
تعتبر قصة الإيرانية (آمنة بهرامي) واحدة من أكثر القضايا إنسانية وجدلاً في العصر الحديث. بسبب تفاصيلها المؤثرة ونهايتها غير المتوقعة، تحولت قضيتها من مأساة شخصية إلى قضية رأي عام عالمي تصدرت عناوين كبرى الصحف والصحف العالمية.
البداية: أحلام طموحة ومستقبل واعد
في عام (١٩٧٨) وفي العاصمة الإيرانية طهران، ولدت آمنة لأسرة عادية من الطبقة المتوسطة. كانت فتاة طموحة ومتفوقة دراسياً، ويكمن حلمها الأكبر في أن تصبح مهندسة.
بالفعل، التحقت بجامعة (أزاد الإسلامية) قسم هندسة الإلكترونيات. وخلال فترة دراستها، عملت بجد لتغطية مصاريفها ومساعدة أهلها، وكانت كل طاقتها موجهة نحو دراستها وتحقيق ذاتها، بعيداً عن أي ارتباطات جانبية قد تشتتها عن أهدافها.
نقطة التحول: هوس مرضي ومطاردات مستمرة
في عام (٢٠٠٢)، التقت في الجامعة بشاب يدعى (مجيد) أصغر منها بسنتين. أبدى مجيد إعجابه الشديد بها وطلب منها الزواج بشكل مباشر، لكن آمنة ردت عليه بأدب بالرفض التام لعدم تفكيرها في الأمر.
لم يقبل مجيد الرفض، وبدأ يطاردها في كل مكان، ويتصل بها عشرات المرات يومياً، مهدداً إياها تارة بإلحاق الأذى بنفسه، وتارة أخرى بالانتقام منها إذا لم توافق. تحول الأمر لديه إلى هوس مرضي، مما دفع آمنة لإخبار والدتها التي تواصلت بدورها مع عائلة الشاب ليتركها وشأنها، لكن ردهم كان سلبياً.
الحادث المؤلم ومواجهة المجهول
في ١ أكتوبر ٢٠٠٤، وبينما كانت آمنة في طريق عودتها للمنزل بعد انتهاء عملها، شعرت بمن يتبعها. وقبل أن تستوعب ما يحدث، فوجئت بمجيد يقف أمامها ويسكب على وجهها مادة حمضية حارقة (أسيد) قبل أن يلوذ بالهرب.
تسببت الاعتداءات بأضرار بالغة في وجهها وملامحها، وأدت لفقدانها البصر كلياً، مما استدعى تدخلات طبية عاجلة. وبسبب التعاطف الإعلامي الواسع، قرر الرئيس الإيراني آنذاك (محمد خاتمي) إيفادها إلى إسبانيا لتلقي العلاج بتمويل حكومي. وهناك، خضعت لأكثر من ٢٠ عملية جراحية معقدة لإعادة بناء ملامح وجهها، لكن بصرها للأسف لم يعد.
المحاكمة ومعركة القصاص
ألقت السلطات القبض على مجيد وقُدم للمحاكمة. وفقاً للقانون الإيراني وقتها، كانت العقوبة تتراوح بين السجن ودفع الدية أو التعويض، مع وجود بند يسمح للضحية بطلب القصاص.
وقفت آمنة أمام القاضي رافضة أي تعويض مالي، ومتمسكة بحق القصاص (العين بالعين)، مصرحة برغبتها في أن يذوق مجيد مرارة ما عانته، ولتضع حداً لظاهرة الهجمات بالمواد الحمضية في بلادها.
في عام ٢٠٠٨، أصدر القضاء الإيراني حكماً تاريخياً بإفقاد مجيد بصره بنفس المادة تحت إشراف الطب الشرعي وبمشاركة الضحية إذا رغبت.
لحظة التسامح التي خلدت القصة
في ٣١ يوليو ٢٠١١، وفي غرفة تابعة للهلال الأحمر بطهران، جرى الترتيب لتنفيذ الحكم بحضور الجهات القضائية. كان مجيد مقيداً ويبكي متوسلاً العفو، بينما وقفت آمنة وفي يديها المادة المستخدمة.
بعد لحظات صمت وتفكير عميق، اتخذت آمنة قراراً أذهل جميع الحاضرين؛ حيث أعلنت عفوها التام عن مجيد وتنازلها عن حقها في القصاص.
أوضحت آمنة لاحقاً أن خوضها لهذه المعركة القضائية كان لإثبات قدرة القانون على حماية المرأة وكسر صمت المجتمع، لكنها أدركت أن إعمام الجاني لن يعيد لها بصرها، ولن يخفف عنها شيئاً سوى النزول إلى مستواه. وفضلت ألا تحترق من الداخل للمرة الثانية.
وثقت آمنة رحلتها المؤثرة في كتاب تُرجم لعدة لغات وحقق مبيعات عالمية، لتظل قصتها رمزاً عالمياً للصمود الإنساني وقوة التسامح.
الكاتب: محمد المغربي




