قصص و روايات

سندوتش برجر

كان عمر عنده تسع سنين، قاعد بياكل نص ساندوتش برجر كان حد رميه في الزبالة، قدام مطعم زحمة في وسط البلد، والناس الكبيرة كانت بتعدّي من جنبه كأنه مش موجود أصلًا.

 

لحد ما ولد تاني عنده تسع سنين شافه من ورا إزاز المطعم.

ياسين وقف أكل.

أبوه، حسام، بص ناحية الشباك يشوف ابنه مركز في إيه.

وبره، وسط حر القاهرة، كان فيه ولد صغير نحيف، لابس تيشيرت مقطوع، والجزمة بتاعته مفتوحة من قدام، وقاعد بيفتح بإيده كيس ورق متبهدل ومليان دهون، كان لسه مطلّعه من صندوق الزبالة اللي في الشارع.

الناس كانت بتعدّي من حواليه عادي جدًا.

راجل عدّى جنبه من غير حتى ما يلف وشه ناحيته.

اتنين قاعدين قريب منه كانوا بيضحكوا على حاجة في الموبايل.

وجوه المطعم، الأكل كان بيتحط قدام الناس سخن… برجر، فراخ، بطاطس، وعصاير ساقعة.

عمر أخد لقمة تانية.

ياسين حط الشوكة على الترابيزة.

وبص لأبوه وقال بصوت واطي

بابا… إحنا مينفعش نقعد هنا ونعمل نفسنا مش شايفينه.

حسام بص لابنه كام ثانية.

وبعدين حط موبايله على الترابيزة ووشه لتحت.

تعالى معايا.

خرجوا الاتنين بره.

أول ما عمر شافهم جايين ناحيته، قبض على الكيس اللي في إيده جامد.

وعينيه راحت ناحية الشارع بسرعة.

كان واضح إنه بيفكر أجري ولا أستنى؟

حسام وقف بعيد عنه كام خطوة، ونزل لمستواه شوية علشان ميبقاش واقف فوقه.

وقال بهدوء

إزيك يا بطل… اسمك إيه؟

الولد سكت شوية.

وبعدين قال

عمر.

حسام ابتسم ابتسامة بسيطة.

أنا حسام، وده ابني ياسين.

ياسين هز راسه لعمر.

من غير ما يفضل يبصله.

ومن غير ما يبصله بنظرة شفقة.

حسام بص للبرجر اللي في إيد عمر.

إنت جعان؟

عمر بص في الأرض وهز راسه.

حسام قال بمنتهى البساطة

طب يلا… هتدخل تاكل معانا.

عمر اتجمد مكانه.

بص من ورا حسام على المطعم.

الترابيزات النضيفة.

الناس اللي لابسة هدوم نضيفة.

الأكل اللي مالي الترابيزات.

وبعدين بص لنفسه…

لتيشيرته المقطوع.

ولجزمته اللي خلاص باظت.

فضل واقف مكانه ومتحركش.

لحد ما ياسين قرب منه خطوة.

وقال له

يلا يا عمر.

وبس.

ولا زقّه.

ولا شده.

ولا قال له حاجة تحرجه.

قالها كأنه واحد صاحبه.

كأنه مكانه الطبيعي معاهم.

دخل عمر.

وأول ما دخل المطعم، الكلام هدي شوية.

ست بصت على هدومه وبسرعة لفت وشها.

راجل قاعد عند الكاشير فضل باصصله فترة أطول من اللازم.

وعمر خد باله من كل حاجة.

كل نظرة.

كل همسة.

كل واحد بيبص عليه وبعدين يعمل نفسه مش واخد باله.

 

كتافه بدأت تنكمش، وحاول يصغر نفسه على قد ما يقدر.

لكن حسام عمل نفسه مش شايف أي حد.

سحب كرسي من الترابيزة وقال

اقعد هنا يا عمر.

عمر قعد على طرف الكرسي، وحط إيديه فوق ركبته.

لما الجرسونة جت، حسام قال لها

لو سمحتي، هاتي له وجبة كاملة… فراخ مشوية، بطاطس مهروسة، خضار، ولمونادة كبيرة.

ياسين مد إيده بهدوء، وزق سلة العيش ناحية عمر.

عمر خطف قطعة.

خلصها في تلات لقم.

ومد إيده للتانية…

وبعدين وقف فجأة.

بص حواليه واتكسف.

حس إنه أكل بسرعة زيادة.

ياسين ساعتها عمل حركة بسيطة جدًا.

لف وبص ناحية الشباك.

كأنه أصلًا مش واخد باله من اللي حصل.

اداله فرصة ياكل من غير ما يحس إن حد مركز معاه.

بعد شوية، الأكل وصل.

عمر فضل باصص للطبق قدامه.

فراخ.

بطاطس.

خضار.

عيش.

وعصير.

كأنه مش مصدق إن كل ده قدامه.

رفع عينه لحسام وقال

إنت بتعمل كده ليه؟

حسام رد عادي جدًا

علشان إنت جعان.

عمر سكت.

حسام كمل

وعلشان مفيش طفل المفروض يقعد ياكل أكل من الزبالة قدام مطعم مليان ناس، والناس كلها تعمل نفسها مش شايفاه.

فك عمر اتشد.

ومسك الشوكة.

وبدأ ياكل.

حسام مسألوش أي حاجة.

ساب الولد ياكل براحتُه.

ولا مرة قال له براحة.

ولا مرة قال له متاكلش بسرعة.

ولا حتى فضّل يبص عليه.

ولما عمر بدأ يبطّأ شوية، حسام سأله بهدوء

إنت ساكن فين يا عمر؟

مع خالي طارق.

فين؟

ناحية شبرا الخيمة… قريب من محطة القطر القديمة.

حسام هز راسه.

وخالك عارف إنك هنا؟

عمر هز راسه بالنفي.

هو بيشتغل شيفتين يوم السبت.

حسام سكت لحظة.

وبعدين سأل

ووالدتك ووالدك؟

إيد عمر شدت على كباية الليمونادة.

وبص في الترابيزة.

ماما كانت تعبانة.

سكت.

وبعدين قال بصوت أوطى

ماتت من تمن شهور.

ياسين وقف أكل.

عمر كمل

وبابا… سابنا وأنا صغير.

المكان كله بقى هادي بالنسبة لياسين.

فضل باصص لعمر ومش عارف يقول إيه.

أما عمر، فكان مركز في طبقه.

وقال

خالي طارق بيحاول… والله بيحاول.

بس ساعات بيبقى عندنا أكل في البيت…

بلع ريقه.

وساعات مبيبقاش فيه.

حسام ماقالوش يا حبيبي.

وماحاولش يواسيه بكلمتين وخلاص.

مد إيده بهدوء، سحب منديل نضيف، وطلع قلم من جيبه.

تعرف رقم خالك؟

عمر قال الرقم من غير تفكير.

كان حافظه.

حسام كتبه على المنديل.

ومسك موبايله واتصل.

بعد أربع رنات، حد رد.

صوت راجل مرهق.

حسام قال

مساء الخير، حضرتك خال عمر؟

صوت الراجل اتغير فورًا.

أيوه… مين؟

حسام عرفه بنفسه، وقال له عمر موجود معاه في المطعم وإنه بخير.

حصل صمت طويل.

وبعدين صوت طارق اتكسر وهو بيسأل

هو كويس؟

حسام بص لعمر.

كويس. متقلقش.

طارق سأل بسرعة

هو فين؟

في مطعم في وسط البلد. تقدر تيجي لما تخلص شغلك؟

طارق رد فورًا

الساعة سبعة. أنا بخلص الساعة سبعة.

حسام بص لعمر.

وبعدين بص للرقم اللي مكتوبه قدامه.

تمام… هنستناك.

لكن قبل ما يقفل المكالمة، حسام سأل طارق سؤال تاني.

سؤال واحد بس.

وأول ما سمع إجابة طارق…

وش حسام اتغير.

مد إيده بسرعة لمنديل تاني.

وكتب عليه عنوان.

لأن اللي قاله طارق في المكالمة…

خلّى حسام يفهم إن حكاية عمر أكبر بكتير من مجرد طفل جعان.

واللي هيحصل بعد كده…

هيغيّر حياة عمر وخاله طارق للأبد.

 

الفصل الأول العنوان اللي غيّر كل حاجة

حسام فضل ماسك الموبايل في إيده ثواني بعد ما قفل المكالمة.

كان لسه سامع صوت طارق في ودنه.

لو حضرتك تقدر تساعدني… متسيبش عمر يرجع للبيت لوحده.

الجملة دي بالذات هي اللي خلت ملامح حسام تتغير.

بص لياسين.

وبعدين بص لعمر.

الولد كان لسه بيجمع آخر حتة بطاطس من الطبق بطرف الشوكة، ومشغول لدرجة إنه ملاحظش إن حسام بقاله كام ثانية ساكت.

حسام قال

طارق قال لك إيه يا بابا؟

ياسين قرب منه.

قال إيه؟

حسام حط الموبايل على الترابيزة.

بيقول إن المكان اللي عمر وخاله ساكنين فيه… صاحب البيت طردهم.

عمر وقف أكل.

الشوكة فضلت معلقة في إيده.

حسام كمل

وقال إنهم بقالهم أسبوعين بيناموا في أوضة صغيرة فوق ورشة، والراجل صاحب الورشة مديهم مهلة لحد بكرة.

ياسين بص لعمر.

يعني مش عندكم بيت؟

عمر هز راسه.

عندنا.

وسكت.

وبعدين قال

بس مش بتاعنا.

حسام عقد حواجبه.

يعني إيه؟

عمر بص في الطبق.

كنا بنأجر أوضة صغيرة. صاحب البيت قال إن الإيجار زاد. خالي مقدرش يدفع. فطلعنا.

حسام سأل

وإنت كنت فين الأسبوعين دول؟

عمر بلع ريقه.

عند خالي.

فين؟

في الورشة.

بتناموا فين؟

عمر أشار بإيده.

فوق.

حسام سكت.

الورشة معناها مكان لتصليح مواتير، وريحة الزيت والبنزين والحديد فيه بتلزق في الهدوم.

طفل عنده تسع سنين ينام فوق ورشة.

ده لوحده كان كفاية يخلي الواحد يحس إن فيه حاجة غلط.

لكن حسام كان حاسس إن فيه حاجة أكبر.

خصوصًا لما افتكر نبرة طارق.

الرجل ماكانش بيطلب مساعدة.

 

كان خايف.

خايف على عمر.

حسام رجع مسك الموبايل واتصل بيه تاني.

طارق رد من أول رنة.

ألو؟

طارق، أنا حسام.

أيوه.

إنت قلت لي إن صاحب الورشة مديكم مهلة لحد بكرة.

أيوه.

ليه؟

طارق سكت.

طارق، أنا بسألك ليه.

الصوت جه متردد.

عشان… عشان الراجل مش عايز مشاكل.

مشاكل إيه؟

بيقول إن وجود عمر هناك ممكن يعمل له مشكلة.

حسام بص لعمر.

ليه؟

طارق ماجاوبش.

حسام قال

أنا مش هضغط عليك في التليفون. بس أنا محتاج أعرف الحقيقة.

الصمت طال.

وبعدين طارق قال

عشان عمر مش ابني.

أنا عارف.

وعشان أبوه ممكن يظهر في أي وقت.

حسام اعتدل في كرسيه.

أبوه؟

أيوه.

مش إنت قلت إن أبوه سايبهم من سنين؟

سايبهم… بس مش اختفى.

حسام حس إن قلبه اتقبض.

يعني إيه؟

طارق خد نفس طويل.

أبوه اسمه شريف.

وبعدين؟

من يوم ما أم عمر ماتت، وهو بدأ يسأل عنه.

حسام سأل بسرعة

بيسأل عنه ليه؟

طارق رد

عشان ياخده.

عمر كان باصص لحسام.

واضح إنه فهم إن الكلام عنه.

حسام بعد الموبايل عن ودنه شوية.

ياخده فين؟

طارق قال

مش عارف.

إنت مش عارف؟

لأ.

طيب إنت خايف منه ليه؟

صوت طارق اتكسر.

عشان شريف هو السبب في إن أختي عاشت آخر سنتين من حياتها وهي خايفة.

حسام سكت.

كان بيضربها؟

مش بس كده.

طارق تنهد.

كان بيستغلها. ياخد فلوسها. يهددها. وكل مرة كانت تقول لي إنها هتسيبه، كان يقول لها إنه هياخد عمر منها.

حسام بص لعمر.

الولد كان نازل بعينه في الأرض.

وعمر كان عارف؟

كان بيسمع.

من إمتى؟

من وهو صغير.

حسام قفل عينه لحظة.

وبعدين قال

طيب إنت قلت لي حاجة أهم من كل ده.

إيه؟

قلت لي متسيبش عمر يرجع البيت لوحده.

طارق سكت.

حسام قال

إنت ليه قلت كده؟

طارق رد بصوت واطي

عشان شريف عرف مكاننا.

حسام حس ببرودة في جسمه رغم إن الجو برا كان نار.

إمتى؟

النهارده.

إزاي؟

واحد من معارفه شافني الصبح.

وقال لك؟

قال لي إنه كان بيسأل عن عمر.

حسام بص لياسين.

ياسين كان ساكت، بس واضح إنه بيسمع كل حاجة.

حسام قال

طارق، اسمعني كويس. متيجيش لوحدك.

ليه؟

تعالى على المكان اللي إحنا فيه، وأنا هتصرف.

أنا مش عايز أحمّلك.

إنت مش بتحملني حاجة. تعالى.

بس أنا…

حسام قاطعه

الساعة سبعة. صح؟

أيوه.

يبقى الساعة سبعة هنتقابل.

وقفل.

عمر كان لسه باصص في الأرض.

حسام قال

عمر.

الولد رفع عينه.

أبوك كان بيخوفك؟

عمر فضل ساكت.

حسام ماكررهاش.

بعد شوية، عمر قال

هو مش بيخوفني.

حسام استنى.

 

هو بيخوف خالي.

الجملة دي كانت أقسى من أي إجابة تانية.

حسام قال

وأنت؟

عمر هز كتفه.

أنا بخاف لما خالي يخاف.

ياسين بص لأبوه.

وبعدين

 

متابعة القراءة

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى