منوعات

زوجي الفقير

2

زوجي الفقير

دخلت ليلى بخطوات مترددة، عينها تجول في المكان. غرفة صغيرة مفروشة بحصير نظيف، وسجادة صلاة في الركن، ومطبخ بسيط في الداخل، وغرفة أخرى صغيرة للّباس والنوم.

لم يكن هناك ما يدلّ على ثراء… على العكس، بدا البيت كبيت أي عامل بسيط في القرية.

نام الطفل على الفراش الذي أعدّه عادل بعناية، بينما جلست ليلى على حافة الفراش الآخر، يداها متشابكتان في حجرها.

قال عادل وهو يقف في منتصف الغرفة:

ــ بصّي يا ليلى… أنا مش هضغط عليكي… اعتبري نفسك ضيفة عندي لحد ما قلبِك يهدى. الجواز مش بس ورقة، الجواز مودة ورحمة… ولما تبقي جاهزة نكمّل حياتنا زي أي زوجين.

نظرت إليه بدهشة لم تستطع إخفاءها.

ــ يعني… مش هتفرض عليا حاجة؟

ابتسم ابتسامة خفيفة:

ــ لا… مش هفرض غير الاحترام.

شعرت لأول مرة منذ شهور أن هناك من يراعي ضعفها دون أن يستغلّه. أومأت برأسها بصمت.

قال:

ــ طيب، أنا هنام في الغرفة التانية كام ليلة… لحد ما نتعود على الوضع الجديد. لو احتجتي أي حاجة، خبطّي على الباب.

ثم أضاف:

ــ وبكرة الصبح نبتدي من جديد.

مرّت الأيام الأولى ببطء. كان عادل يخرج قبل الفجر، ويعود قرب المغرب. لا يحدّثها كثيرًا، ولا يثير أسئلة، لكنّه لا يقصّر في شيء. يأتي أحيانًا بخضراوات طازجة، وأحيانًا بحلوى صغيرة يحبّها الأطفال، ويضعها بجانب وسادة ياسر الذي بدأ يتعلّق به دون أن يشعر.

ذات مساء، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. فتحت، فوجدت امرأة كبيرة في السن، ملامحها طيبة، تحمل طبقًا مغطّى بقطعة قماش.

ــ السلام عليكم يا بنتي، أنا “أم هاشم” جارتكم.

ــ وعليكم السلام.

ــ جبتلك شوية محشي… قلت أعرّفك بنفسي، إحنا جيران، وما يصحش تيجي واحدة جديدة في الحتة منغير ما نطمن عليها.

ابتسمت ليلى بخجل، وأدخلتها:

ــ تسلمي، والله تعبتي نفسك.

جلست أم هاشم وبدأت تتطلع في البيت:

ــ ما شاء الله… لقيتي راجل كويس. عادل راجل طيب، رغم إنه…

وتوقفت فجأة، كأنها كادت تقول شيئًا ثم تراجعت.

سألتها ليلى:

ــ رغم إيه؟

ــ لا لا، ولا حاجة… أقصد رغم إنه لوحده ومفيش له أهل كتير.

لم تُصدّق ليلى هذه المراوغة الطفيفة، لكنها تجاهلتها.

مرت الأيام، وبدأ شيء غريب يلفت انتباهها:

كلما خرجت من البيت، حتى لو لم تكن تعرف أحدًا، كانت نظرات الناس تختلف. بعضهم ينظر إليها بشيء من الفضول، وبعضهم بابتسامة فيها احترام مبالغ، وبعض الرجال الكبار يرفعون أيديهم لها بالتحية كأنها شخصية مهمة.

وفي يوم، بينما كانت في السوق الصغير في أطراف المنطقة، سمعت امرأتين تتحدثان وهما تراقبانها من بعيد.

قالت إحداهما:

ــ هي دي اللي اتجوزها “الأستاذ عادل”؟

ردت الأخرى:

ــ أيوة، شكلها طيبة… ربنا يعينها على اللي جاي.

ــ هو لسه مخبي نفسه في البيت القديم ده؟

ــ أيوة، من يوم ما ساب الشركات وكل حاجة، وهو عايش زي الغلابة.

ــ بس لولا اللي عمله زمان، كانت المنطقة دي ما قامتش.

توقفت قدما ليلى فجأة. شعرت أن قلبها يطرق ص.درها بقوة.

“الأستاذ عادل”؟ “ساب الشركات”؟ عن أي شيء يتحدثن؟

حملت ما اشترته، وعادت إلى البيت بسرعة، وعقلها يغلي بالأسئلة

حانت الليلة التي قررت فيها أن تسأل عادل. انتظرته حتى عاد، وقد بدا عليه الإرهاق، لكنه مع ذلك سألها مبتسمًا:

ــ محتاجة حاجة يا ليلى؟

جلست مقابلة له، وعيناها ثابتتان في عينيه، لأول مرة دون خوف فقط، بل مع شكّ وحيرة:

ــ عايزة أسألك سؤال… وعايزاك تجاوبني بصراحة.

تغيّرت ملامحه قليلًا، لكنه قال بهدوء:

ــ اتفضّلي.

ــ إنت… مين؟

ضحك بخفة:

ــ أنا عادل.

ــ عارفه إنك عادل… بس مش عارفاك فقير زي ما بيقولوا.

صمت.

أكملت هي:

ــ النهاردة في السوق، سمعت كلام عنك… عن شركات… وعن إنك كنت حاجة كبيرة. إنت مخبي عني إيه؟

أطرق للحظات، ثم قال بصوت منخفض:

ــ كنت مستني اليوم اللي هتسأليني فيه السؤال ده… كنت عارف إنه هييجي.

وقف، واتجه إلى الخزانة الخشبية الصغيرة في زاوية الغرفة، فتحها وأخرج صندوقًا معدنيًا قديمًا، ووضعه أمامها.

فتح الصندوق ببطء، وأخرج منه مجموعة من الأوراق والصور. أخذت ليلى واحدة بتردد، فوجدت صورة لرجل يرتدي بدلة فاخرة، يقف بجوار سلسلة من المحلات الكبيرة، وأمام مبنى ضخم يحمل لافتة باسم شركة معروفة في المنطقة.

حدّقت في الصورة، اتسعت عيناها. الرجل في الصورة هو… هو نفسه عادل، لكن مظهره مختلف تمامًا.

قال عادل بصوت مبحوح:

ــ أنا كنت… “عادل النجار”، صاحب أكبر شركة مقاولات ومحلات أدوات بناء في المنطقة.

نظرت إليه، فوجدت في عينيه ثقل السنوات:

ــ كنت؟

ــ أيوة… كنت.

ــ إيه اللي حصل؟

جلس أمامها، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يحكي:

ــ من حوالي ثلاث سنين، كنت واحد من أغنى رجال الأعمال في المنطقة. فلوس كتير، علاقات، اسمي معروف في كل مكان.

وقف لحظة، وكأن ذكرى مؤلمة قطعت أنفاسه:

ــ بس الغنى الحقيقي مش في الفلوس، الغنى في الناس اللي حواليك… وأنا كنت غرقان في ناس بتضحك في وشي وتدعيلي قدامي، وتدعس على اسمي من ورا ضهري.

سألته ليلى بهدوء:

ــ إيه اللي حصل بالظبط؟

ــ اتعرّضت لخيانة من ناس كنت معتبرهم إخوات. شركاء في الشركة… واحد منهم قدّم أوراق مزورة، والتاني شهد زور، والثالث سرّب عقود لشركات تانية.

تنهد:

ــ خسرت صفقات كبيرة، تراكمت عليّ الديون، البنوك بدأت تطلب فلوسها… وفي عز الأزمة، لقيت الناس كلها اختفت. اللي كنت بساعده بآلاف، عمل نفسه ما يعرفنيش، واللي كنت أقربه مني، باعني.

ــ ومال إنت إزاي لسه…؟

ابتسم ابتسامة حزينة:

ــ لما لقيت الدنيا ضاقت، قررت أبيع كل حاجة، أسد ديوني، وأسيب الباقي للزمان. رفضت أدخل في قضايا وفضايح، ورفضت أظلــ,,ـــــم حد حتى لو ظلــ,,ـــــمني.

ــ وسِبت الشركات؟

ــ أيوة… سبتها للي طمعوا فيها… وسافرت شويةلكذا بلد، وبعدين رجعت، بس قررت أعيش بعيد عن العيون. اشتريت البيت البسيط ده، وقررت أعيش بهدوء.

سألته:

ــ طيب… والفلوس؟

ــ جزء كبير منها اتاخد، وجزء تاني حطيته في استثمارات صغيرة على أسماء ناس ثقة… واللي فاضل يكفيني من غير ما أكون تحت الأضواء.

نظر إليها نظرة جادة:

ــ مش فقير يا ليلى… لكن اخترت أعيش كأني واحد بسيط، بعيد عن الطمع، بعيد عن الناس اللي بتتلون.

ظلّت تحدّق فيه، تحاول أن تستوعب.

ــ ليه ما قلتليش؟

ــ كنت عايز حد يشوفني “أنا”، مش فلوسي ولا اسمي. كنت عايز واحدة تقبل تعيش معايا في بيت بسيط، مش عشان عربيات وقصور.

ثم أضاف وهو يشيح بنظره:

ــ وجوزك الله يرحمه… كان شغال في واحدة من شركاتي زمان.

شهقت ليلى:

ــ حسام؟!

ــ أيوة… كان راجل محترم، وشاطر. كنت ناوي أرشحه لمنصب كبير، لكن القدر ما ادّاش فرصة. يوم الدــ,,ـــــادثة، كنت في سفر، ولما رجعت عرفت اللي حصل، وبصراحة… مقصّرش معاه زي ما كان لازم.

نظر إليها بثبات:

ــ لما سمعت عن معاناتك بعد مــ,,ـــــوته، وعن معاملة زوجة أبوك، حسّيت إني مسؤول بشكل ما… يمكن لو كنت اهتميت بحسام أكتر أو ساعدته، كانت حياتكم بقت أهون، أو كان ساب لكم أمان أكتر.

تلعثمت:

ــ يعني… إنت اتقدمتلي عشان… تشفق عليّا؟

ــ لا… مبدأتش كده، لكن زرت بيتكم مرة بحجة شغل مع واحد قريب لزوجة أبوك، وشوفتك… شوفتك وإنت بتخدمي أمك الكبيرة في السن… قصدي زوجة أبوك… وإزاي بتتحملي الإهانة عشان ابنك. ساعتها حبيت جوّاكِ قوة مش طبيعية… وقلت يمكن ربنا كاتب لنا نبدأ من جديد سوا.

سكتت طويلًا، تحاول أن تهضم كل هذه الاعترافات.

كانت مشاعرها متضاربة: امتنان، غضب، دهشة، خوف من المستقبل.

قالت أخيرًا:

ــ أنا… مش عارفة أقول إيه.

ــ مش مطلوب منك تقولي حاجة دلوقتي. كل اللي طلبه منك… ما تخافيش. ومهما حصل، أنا مش هسيبك.

منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء في نظرة ليلى لزوجها الجديد. لم يعد ذلك الرجل الفقير الغامض، بل أصبح لغزًا أكبر: رجل غني اختار الفقر الظاهر، قوي اختار العزلة، قادر اختار أن يمشي بين الناس كأنه واحد منهم.

وفي الوقت نفسه، لم يتغير شيء في سلوكه معها. ظل يحترم مساحتها، يساعدها في شؤون البيت إن احتاجت، يلاطف “ياسر” حتى تعلّق به الطفل بشدة وبدأ يناديه “بابا” دون تكلّف.

ذات يوم، رنّ هاتف عادل المحمول، الذي نادرًا ما يستخدمه.

ردّ، ثم تغيّر وجهه قليلًا وهو يسمع.

ــ حاضر… هاجي بكرة المكتب.

أغلق الخط، فبادرته ليلى:

ــ مكتب؟ مش كنت سايب الشغل كله؟

تنهد:

ــ زمان كنت بتهرب من المواجهة… لكن شكلي كده مش هعرف أهرب للأبد.

ــ حصل إيه؟

ــ واحد من المحامين اللي كنت واصّيه على شوية أوراق، اكتشف إن في تزوير جديد في عقود قديمة تخصني… يعني في حد لسه بيحاول يستغل اسمي وماضيّ عشان ياخد أكتر. لازم أروح أواجههم.

سكت لحظة ثم أكمل:

ــ عايزة تيجي معايا بكرة؟

اتسعت عيناها:

ــ أجي؟ لمكتبك القديم؟

ــ مش هيبقى مكتب قديم… هيبقى أول خطوة جديدة.

ترددت، ثم قالت:

ــ ماشي… هاجي.

في اليوم التالي، استيقظ عادل مبكرًا على غير عادته، وارتدى بدلة أنيقة لم ترَ ليلى مثلها في دولابه من قبل. كان لونها داكنًا، وقميصه أبيض نظيف، وربطة عنق بسيطة، لكن الهيبة التي أضافتها إلى ملامحه جعلتها تكاد لا تعترف أنه نفس الرجل الذي يعيش معها في البيت البسيط.

قال مبتسمًا:

ــ شكلي غريب كده؟

ارتبكت:

ــ لأ… بس… كأنك انسان تاني.

ــ لأ، هو نفس الإنسان… بس ده الوش اللي كنت مخبيه عنك.

ارتدت هي عباءة أنيقة لكنها محتشمة، ووضعت على رأسها حجابًا مرتبًا، وحملت “ياسر” بيد، بينما حمل عادل بعض الأوراق بيده الأخرى.

في الطريق إلى المدينة الرئيسية، رأت ليلى كيف بدا عادل مختلفًا وسط الشوارع المزدحمة. الناس تنظر إليه، بعضهم يهمس باسمه، وبعضهم يتجرأ ليصافحه:

ــ أستاذ عادل! فينك من زمان؟

ــ منوّر المدينة والله!

كان يكتفي بابتسامة سريعة، وإيماءة خفيفة، ثم يمضي، كأنه لا يريد أن يطيل الوقوف.

وصلوا إلى مبنى كبير يحمل اسمًا كانت ليلى تعرفه من الإعلانات والواجهات:

شركة “النجار للمقاولات والتجارة”.

تمتمت بدهشة:

ــ ده… اسمك!

ــ أيوة… وأنا راجع آخده تاني.

دخلوا من الباب الزجاجي الواسع. ما إن رآه الحارس حتى وقف باحترام:

ــ صباح الخير يا أستاذ عادل.

في الداخل، ساد صمت غريب لثوانٍ طويلة، كأن الجميع شعر بدخوله.

همس أحد الموظفين لزميله:

ــ هو رجع؟!

ــ أيوة… أهو قدامك.

دخل عادل مكتبًا كان يُفترض أنه لم يعد له. خلف المكتب جلس رجل في الأربعينيات، ممتلئ الجسم، ملامحه قاسية، وعيناه لا تبشران بخير.

أشار عادل لموظف الاستقبال أن تبقى ليلى في الخارج مع ياسر، لكنه لم يمنعها إن أرادت الدخول.

اختارت هي أن تنتظر في الخارج، لكنها اقتربت من الباب قليلاً لتسمع إن استطاعت.

قال الرجل الجالس وهو يحاول أن يظهر الهدوء:

ــ أهلاً أهلاً… شرفتنا يا أستاذ عادل.

رد عادل بصوت بارد:

ــ واضح إني ما شرفتش قوي، وإلا ما كنتش حاولت تمسح اسمي من على الباب.

ابتسم الرجل بتصنّع:

ــ لا أبدًا… ده بس تطوير للعلامة التجارية.

رماه عادل بنظرة حادة:

ــ “تطوير”؟ ولا سرقة؟

ارتبك.

أخرج عادل ملفًا من حقيبته ووضعه على المكتب بعنــ,,ـــــف خفيف:

ــ دي نسخ من العقود اللي مزورتها… عقود بيع لأصول باسم الشركة اتكتبت من ورا ضهري قبل ثلاث سنين، ولسه مكمل تخريب لحد النهارده.

ــ م… مين قال كده؟

ــ المحامي اللي كنت مفوّضه… واللي هيدخل معنا شهود. أنا سكت كتير، بس شكلي كنت غلطان.

وقف الرجل غاضبًا:

ــ إنت ماعدتش ليك حاجة هنا! بعت كل أسهمك، ومضيت على تنازلات!

رد عادل بهدوء قاتل:

ــ أيوة، بعت أسهمي… لكن ما بعتش اسمي. العقود اللي بعد البيع، اللي مكتوب فيها إني وافقت على مشاريع معيّنة، دي مزورة… توقيعي فيها متقلّد، وده جريمة جنائية.

خيم الصمت، ثم قال عادل:

ــ قدامك حلّين: يا إمّا نروح المحكمة، ووقتها هتخسر كل حاجة، يا إمّا نعمل تسوية ترجعلي فيها حقي بدون ما نهدم اللي بنيته بسنين.

في الخارج، كانت ليلى تسمع أجزاء من الحديث، قلبها يخفق خوفًا وفخرًا في آن واحد.

رأت بعض الموظفين يراقبون الباب بقلق، وبعضهم بفضول، وبعض الشابات يتهامسن بإعجاب واضح بشخصية عادل القوية.

بعد ساعة من شدّ وجذب، خرج عادل من المكتب بخطوات ثابتة، وجهه جاد لكن في عينيه بريق انتصار هادئ.

اقتربت منه ليلى:

ــ إيه اللي حصل؟

ــ لسه مافيش حاجة أكيدة… بس البداية اتحطّت.

ــ يعني ممكن… ترجع الشركة؟

ــ مش بالضرورة أرجّعها بالكامل… لكن هارجّع حقي… وكرامتي.

نظر إليها لحظات طويلة، ثم قال:

ــ وهارجّع حقّك أنتِ كمان

بعد أيام قليلة، جاء إلى بيتهم البسيط رجل أنيق، يحمل حقيبة جلدية، قال إنه محامي عادل. جلس معهما، وشرح بهدوء أن جزءًا من حقوق عادل المالية ستعود إليه خلال فترة ليست طويلة، وأنه بدأ بالفعل في إجراءات استرداد بعض الأملاك.

كان أول شيء فكّر فيه عادل… هو بيت زوجة أبي ليلى.

قال لها:

ــ مش علشان ننتقم… لكن علشان يعرفوا إن ربنا ما بيسيبش حد مظلوم.

ارتبكت:

ــ أنا… مش عايزة أرجع هناك.

ــ مش هنرجع عشان نعيش… هنرجع عشان نواجه.

ذهبوا جميعًا في صباح يوم مشمس. طرق عادل باب البيت القديم، فتحته زوجة الأب وهي في كامل زينتها، لم تتوقع أن تراهم. ما إن رأت ليلى حتى قطّبت جبينها، لكنها حين رأت عادل بملابسه الأنيقة، ترددت:

ــ خير؟

ابتسم عادل ابتسامة مجاملة باردة:

ــ صباح الخير يا حاجة… جينا نطمن عليكي.

قالت بتصنع:

ــ تسلم يا ابني… ما شاء الله، شكلك اتغيّر قوي!

دخل دون استئذان تقريبًا، ومعه المحامي. جلسوا في الصالة التي تعرفها ليلى جيدًا، حيث سمعت أسوأ الكلمات في حقّها يومًا ما.

أخرج المحامي أوراقًا، وقال بنبرة رسمية:

ــ إحنا هنا بخصوص ميراث المرحوم “حسام عبد الرازق”، جوز الأستاذة ليلى الله يرحمه.

تجمد وجه زوجة الأب:

ــ ميراث إيه؟ ده ما كانش عنده حاجة!

تحدث عادل:

ــ لأ، كان له حقوق عند الشركة اللي كان بيشتغل فيها، بس للأسف ما اتصَرّفتش لزوجته بعد وــ,,ـفاته… وقصّرنا وقتها، وده حقّها وهي هتاخده كامل.

نظر إلى ليلى بابتسامة دافئة.

أكمل المحامي:

ــ وبالمناسبة… البيت ده كان باسم المرحوم جوزك، موثّق من زمان، يعني من حق مراته وابنه.

شهقت زوجة الأب:

ــ إيه الكلام ده؟!

ــ الكلام ده قانوني… وإنتِ عارفة إنه كتب البيت باسمه بعد آخر تصليح كبير عمله هنا.

تلعثمت:

ــ بس… بس هو قال…

قاطعتها ليلى لأول مرة بصوت قوي لم تعتد أن تسمعه من نفسها:

ــ هو يمكن ما لحقش يقول… بس الورق بيقول. البيت ده حقي وحق ابني… وأنا مش هسيب حقّي تاني.

نظرت زوجة الأب إلى ليلى، ثم إلى عادل، ثم إلى المحامي، وعرفت أن اللعبة انتهت. بدأت تبكي، تتوسل، ولكن هذه المرة لم يكن في قلب ليلى سوى برودة تعلمتها من قسوة الأيام.

قالت بهدوء:

ــ مش هجريكي برّه… هتفضلي قاعدة لحد ما تلاقي مكان تاني، بس من هنا ورايح… البيت ده مش ملكك.

تدخّل عادل:

ــ وإحنا مش هنسيبك في الشارع… هنساعدك تلاقي مكان، مش عشانك إنتِ، عشان خاطر جوزك الأول اللي كان دايمًا يقول إنك ليكي فضْل عليه.

سكتت المرأة، ودموعها تنهمر، لكنها عرفت أن ما سلبته ظلــ,,ـــــمًا عاد إلى أصحابه.

خرجت ليلى من البيت وهي تشعر أنها تركت خلفها قيدًا ثقيلًا كان يحيط بروحها.

سار عادل بجوارها، يحمل “ياسر” على كتفه، والطفل يضحك بسعادة.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى