روايات وقصص

فرصة تانية حكايات مني السيد

1بعد طـــ,ــلاقي بخمس شهور… شوفت طليقتي بالصدفة قاعدة لوحدها في كافيه صغير، وأول ما عيني جت على بطــ,نها الكبيرة… حسيت إن الأرض سحبت نفسها من تحت رجلي.

عمري ما تخيلت إني هشوفها بالشكل ده تاني.

مقالات ذات صلة

كانت لابسة فستان واسع باهت، وقاعدة في آخر الكافيه ماسكة كوب شاي بإيديها الاتنين، وعينيها تايهة وكأنها شايلة هم الدنيا كلها فوق قلبها.

لكن اللي جمد الد,م في عروقي…

إنها كانت حامل.

دي كانت “مريم”.

طليــ,قتي.

الست اللي طــ,لقتها من خمس شهور بس.

اسمي كريم، عندي 34 سنة، موظف عادي جدًا، بحاول أعيش حياة هادية وخلاص.

أنا ومريم اتجوزنا خمس سنين.

للناس كنا شكلنا مثالي.

بيت هادي.

حب.

ضحك.

خطط لمستقبل جميل.

الكلام نزل عليا زي الصاعقة.

— “كانت.. كانت جاية تقولي؟”

الأوضة كانت هادية، وصوت الأجهزة بيعمل “بيب.. بيب” بانتظام.

مريم كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جداً، وفي إيديها المحاليل. عينيها كانت مقفولة، بس أول ما سمعت حركة الباب، فتحت عينيها ببطء.

بصتلي. المرة دي مكنش فيه غضب. كان فيه بس نظرة تعب عميق.

قربت من السرير بخطوات مرعوبة، قعدت على الكرسي اللي جنبها، ومسكت إيدها اللى مفيهاش كانيولا. إيدها كانت سقعانة جداً.

حطيت إيدها على وشي وبدأت أعيط بصوت مكتوم:

— “سامحيني يا مريم.. أنا آسف. أنا كنت حمار، كنت أناني وعمي. متسيبنيش تاني يا مريم.. ابننا محتاجنا سوا.. وأنا محتاجك أكتر منه.”

مريم سكتت، بصت للسقف لفترة، ودمعة وحيدة نزلت من طرف عينيها على المخدة. وبعدين بصتلي، وبصوت ضعيف جداً كأنه همس، قالت:

— “الولد سميته يوسف يا كريم.. عشان كنت دايما بتقول لو جالي ولد هسميه يوسف.”

قلبي دق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيخرج من صدري. هي لسه فاكرة؟ لسه باقية على حلمنا القديم؟

— “يوسف.. أحلى اسم في الدنيا.” قولت لها وأنا ببوس إيدها. “هنربيه سوا يا مريم؟ هتديني فرصة تانية أكون الراجل اللي تستاهليه؟”

مريم غمضت عينيها بتعب، بس صوابعها ضغطت على إيدي ضغطة خفيفة جداً.. ضغطة كانت كافية تقولي إن الرحلة لسه منتهتش، وإن البيت الهادي اللي اتهد، ممكن يتبني تاني.. بس المرة دي، على نضاف وصراحة، ومعانا “يوسف”.

2

مرت الأيام الثلاثة التالية في المستشفى وكأنها معجزة أُعطيت لنا من السماء لتُرمم ما أفسدته حماقات الماضي. تحسنت حالة مريم المستقرة تدريجيًا، وبدأت ملامح وجهها الشاحبة تسترد بعضًا من نضارتها وحيويتها، وإن كان التعب والإرهاق لا يزالان يلقيان بظلالهما على عينيها الحزينتين. أما الصغير “يوسف”، فقد كان يقبع داخل تلك الحضانة الزجاجية، محاطًا بالأجهزة والخراطيم الدقيقة التي تساعد رئتيه الصغيرتين على تنفس هواء الدنيا الذي استعجل النزول إليه قبل الأوان.

كنت أقضي ساعات طوال واقفًا خلف لوح الزجاج الكبير، أراقب جسده الضئيل، أصابعه الدقيقة التي تتحرك بعشوائية، وملامحه التي بدت لي مزيجًا ساحرًا بيني وبين مريم. في كل مرة كنت أنظر إليه، كنت أشعر بمسؤولية مرعبة تجتاح كياني. هذا الطفل بريء، ولا ذنب له في كل الخلافات والصمت والجدران الباردة التي بنيناها أنا وأمه حول أنفسنا طوال سنوات. كان يدفع ثمنًا لم يختره، والآن، جاء دوري لأدفع ثمن خطاياي بإثبات أنني أستحق بالفعل أن أكون أبًا له.

دخلت غرفة مريم في صباح اليوم الرابع، محملًا ببعض الفاكهة والعصائر التي أوصى بها الطبيب. كانت طنط هدى تجلس بجوارها، تمشط لها شعرها وتتحدث معها بصوت خفيض، لكنهما صمتتا فور دخولي. شعرت بوخزة في قلبي، مدركًا أن الثقة التي هُدمت في شهور لن تُبنى في مكالمة هاتفية أو بضع دمعات عند باب غـ,رفة العمليات.

— “صباح الخير يا مريم.. صباح الخير يا طنط.” قلتها بنبرة هادئة ومحترمة، واضعًا الحقائب على الطاولة الصغيرة بجوار السرير.

تنحنحت طنط هدى، ونظرت إلى مريم نظرة ذات مغزى، ثم التفتت إليّ وقالت بنبرة وقورة تحمل بعض اللين:

— “صباح النور يا كريم. أنا هسيبكم شوية، هروح الحضانة أطمن على يوسف وأشوف الممرضة لو محتاجة أي أوراق أو علاج.”

أومأت لها بامتنان، وانتظرت حتى أُغلق الباب خلفها تمامًا. التفتُّ إلى مريم التي كانت تتجنب النظر إليّ مباشرة، مركزة عينيها على نافذة الغرفة التي تطل على شارع هادئ في مدينة طنطا. سحبت الكرسي الخشبي وقعدت بجوارها، ممسكًا بكوب من العصير الدافئ وقدمته لها:

— “اشربي ده يا مريم.. الدكتور قال لازم تتغذي كويس عشان الضغط يفضل متظبط، وعشان تقدروا تخرجوا بالسلامة.”

أخذت الكوب مني بهدوء، ولمست أصابعها أصابعي لثانية واحدة، فشعرت بكهرباء تسري في جسدي. أخذت رشفة صغيرة ثم وضعت الكوب جانبًا، والتفتت إليّ بنظرة جادة وثابتة، نظرة خالية من الضعف الذي رأيته فيها ليلة الولادة.

— “كريم.. إحنا لازم نتكلم.” قالتها بصوت واضح ورزين.

— “أنا تحت أمرك يا مريم، اتكلمي وأنا هسمعك لآخر العمر.”

تنهدت بعمق، وسندت ظهرها على الوسائد البيضاء:

— “وجودك هنا، ووقفتك معايا ومع ماما في الأيام اللي فاتت دي، أنا مقدراها جدًا ومش هنسى إنك جيت جري أول ما عرفت. بس ده مغيرش الحقيقة يا كريم. الحقيقة إننا مطلقين. الطلاق ده مكنش مجرد ورقة اتمضت بسرور، ده كان نتيجة شرخ كبير وعميق في بيتنا. إنت قولتلي في وشي إنك بطلت تحبني بسكوتك، وإنت اللي اختارت تنهي كل حاجة في لحظة كنت أنا فيها بموت من الرعب والوحدة.”

شعرت بالكلمات تخنقني، وحاولت المقاطعة:

— “مريم، أنا كنت أعمى، كنت غبي ومضغوط في الشغل و…”

قاطعتني برفع يدها بلطف ولكن بحسم:

— “عارفة.. وعارفة إن الشغل كان مهربك من البيت اللي مبقاش فيه أطفال. بس الست لما بتحس إن جوزها وسندها بيهرب منها وهي في أشد الحاجة ليه، في حاجة جواها بتموت. أنا لما عرفت إني حامل، الفرحة مشالتنيش، كنت جاية أجري عشان أقولك إن ربنا جبر بخاطرنا، عشان أقولك إن الصمت اللي في بيتنا هينتهي وبيتولد مكانه ضحك ولعب. بس إنت مستنتش يا كريم. أول ما دخلت، رميت كلمتك ومشيت. حسيت وقتها إنك لو عرفت إني حامل وقعدت معايا عشان الطفل، هكون رخيصة في عيني وعينك. كنت عايزة راجل بيحبني أنا، مش بيقعد معايا كحاضنة لطفل كان بيتمناه

السابق1 من 4
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى