
2
مفاجأة في المخزن
-
قصة الدكتورة بان العراقيةمنذ 12 ساعة
-
إسلاممنذ يوم واحد
-
فتاة كفر طهرمسمنذ يومين
وسكت لحظة وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال “كنت ناوي أوريهولك في عيد جوازنا الجاي”، ضحكت وسط دموعي وقلت له “أهو أنا استعجلت”، مسكت إيده جامد وحسيت إن ال٣١ سنة اللي فاتوا ماكانوش مجرد وقت عدى، كانوا قصة كاملة متخزنة في مخزن صغير، قصة حب اتخبت مش عشان تتدارى، لكن عشان تتحفظ، ومن اليوم ده فهمت إن أوقات السر مش خيانة ولا خداع، أوقات بيبقى حب خايف يضيع، وحمدت ربنا إني فتحت الباب ده بنفسي قبل ما يفوت الأوان.
بعد اللي شوفته في المخزن، حياتي ما رجعتش زي الأول، بالعكس، حسيت إني اتعرفت على جوزي من جديد بعد ٣١ سنة، وكأن في طبقة كاملة من روحه كانت مستخبية وأنا بس اللي أخيرًا شفتها، قعد في المستشفى أربعة أيام، وكل يوم كنت بروح له وأنا شايلة معايا صورة من الصور اللي لقيتها هناك، أوريهاله وأقوله فاكر اليوم ده؟ فيبتسم ويبدأ يحكي تفاصيل أنا نفسي نساها، عن أول شقة إيجار صغيرة كنا ساكنين فيها وكان السقف بيسرب مية وإحنا بنضحك ونحط جردل، عن أول مرتب ليا لما اشتغلت واشتريت له ساعة
رخيصة وفضل لابسها سنين، عن يوم ولادة ابننا وهو واقف قدام أوضة العمليات بيرتعش بنفس الطريقة اللي كان بيرتعش بيها أبويا يوم ما اتجوزت، وبدأت أفهم إن المخزن ماكانش مجرد مكان بيخبّي فيه حاجات، ده كان أرشيف عمر كامل، كان بيخاف الذكريات تضيع لو اتنقلت من بيت لبيت، أو لو حصل حريق، أو لو الزمن باهت الصور، كان بيقول لي وهو لسه تعبان “أنا شوفت أبويا وهو بيلم هدوم أمي بعد ما ماتت ومش لاقي صورة واحدة ليهم سوا، حسيت وقتها إن الذكريات ممكن تضيع في لحظة، وأنا مكنتش عايز ده يحصل لنا”، وأنا أسمعه وأحس بغصة قديمة كانت مستخبية جواه طول السنين، وبعد ما خرج من المستشفى، قلت له إننا لازم نروح المخزن سوا، وفعلاً بعد أسبوع لما بقى أحسن، خدته بالعربية، نفس الطريق اللي مشيت فيه لوحدي وأنا قلبي مليان شك، المرة دي كنت ماسكة إيده، ولما وصلنا وقف قدام الباب الحديدي وبصلي وقال “جاهزة تشوفي الحكاية كاملة؟”، فتحنا الباب ودخلنا، وابتدى يحكيلي عن كل صندوق، واحد فيه رسائل كنت بكتبها له وإحنا مخاصمين
ونصالح بعض، واحد فيه أول رسمة لابننا مكتوب عليها “بابا وماما”، واحد فيه شريط كاسيت عليه صوتي وأنا بغني في المطبخ وهو مسجله من غير ما أعرف، ضحكت وقلت له “كنت بتتجسس عليا!” قال لي “كنت بحاول أحفظ صوتك”، وفي ركن بعيد كان في صندوق مقفول بقفل صغير، طلع مفتاحه من جيبه وقال “ده كنت مأجله”، فتحناه لقيت جوه دفتر تاني، بس ده كان مختلف، كان فيه خططه للمستقبل، رحلات كان نفسه نعملها، أماكن على البحر والجبل، وحتى تصميم بيت صغير كان بيرسمه بإيده، قال لي إنه كان بيحوش فلوس من غير ما يحسسني عشان يفاجئني في عيد جوازنا الـ٣٥ برحلة طويلة نسافر فيها أوروبا، قعدت أبص له ومش مصدقة إن الراجل اللي كنت أوقات بزعل منه عشان “مش رومانسي كفاية” كان شايل ده كله جواه، رجعنا البيت يومها وإحنا حاسين إننا لسه في أول الجواز، بقينا نقعد كل ليلة نفتكر ذكرى ونضحك، بقينا نصور أكتر، نكتب تواريخ على ضهر الصور، حتى ابننا لما عرف حكاية المخزن قال لنا “أنا كمان عايز أعمل واحد لما أكبر”، وبعد شهور قررنا
نعمل حاجة جديدة، نقلنا كل اللي في المخزن لبيت صغير اشتريناه في هدوء على أطراف المدينة، وحولناه لغرفة ذكريات، حيطانها مليانة صور، ورفوفها مليانة صناديق متسماة، وكل سنة بقينا نضيف صندوق جديد، بس الفرق إن المرة دي مابقاش في أسرار، بقينا بنحط الحاجات سوا، وهو ساعات يبصلي ويقول “لو حصلي حاجة فجأة…” فأقوله بسرعة “بعد الشر عليك”، فيضحك ويكمل “بس لو حصل، هتلاقي تاريخنا كله محفوظ”، وأنا أرد عليه “وأنا مش هستنى مخزن عشان أعرف إنك بتحبني”، والحقيقة إن المفتاح الصغير اللي لقيته في محفظته ماكانش بس مفتاح مخزن، كان مفتاح باب اتفتح بينا من جديد، باب رجّع لنا شغف افتكرناه راح مع السنين، علّمنا إن الحب مش لازم يكون دايمًا بصوت عالي، ساعات بيبقى في صناديق مقفولة، مستني اللحظة الصح عشان تتفتح، ومن يومها كل ما أعدي جنب المخزن القديم، أبتسم وأفتكر الليلة اللي رجلي كانت هتخونّي فيها، وأقول لنفسي الحمد لله إني فتحت الباب، والحمد لله إني لقيت جواه حب ماكانش مستخبي… كان بس مستني يتشاف.








