منوعات

زوجي الفقير

3

زوجي الفقير

قالت ليلى وهي تنظر إلى السماء:

ــ عمري ما اتخيّلت إن اليوم ده ييجي.

ابتسم عادل:

ــ ولا أنا اتخيّلت إن ربنا هيعوضني بيكي.

لم يكن حبّهما انفجارًا مفاجئًا، بل كان نهرًا صغيرًا بدأ يسيل في هدوء، يتّسع يومًا بعد يوم.

كانت ليلى ترى عادل يعمل بجدّ، لا كطامع في استعادة مجدٍ ضائع، بل كرجل يريد فقط أن يقف على قدميه دون أن يطأطئ رأسه لأحد.

وكان عادل يرى في ليلى امرأة قوية، كل مرة تسقط فيها، تقوم وهي تحمل طفلها وقلبها، ولا تزال قادرة على الابتسام.

مع مرور الشهور، تحسّنت أمورهم المالية. عاد جزء من أملاك عادل، وعاد اسمه يتردد مرة أخرى في السوق، لكن هذه المرة بدون ضجيج مبالغ.

اشترى بيتًا أكبر في حيّ محترم، وأصرّ أن يبقى البيت البسيط الذي عاشوا فيه أول زواجهم كما هو، بل جعله مكانًا للراحة والهدوء يزورونه بين الحين والآخر.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت ليلى ترتّب أوراقها القديمة، وجدت صورة لحسام، زوجها الأول، وهي في أوائل زواجها به. جلست تحدّق في الصورة طويلًا، ثم دمعت عيناها.

دخل عادل الغرفة، رأى الصورة في يدها، فجلس بجوارها دون أن يتكلم.

قالت وهي تمسح دموعها:

ــ لسه بيوجعني فراقه… مع إن حياتي دلوقتي أحسن.

قال بهدوء:

ــ طبيعي… هو جزء من قصتك، ومن حياتك. وأنا عمري ما هطلب منك تنسيه.

نظرت إليه بدهشة ممتنة.

ــ بالعكس… لما تفتكريه بالخير، ربنا يباركلنا في حياتنا أكتر. عبد صالح، ورجل محترم… أنا اللي اتأخرت في حقيه وحقك.

وضعت الصورة في صندوق صغير، وأغلقت عليه، ثم نظرت لعادل بعينين فيهما سلام:

ــ بس دلوقتي… أنا مستعدة أكمل قصتي معاك.

اقترب منها، ووضع يده على يدها بلطف، ولم يحتج إلى كلمات أكثر.

اصطياد الطامعين

حين عاد اسم عادل إلى الساحة، عاد معه نوع آخر من الناس: طامعون جدد، ومنافقون قدامى.

بعض من كانوا قد تخلّوا عنه في أزمته بدأوا يتصلون، يرسلون رسائل مجاملة، يدعون له، ويطلبون لقاءه.

كان قد تغيّر. لم يعد ذلك الرجل الساذج الذي يصدّق كل وجه مبتسم. أصبح يفرّق بين من يحبه لحقيقته، ومن يقترب منه لحسابات.

ذات مرة، جاءه شريكه القديم، الذي خان ثقته قبل ثلاث سنوات، ومعه هدية ثمينة، يحاول أن يتقرّب إليه من جديد.

جلس أمامه في المكتب، وقال:

ــ إحنا أخطأنا… بس كلنا بنتعلم من أخطائنا، ورجوعك للشركة فرصة لينا كلنا نفتح صفحة جديدة.

رد عادل بابتسامة خفيفة:

ــ الصفحة الجديدة مش معناها إننا نمسح القديمة… معناها إننا نتعلم منها.

ــ يعني… تسامحنا؟

ــ سامحتكم من زمان… بس مش لازم أكرّر الغلطة.

ــ تقصد إيه؟

ــ أقصد إن الباب مفتوح للتعامل… لكن مش للشراكة. تقدر تبقى مورد، متعهد، أي وضع تاني… لكن شريك؟ لأ.

ــ يعني مش عايز.نا نرجع زي الأول؟

ــ زي الأول؟ لا… لأن “زي الأول” هو اللي ضيّعني.

خرج الرجل من المكتب وهو يشعر أن موازين القوة قد انقلبت. لم يعد عادل الرجل الذي يمكن التلاعب به.

كانت ليلى تتابع هذه المواقف من بعيد، وتتعلم.

قالت له في أحد الأيام:

ــ مش خايف ترجع تتورط تاني في دوامة الشركات والفلوس، وتنسى نفسك؟

ضحك:

ــ لو نسيت نفسي… ذكّريني.

ــ أزاي؟

ــ خديّني معاك البيت القديم… خليّني أبص على الحيطان اللي ما كانش فيها غير صورة يتيمة وسجادة صلاة، وــ,,ـفاكرك وإنتِ واقفة هناك، خايفة من بكرة… ساعتها هفتكر إن كل ده ممكن يضيع في لحظة.

سكتت، ثم قالت مبتسمة:

ــ أعدك.

في إحدى الأمسيات، كانت الشمس تميل إلى الغروب، والسماء تلوّنها درجات البرتقالي والذهبي. كانت ليلى تجلس أمام بيتهم الجديد، تراقب “ياسر” وهو يلعب بالكرة مع مجموعة من أطفال الجيران، وضحكاته تملأ المكان.

جلس عادل بجانبها يحمل كوب شاي، وقال:

ــ فاكرة أول يوم جينا فيه البيت الصغير؟

ابتسمت:

ــ فاكرة خوفك… كنت واخد في بالك إنك ممكن ما تلاقيش مكانة في قلبي.

ــ وكنتي أنتِ خايفة إني آذيك زي ما الدنيا آذتك.

ــ بس طلعنا إحنا الاثنين غلطانين…

ــ لأ… إحنا الاتنين كنا مجروحين… والجروح مش بتروح بسهولة… لكنها لما تلتئم صح، بتسيب علامة، بس ما توجعش.

نظرت إليه بحنان:

ــ ممكن أسألك سؤال؟

ــ اتفضّلي.

ــ لو الزمن رجع بيك لورا… كنت هتختار تعيش غني ووسط الناس، ولا فقير في عيونهم بس مرتاح؟

فكر قليلًا، ثم قال:

ــ كنت هاختار أعيش… “مستور”. لا غني بشكل يغويني، ولا فقير بشكل يذلّني… إنما بكرامة.

ثم نظر إليها:

ــ وربنا كرمني إنّي لقيت اللي تفهّمني يعني إيه كرامة، من غير ما تتكلم.

سألته:

ــ وأنا؟ لو الزمن رجع بيا…

قاطعها مبتسمًا:

ــ كنتِ هتختاريني من البداية، بدل ما تتجوزي حسام؟

ضحكت بخجل:

ــ لأ… حسام جزء من قدري. بس يمكن… كنت هختار أبقى أقوى، ما أسيبش حد يتحكم في مصيري زي ما عملت زوجة أبي.

مد يده وأمسك يدها برفق:

ــ إنتي دلوقتي أقوى… ومحدش هيتحكم فيكي طول ما أنا موجود.

قالت بهدوء:

ــ ومحدش هيتحكم فيك طول ما معاك بيت ومرات وولد يفتّكروك دايمًا إنك مش أقل من حد، حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.

في تلك اللحظة، خرج ياسر يركض نحوهما، عرقه يتصبب ووجهه يلمع بالفرحة:

ــ بابا! ماما! شوفتوني وأنا جبت جول؟!

ضحك عادل:

ــ شُفتك يا بطل… هتطلع أحسن مننا كلنا.

رفع ياسر رأسه:

ــ لما أكبر… هبقى زيّك يا بابا… غني؟

نظر عادل إلى ليلى، ثم إلى ابنه، وقال:

ــ أهم حاجة تبقى غني بالحب والكرامة… الفلوس تيجي وتروح، بس القلب لو افتقر… ما يرجعش يستغنى تاني بسهولة.

سأله الطفل بعفوية:

ــ يعني إحنا دلوقتي أغنيا؟

أجابت ليلى وهي تضمّه إلى ص.درها:

ــ أيوة يا حبيبي… إحنا أغنى ناس في الدنيا.

ومع غروب الشمس، كان في قلب كل منهم يقين جديد:

أن الفقر ليس دائمًا في غياب المال، كما أن الغنى ليس فقط في تراكم الأرصدة.

فقد أُجبرت ليلى يومًا على الزواج من رجل ظنّوه فقيرًا كي يتخلّصوا منها ومن طفلها…

لكن ما لم يتخيلوه أبدًا، أن هذا “الفقير” سيصبح باب نجاتها، وأنه أغنى رجل في المنطقة…

لا بما يملك من مال، بل بما يملك من قلب. 💛

3 من 3التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى