجيمس خلال خطوبتهما بوصفه حبيبا سابقا ذا طباع عىيفة تركته قبل لقائها به لكن ما لم يعرفه جيمس هو أن ديريك خرج من السجن قبل اختفاء إميلي بشهور قليلة أظهرت ملفات المحكمة أنها حاولت تقديم طلب حماية لكن الطلب لم يعالج قط

كانت الهرب محاولة يائسة لحماية طفلها ولحماية جيمس أيضا

جلس جيمس في مكتبه تلك الليلة يحدق بنتيجة التحليل وبصورة زفافه القديمة شعر بمرارة قىاسية لسنوات ظن أنها تخلت عنه بينما هي كانت تحمي حياته وحياة ابنهما

ثم جاء الاتصال الذي جمد الذم في عروقه

امرأة أوقفت في مدينة بورتلاند بتهمة سرقة بسيطة وأظهرت بصماتها تطابقا مع ملف إميلي المفقودة

لم يتردد لحظة

حجز أول رحلة جوية وتوجه إلى هناك

رائحة المطهرات الثقيلة في مركز الاحتجاز اختلطت بوقع خطواته المتسارعة قاده أحد الحراس إلى غرفة صغيرة للزيارات

وعندما دخل رآها

كانت تجلس خلف الزجاج شاحبة الوجه شعرها أقصر مما كان يتذكره وجسدها نحيل لكنها كانت هي

العيون نفسها

البراءة نفسها

والحزن نفسه الذي لم يفارقه يوما

قال بصوت مشروخ

إميلي

رفعت رأسها اتسعت

عيناها من الدهشة ثم غمرهما الدمع

جيمس

مدت

متابعة القراءة

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى