قصص و روايات

بعـت دهـبي عشان فـرح اخـو جـوزي ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

بعـت دهـبي وسحـبت من تحويشـة عمـري عـشان فـرح أخـو جـوزي يطلـع أحـسن فـرح في البـلد… لكـن في لـيلة الـفرح حمـاتي وجـوزي حطـوني علـى ترابيـزة الـخدم قـدام طليقتـه وقـالوا: اعـملي اللـي عليكـي واسكتـي… ماكانـوش يعـرفوا إن المفاجـأة اللـي مخبـياها هتـوقف الفـرح كـله في ثـواني….أنا اسمي نيـروز، ومتجوزة من كـريم بقالي ٥ سنين.لما أخوه الصغير اتقدم لبنت ناس كويسين، الدنيا اتقلبت في البيت….حماتي كانت كل يوم تقول:_ إحنا لازم نعمل فرح يليق باسم العيلة.لكن الحقيقة إن الفلوس ما كانتش مكفية.

كريم فضل يلف ويدور ويشتكي من المصاريف، وأنا من حبي ليه وافقت أساعد… حصري على صفحة روايات و اقتباسات..

بعت جزء من دهبي، وسحبت من تحويشة كنت بجمعها من سنين، واديت الفلوس لكريم من غير ما أقول لحد.

كل مرة كان يقولي:

— والله عمرك ما هتشوفي مني غير كل خير.

وكنت أصدقه.

#حكايات_مني_السيد

قبل الفـرح بأسبـوع، حماتي بدأت تعاملني بطريقة غريبة.

كل ما أقترح حاجة تقول:

— سيبي الكبار يفهموا.

وكل ما أتكلم قدام الناس تقاطعني.

لكن كنت بعدّي.

لحد اليوم اللي رجعت فيه البيت بدري.

سمعت حماتي بتقول لكريم في الصالة:

— أهم حاجة يوم الفرح تعرفها مقامها.

ضحك وقال:

— متقلقيش يا أمي… دي عمرها ما ترد.

وسكت ثانية قبل ما يكمل:

— وطبعًا هنعزم مي.

مي كانت طليقته…الست اللي كان بيأكدلي إنه ندم إنه عرفها أصلًا…فضلت واقفة ورا الباب وقلبي بيدق…لكن قررت أراقب وأسكت… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…

في ليلة الفرح، دخلت القاعة وأنا متوقعة أي حاجة…

إلا اللي شوفته.

مي كانت قاعدة جنب جوزي على الترابيزة الرئيسية.

والمكان اللي المفروض أقعد فيه؟

مش موجود أصلًا.

لما سألت حماتي، بصتلي من فوق لتحت وقالت:

— إنتِ اقعدي هناك.

وأشارت على ترابيزة صغيرة جنب باب المطبخ.

الصدمة الأكبر كانت لما كريم قال قدام الناس كلها:

— ما تكبريش الموضوع… إنتِ جاية تساعدي مش أكتر.

الضحك بدأ يعلى على الترابيزة الرئيسية.

وحسيت إن كل العيون عليا.

في اللحظة دي بالذات…

رن تليفوني…بصيت للشاشة…واتجمدت مكاني.

لأن المتصل كان شخص واحد فقط…الشخص اللي لو دخل القاعة في اللحظة دي، الفرح كله ممكن يتحول لكارثة خلال دقائق…رفعت عيني ناحية جوزي ، وابتسمت لأول مرة طول الليلة

الضحكة اللي طلعت من قلبي في اللحظة دي ما كانتش ضحكة فرح، كانت ضحكة واحدة استردت روحها بعد ما كانت بتسلمهالهم على طبق من فضة. كريم، اللي كان بيبصلي بتهكم ومستني يشوف وشي وهو بيتبهدل، اتفاجئ بابتسامتي. هو كان فاكرني بكسر نفسي وبحاول استوعب إهانتهم، ما كانش يعرف إن “نيروز” اللي كان فاكرها ضعيفة ومسالمة، شالت في قلبها جمر خمس سنين، والنهاردة هو اليوم اللي قررت فيه أطلعه في وشهم كلهم.

مسكت التليفون وطلعت ببطء شديد، وكأنني بمشي على سجادة حمراء مش بخرج من باب المطبخ المليان ببواقي الأكل والعمال اللي باصينلي بشفقة. خرجت في هدوء القاعة، والهوا البارد ضرب وشي، خدت نفس طويل ورجعت قفلت المكالمة عشان أفتح التسجيلات اللي كنت مجهزة بيها “المفاجأة”.

— أيوة يا فلان.. اتفضل ادخل، القاعة في انتظارك، والعروسة وأهلها مستنيين يشوفوا “الضيف” اللي كان مفروض ما يحضرش.

رجعت القاعة تاني، بس المرة دي ما اتجهتش لترابيزة الخدم. مشيت بخطوات ثابتة ناحية الـ “دي جي”. بصيت للولد اللي واقف هناك بجرأة، وحطيت الفلاشة في ايده. كان باصصلي باستغراب، بس نظرة عينيا كانت كفيلة تخليه يعمل اللي قولتله عليه من غير نقاش.

حماتي كانت قاعدة بتوزع ابتساماتها المصطنعة على المعازيم، وكريم كان لسه بيتهامس مع “مي” اللي كانت لابسة أغلى ما عندها، وكأنها هي العروسة مش مرات أخوه. قعدت على أقرب كرسي في وسط القاعة، قدام الترابيزة الرئيسية مباشرة، وبدأت أراقبهم.

فجأة، الموسيقى الصاخبة وقفت. سكون تام خيم على القاعة. كريم بصله للـ “دي جي” بغضب، وبدأ يزعق: “فيه إيه؟ حصل إيه؟”.

قبل ما حد يرد، صوت تسجيلي بدأ يملأ القاعة كلها، صوت كريم، صوت واضح، صريح، ومافيهوش أي مجال للشك:

*”أنا مش عارف يا مي لسه بحبك ليه.. نيروز دي مجرد واجهة عشان أمي ترتاح، والفلوس اللي دفعتها في الفرح ده، أنا خديتها منها بالطريقة اللي تليق بواحدة زيك، تفتكري بعد ما يخلص الفرح ده هعمل فيها إيه؟ دي مجرد خدامة بفلوس.. هرميها في الشارع أول ما ألاقي الفرصة.”*

الصمت زاد، بس المرة دي صمت الصدمة. وش كريم اتقلب لونه للرمادي، وحماتي وقعت الشوكة من ايدها، وبصتلي والشرار بيطلع من عينيها. قمت وقفت، وكنت حاسة إني أطول ست في القاعة دي كلها. مشيت ناحيتهم ببطء، وكل خطوة كنت بحس فيها بنبض قلبي بيقوى.

وصلت لترابيزة الرئيسية، وقفت قدامهم كلهم، وبصيت لكريم اللي كان عرقان ومذهول:

— الفرح ده “أحسن فرح في البلد” زي ما طلبت يا كريم، بس مش زي ما كنت متخيل.

مي قامت وقفت وبصتلي بتحدي:

— إنتِ فاكرة إنك كده أخدتي حقك؟ ده مجرد تسجيل، الناس هتىقول عليكِ إيه؟

ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت القاعة كلها تبص لنا:

— الناس هتقول عليا إيه؟ يا حبيبتي، أنا مش فارق معايا غير إن الكل يعرف حقيقة الراجل اللي قاعد جنبك ده. والفلوس اللي دفعتها؟ اعتبريها تمن خروجكم من حياتي، لأن اللي جاي أصعب بكتير.

حماتي حاولت تقىاطعني بصوتها العالي المعتاد:

— إنتِ اتجننتي؟ إنتِ عارفة بتعملي إيه؟ ده طىلاقك هيكون في إيدك قبل ما ليلتك تخلص!

بصيت لها بنظرة باردة:

— يا طنط، أنا ببيع دهبي عشان أشتري كرامتي، وأظن إني كسبت الصفقة النهاردة بامتياز. والطلاق؟ ده اللي أنا كنت مستنياه.

في اللحظة دي، دخل “الشخص” اللي كان على التليفون. دخل ومعاه اتنين محامين. كان الأستاذ كمال، محامي العيلة اللي كان بيدير أملاك والدي، والشخص اللي كريم كان بيخاف منه أكتر من أي حد. كريم لما شافه، اتجمد في مكانه، لأن الوجود بتاع الأستاذ كمال في فرح أخوه، ومعاه أوراق رسمية، ما كانش للتهنئة أبداً.

كريم وقف بضعف:

— أستاذ كمال؟ خير؟

الأستاذ كمال بصله ببرود وفتح شنطته:

— خير يا كريم بيه. نيروز هانم طلبت مني تجهيز كل أوراق التنازل عن كل القرارات المالية اللي خدتها باسمها، بالإضافة لطلب الطلاق للضرر، ومعايا تسجيلات تانية مش بس عن خيانتك، لكن عن عمليات النصب اللي عملتها على حسابها في شغلها الخاص.

بدأت الهمسات تعلى في القاعة، وأهل العروسة قاموا وقفوا، والكل بدأ يهمس بكلمة “نصاب”. كريم حاول يقرب مني ويهمس:

— نيروز، اسمعيني.. خلينا نهدي الأمور ونطلع بره، مش قدام الناس دي كلها.

بصيت في عينه لأول مرة من غير خوف، من غير حب، من غير أي مشاعر غير الشفقة:

— ليه يا كريم؟ ما إنت اللي قولت “اعملي اللي عليكِ واسكتي”.. أهو أنا عملت اللي عليا، ودلوقتي دوري إني أسمع.

حماتي بدأت تصرخ وتلم الناس، بس المحامين كانوا واقفين سد منيع. العروسة وأهلها بدأوا ينسحبوا من القاعة بعد ما فهموا إن العيلة دي ما هماش اللي كانوا بيظهروه.

أنا وقفت في نص القاعة، وسط الفوضى، وسط نظرات الناس اللي كانت ما بين مصدوم ومستنكر ومؤيد. مسكت الميكروفون اللي كان واقع على الأرض، وبصيت لكل الحاضرين:

— شكرًا لكل اللي حضر، الفرح ده كان تجربة تعلمت فيها إن أغلى حاجة ممكن الواحد يضحي بيها هي “نفسه” عشان حد ما يستاهلش. كريم.. أنا مش محتاجة أقول حاجة تانية، الناس هنا شافت وسمعت، والورق اللي معاك دلوقتي هو اللي هيحدد بقية حياتك.

سيبت الميكروفون وكنت خلاص همشي، بس وقفت لحظة لما سمعت صوت كريم وراه بيزعق وبيحاول يمسك فيا. حسيت بإيد الأستاذ كمال بتسحبني لورا وبتقولي: “سيبيه، هو ما بقاش يملك أي حاجة دلوقتي، حتى البيت اللي قاعدين فيه ده بقى مرهون باسم نيروز هانم بحكم التوكيلات اللي هي سحبتها من شهرين”.

ابتسمت ابتسامة خفيفة. أيوه، أنا كنت محضرة كل حاجة. من قبل ما الفرح ده يحصل بأسابيع، كنت عارفة إن كريم بيخطط لحاجة، وعارفة إنه بيستغلني. التوكيلات اللي كنت مدياله إياها للبيزنس، سحبتها بهدوء من غير ما يحس.

خرجت من القاعة، والجو بره كان مختلف. الهوا كان أنقى، والسما كانت أوسع. ركبت عربيتي، وبصيت للمراية. شفت نيروز اللي سابت كل حاجة وراها، بس رجعت لنفسها.

القاعة ورايا كانت بتشتعل بالخناقات، كريم بيحاول يبرر، حماتي بتلطم، ومي واقفة مصدومة. قولت في سري: “مش ده اللي كنتوا عايزينه؟ فرح يفضل في ذاكرة البلد كلها؟ أهي الذاكرة دي هتفضل محفورة باسم نيروز اللي ما حدش قدر يكسرها”.

بدأت أدور العربية، وكنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، بس على الأقل، أنا حرة. مشيت وأنا مش بتبص ورايا، كنت بس بتبص للطريق اللي قدامي، طريق جديد، من غير كريم، من غير دهب، ومن غير تضحيات مالهاش لازمة.

بس وأنا ماشية، تليفوني رن تاني… رقم غريب. رديت، ولقيت صوت مألوف، صوت كان واحشني، صوت جدي اللي كان دايمًا بيقولي “ما تخليش حد يطفّي نورك يا نيروز”.

— نيروز؟ أنا عرفت اللي حصل.. إنتِ فين؟

رديت بصوت ثابت:

— أنا في طريق الحرية يا جدي… طريق كنت لازم أمشي فيه من زمان.

قفلنا، وأنا حسيت إن كل هموم الدنيا نزلت من على كتافي. كنت ماشية في الشوارع اللي كانت شاهدة على كل لحظة ضعف عشتها مع كريم، بس النهاردة، الشوارع دي كانت بتشهد على ولادتي من جديد.

عديت على بيتي القديم، البيت اللي كنت بجمع فيه القرش على القرش عشان “بيتنا”. نزلت من العربية، وطلعت الشقة. دخلت لقيت كل حاجة لسه في مكانها، بس الحيطان كانت بتنطق بذكريات وجع. بدأت ألم حاجتي الشخصية، حاجتي اللي فعلاً تخصني، بعيد عن أي حاجة اشتركنا فيها.

لقيت “صندوق الذكريات” اللي كان فيه صورنا، ووعودنا، والهدايا اللي جابها لي في أيامنا الأولى. خدته زي ما هو، ورميته في الزبالة من غير ما أفتح غطاه. مش محتاجة أفتكر، كفاية اللي أنا فيه دلوقتي.

وأنا بنزل، لقيت جيراني واقفين قدام العمارة، بيسألوني بفضول عن اللي حصل في الفرح، عن الفضيحة اللي وصلت لكل الناس في دقايق. ما رديتش عليهم، بس اكتفيت بابتسامة غامضة، ومشيت.

وصلت لمحطة القطر، كنت عايزة أبعد، عايزة مكان ما حدش يعرفني فيه. مكان أبدأ فيه من جديد، من غير قصص، ومن غير دراما، ومن غير “حكايات نيروز”.

في القطر، قعدت جنب الشباك، وبدأت أراقب البيوت وهي بتبعد، والمباني وهي بتصغر. حسيت براحة عمرها ما جتلي في سنين زواجي الخمسة. كريم دلوقتي في القاعة، بيواجه عواقب أفعاله، ومي بتدور على طريق للهرب، وحماتي بتواجه غضب الناس اللي كانت بتتباهى قدامهم.

أنا كنت برا كل ده، كنت في عالم تاني، عالم أنا اللي بكتب فصوله، وأنا اللي بقرر نهايته.

طلعت مفكرتي، وبدأت أكتب الصفحة الأولى من حكايتي الجديدة. كتبت: “الفصل الأول: يوم التحرر”. وكنت عارفة إن اللي جاي لسه فيه كتير، بس اللي متأكدة منه، إن “نيروز” القديمة مىىاتت في القاعة دي، واللي موجودة دلوقتي، هي واحدة تانية خالص، واحدة اتعلمت إن أغلى درس في الحياة هو إنك تحب نفسك أكتر ما تحب أي حد تاني.

القطر بدأ يتحرك، وأنا غمضت عيني، وحلمت بكرة، بكره بعيد عن الإهانات، وعن العيلة دي، وعن كل حاجة ربطتني بيهم. كان صوت عجل القطر على القضبان زي نبضات قلبي، نبضات قوية، واثقة، ومستعدة لكل اللي جاي.

وفجأة، لمحت خيال في المرايا، خيال واحدة وقفت قدامي، وقالتلي: “إنتِ شجاعة”. ابتسمت لنفسي، وقلت: “مش بس شجاعة… أنا حرة”.

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى