
الليلة دي ماكنتش مجرد عزومة عشاء عادية، ولا مناسبة عمل زي ما الكل افتكر. دي كانت الليلة اللي بكتب فيها نهاية مرحلة كاملة من حياتي. ليلة “سفرة الخيانة” اللي افتكروا إنها هتكــــ،،ـــــسرني، وهي في الحقيقة كانت اللحظة اللي استرديت فيها نفسي.
من الصبح وأنا واقفة في المطبخ، عين على الحلل وعين على النار، بظبط ملح المحشي وأتابع المشويات بعين ست عارفة إن التفاصيل الصغيرة هي اللي بتعمل الصورة الكبيرة. كنت عاوزة كل حاجة تبقى مثالية، مش خوف، لكن إيمان إن التعب اللي تعبته سنين جوازي يستحق يتقدر. كنت فاكرة إن طارق هيرفع راسه بيا قدام زمايله، ويقول إن “سارة” مش مجرد زوجة، دي شريكة نجاح حقيقية. ماكنتش أعرف إني بجهز مسرح لمشهد عمري ما تخيلته.
-
قصة الدكتورة بان العراقيةمنذ 40 دقيقة
-
إسلاممنذ 20 ساعة
-
فتاة كفر طهرمسمنذ يومين
-
شر حماتيمنذ يومين
أول ما الضيوف دخلوا، الصالة اتملت ضحك ومجاملات. طارق كان بيتحرك بينهم بثقة زيادة، بيبتسم أكتر من اللازم كأنه مستني لحظة معينة. ماخدتش بالي، كنت مشغولة برص السفرة، وكنت فاكرة إني بعيش ليلة نجاحي، وماكنتش مدركة إني واقفة على حافة خيانة كاملة الأركان.
شلت صينية القهوة وخرجت بخطوات ثابتة وابتسامة حقيقية، لحد ما عيني وقعت عليها!
قاعدة في نص الكنبة، في مكاني تقريباً، ولابسة طقم شيك عمري ما شفته عليها. شعرها متظبط ونظرتها مختلفة تماماً عن البنت اللي جاتلي يوم بتعيط وتطلب وظيفة. كانت لابسة الكوليه الذهب نفسه اللي طارق حلف لي إنه ضاع منه في الزحمة من شهر. يومها صدقته وواسيته، وقولت له الذهب مايهمنيش المهم إنك
جنبي.
الفناجين وقعت من إيدي واتحطمت على الأرض، وصوت الكسر دبح قلبي. الوجع ماكنش في وجودها، الوجع كان في الطريقة اللي قاعدة بيها، في النظرة اللي بتبصلي بيها، في الثقة اللي كأنها إعلان انتصار.
طارق قطع الصمت بصوت هادي وبارد: “سارة.. أحب أعرفك، دي مي مراتي التانية، والنهاردة الشباب جايين يباركوا، أصلها حامل.”
لو كان حد ضربني بالقلم كان أهون. الكلمات طلعت وكأنها جملة متدرب عليها، لا ارتباك ولا خجل ولا حتى اعتذار، مجرد إعلان رسمي في قلب بيتي. مي ضحكت بخفة ولمست الكوليه وقالت: “البيت بقى كبير يا سارة.. تعيشي وتجيبي غيره.”
في اللحظة دي، “سفرة الخيا، نة” اتولدت بجد. افتكروا إني هعيط أو أصوت، بس أنا حسيت بسكون غريب، كأن عقلي قفل باب الوجع وفتح باب الحساب.
بصيت لهم وابتسمت، وقولت بهدوء أربك الكل: “مبروك.. بجد مبروك. بس كان نفسي تستنوا شوية، لأن الليلة دي مش بس مباركة.”
الكل سكت. حطيت الصينية وطلعت موبايلي وشغلت فيديو من كاميرات المراقبة في الأتيليه.. “أتيليهي أنا”، المكان اللي بنيته قبل ما طارق يدخل حياتي. ظهر وش مي بوضوح وهي قاعدة مع شاب غريب في المكتب، بتضحك وبتقول: “التحليل جاهز، المعمل كتب اللي إحنا عاوزينه، طارق صدق بسرعة.. كان مستني سبب!”
لون طارق اتخطف ونفسه بدأ يضيق. كملت الفيديو وظهرت لحظة وهي بتسلم الشاب فلوس، وصوت مي واضح: “المهم تكمل اللعبة لحد ما الأمور تستقر.”
ماعلتش صوتي، قولت بس: “الحمل كذبة، والتحليل
مزور، والفلوس اللي كانت بتنقص من المحل راحت لتمن تمثيلية الجواز دي.”
كانت دي أول ضربة في “سفرة الخيانة”، بس الحكاية لسه ما خلصتش. فتحت شنطتي وطلعت ورق رسمي وحطيته قدام الكل على السفرة وقولت بصوت حديد: “التوكيل العام اللي كان معاك يا طارق اتلغى من أسبوع، وكل مليم خرج من حساب الأتيليه لحسابها متوثق بالتاريخ”.
طارق بدأ يتهز، حاول يتكلم أو يصرخ بس الكلام هرب منه. أما مي، فنظرة النصر اللي كانت في عينيها اتحولت لرعب حقيقي. قولت ببرود: “كنت فاكرني نايمة على وداني؟ أنا كنت مستنية اللحظة دي.. ليلة العزومة اللي كنت ناوي تحتفل فيها بكسرتي”.
جرس الباب رن، ودخل المحامي بتاعي ومعاه إنذار رسمي وإخطار بكل الإجراءات القانونية. طارق بص لي بترجي وقال: “سارة.. أنا انضحك عليا”. ابتسمت له وقولت: “العشرة فعل مش كلمة، وأنا مبهدش بيتي، أنا بس بوقف انهيار كان بيحصل من ورايا”.
الضيوف خرجوا في صمت، ومي خرجت قبلهم والكوليه في إيدها مابقاش رمز انتصار، ده بقى دليل إدانة. طارق ساب البيت وخرج وراهم، وساب وراه مكان مابقاش له فيه نصيب.
قعدت على السفرة اللي تعبت فيها، الأكل زي ما هو بس المعنى اتغير. شربت قهوتي ببطء ولأول مرة من سنين حسيت إني بتنفس حرية. انتقا، مي ماكانش فـــــ،ضيحة ولا صراخ، كان ترتيب ذكي للأوراق. أنا ما خسرتش بيت، أنا استرديت نفسي.
العزومة دي اتحولت من ليلة خيا، نة لليلة ولادة جديدة لـ “سارة”.. الست اللي بتبني بصبر، هي اللي تقدر تنهي كل
حاجة بكرامة لما كرامتها تتمس. البيت هدي، والجدران بدأت تتنفس من جديد بعد المعركة. مابكيتش، الوجع اتحول لصلابة في صدري.
تذكرت كل إشارة تجاهلتها؛ الموبايل اللي مابيفارقش إيده، والمواعيد المتأخرة. كنت ببرر له، بس دلوقتي الصورة وضحت. قمت لميت الأطباق، ومع كل طبق كنت برفع ذكرى من قلبي.
تاني يوم نزلت الأتيليه بتاعي بكل ثقة. العمال كانوا قلقانين، بس قولت لهم بكلمتين: “الشغل مستمر، اللي حصل في بيتي ملوش علاقة بشغلنا”. طارق حاول يكلمني ويبعت رسايل اعتذار، بس هو مش فاهم إن الموضوع مابقاش حب أو غضب، الموضوع بقى كرامة. اللحظة اللي شفت فيها الكوليه في رقبة مي، كانت اللحظة اللي مات فيها طارق جوايا للأبد.
وفي ليلة هادية، قعدت سارة في البلكونة تتأمل الغروب، وحست بخفة في روحها عمرها ما ذاقتها قبل كدة. لا فيه شك، ولا خوف من خيانة، ولا قلق انتظار.. سارة بقت حرة. عرفت إن الحرية ساعات بتيجي بعد أكبر خيبة، وإن “سفرة الخيانة” كانت هي أول خطوة في طريقها لحياة أوضح وأجمل.
غمضت عينيها واسترجعت صورتها وهي واقفة في الصالة ليلتها؛ ثابتة، هادية، وقوية. دي مكنتش سارة القديمة، دي نسخة جديدة اتولدت من وسط الرماد. ابتسمت وقالت بصوت واطي: “كانوا فاكرين إنهم كسروني.. ميعرفوش إنهم كسروا آخر وهم كنت عايشة فيه.”
في اللحظة دي، مكنتش بتفكر في طارق، ولا في مي، ولا في اللي فات.. كانت بتفكر في بكرة. في مشروعها اللي هيكبر، في سفر كانت بتأجله، في حياة تستاهل
تعيشها من غير ما تضطر تثبت قيمتها لأي حد.
انتهت “سفرة الخيـــــــ،انة”.. لكن قصة سارة لسه بتبدأ.
تمت.








