
لم تشعر إليانا روس قط بالحب. في سن التاسعة والثلاثين، كانت هذه الوريثة الثرية تعيش في مدينة ساحلية بعيدة، داخل قصرٍ فخم يقع في أحد أهدأ الشوارع وأكثرها أناقة، محاطة بالخدم من كل جانب لكنها، رغم كل هذا الثراء، كانت تعيش وحدةً أيامها ببطء. كان والدها، تاجرًا بارعًا يعرف كيف يصنع المال من لا شيء، قد ترك لها ثروة ضخمة قبل بخمس سنوات.
-
مفاجأة جديدة في قصة بسنت سليمانمنذ 20 ساعة
-
الصامت على موائدنامنذ 3 أيام
-
ابوها قدام جوزهامنذ 3 أيام
-
نبض من وسط المستحيلمنذ 4 أيام
ترك لها كل شيء إلا الإحساس بالحياة.
أما والدتها، فقد رحلت منذ زمن بعيد، حين كانت إليانا في الثانية عشرة فقط، بعد أن أنهكها المرض سريعًا. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الطفلة كما كانت كبرت فجأة، وهدأ شيء بداخلها إلى الأبد.
منذ سنواتها الأولى، لم تكن وحيدة في الظاهر.
كان بابها مفتوحًا دائمًا للخطّاب رجال من طبقات مرموقة، بأسماء لامعة ووجوه واثقة.
لكن خلف كل ابتسامة، كانت ترى الحقيقة.
لم يكونوا يرونها بل يرون ما تملك.
كانوا يسألون عن ممتلكاتها أكثر مما يسألون عنها.
ينبهرون بثروتها أكثر مما يهتمون بشخصها.
وكان ذلك كافيًا لتدرك أنهم لا يريدونها حقًا.
لم تكن جميلة بشكلٍ لافت، ولا قبيحة تُنفر أحدًا.
كانت ببساطة عادية.
ملامح هادئة، حضور خافت، وصوت لا يسعى للفت الانتباه.
وفي عالمٍ لا يلتفت إلا لما يلمع كانت العادية تعني أن تمر دون أن يلاحظها أحد.
كلما اقترب أحدهم، كانت ترى ما لا يُقال.
وكلما فهمت أكثر كانت ترفض.
لم تكن مستعدة أن تتحول إلى صفقة، أو أن تُختزل حياتها في مهرٍ يُدفع.
كانت ترفض بهدوء دون صخب. لكن رفضها كان كافيًا ليجعلهم يرحلون واحدًا تلو الآخر حتى اختفوا جميعًا.
مرت السنوات، وتغيّر كل شيء.
.قلت الدعوات إلى الحفلات،
واختفت الأحاديث اللطيفة، وحلّ مكانها صمت ثقيل ونظرات لا تخلو من شفقة.
كلمة واحدة بدأت تلاحقها في كل مكان
عانس.
كأنها حكم.. كأنها وصمة لا تُغتفر.
في مجتمعٍ لا يرى للمرأة قيمة دون زوج، أصبحت إليانا استثناءً غير مفهوم بل خطأً يجب تفسيره.
فابتعدت.
لم تحاول الدفاع عن نفسها، ولم تسعَ لإرضاء أحد.
اختارت العزلة لأنها أقل من نظرات الناس.
وجدت راحتها في الكتب،
بين صفحات لا تسألها لماذا تأخرت، ولا تُحاسبها على اختياراتها.
ووجدت نفسها أكثر في العمل حيث الأرقام واضحة، والقرارات بيدها وحدها.
كانت تملك ثلاث مزارع قطن واسعة،
وأُسطولًا صغيرًا من السفن التجارية التي تجوب البحر.
ولم تكن مثل غيرها من أصحاب الثروات
لم تكتفِ بإصدار الأوامر من بعيد.
كانت تذهب بنفسها.
تزور الأراضي، تمشي بين العمال، تحفظ الوجوه والأسماء.
ترى التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون وتسمع ما لا يُقال.
لم تكن غافلة.
كانت تعرف جيدًا أن هذا الثراء بُني على نظام ، لا عدل فيه.
ترى التعب في الأجساد، والصمت في العيون، وتفهم أكثر مما تُظهر.
لم تكن تملك القوة لتغيير هذا الواقع.
لكنها، على الأقل، حاولت ألا تكون جزءًا من .
كانت أقل صرامة أكثر إنصاتًا وأحيانًا، أكثر إنسانية.
لكن في ربيع عام 1858، تغيّر كل شيء. لم تكن البداية درامية كما قد يتخيل أحد مجرد ألمٍ خافت في بطنها، أشبه بوخزة عابرة يمكن تجاهلها. حاولت أن تتعامل معه كأي تعبٍ عابر، كإرهاقٍ بسيط سيزول مع الراحة. لكن الألم لم يختفِ بل عاد، أقوى، أعمق، وكأنه يعلن عن نفسه ببطءٍ متعمد.
أيام قليلة، وكان
الألم قد تحوّل إلى شيءٍ لا يُحتمل.
شيءٌ يسرق أنفاسها، ويجعل الليل أطول من اللازم، والهدوء أكثر .
استدعت الطبيب جورج هالِر، أحد أكثر الأطباء شهرةً في المدينة.
رجلٌ هادئ، متمرس، لا يُظهر انفعالاته بسهولة.
فحصها طويلًا أكثر مما توقعت. صمت كثيرًا أكثر مما ارتاحت له.
وحين انتهى، لم يحتج إلى كلماتٍ كثيرة.
نظر إليها نظرةً مباشرة، وقالها كما هي دون تجميل
ورم خبيث. لا أمل في الشفاء.
ستة أشهر على الأكثر وربما أقل.
كان الحكم نهائيًا..باردًا كأنه لا يخصها.
الغريب أنها لم تصرخ لم تبكِ لم تسأله حتى لماذا أنا؟.
استقبلت إليانا الخبر بهدوءٍ أربك الطبيب نفسه.
كأنها كانت تعرف في مكانٍ ما داخلها أن النهاية لن تكون مختلفة.
كانت تعلم أنها ستغادر هذا العالم كما عاشت فيه وحدها.
شكرته دفعت أجره بسخاءٍ زائد، كعادتها.
ورافقته حتى الباب بنفسها.
كل شيءٍ كان طبيعيًا بشكلٍ مخيف.
لكن حين أُغلق الباب، وبقيت وحدها
تغيّر كل شيء جلست في غرفتها، دون حركة.
الوقت مرّ لكنها لم تشعر به.
تسعة وثلاثون عامًا رقمٌ بدا فجأة ثقيلًا.
تسعة وثلاثون عامًا دون أن تعيش فعلًا.
دون أن تختبر الشغف دون أن تعرف تلك الرجفة التي يتحدث عنها الآخرون وكأنها سرّ الحياة.
لم لم تعرف القرب.
لم تعرف أن يكون هناك شخصٌ واحد يراها، لا ما تملك.
سترحل كما جاءت.
الفكرة لم تغادرها بل التصقت بها.
أسابيع مرت والألم في جسدها كان يزداد.
لكن الألم الحقيقي لم يكن في بطنها.
كان في داخلها إحساسٌ حاد بالندم.
قضت حياتها تحمي نفسها تغلق الأبواب.
ترفض كل
من اقترب لأنها رأت الحقيقة في عيونهم.
لكن الآن وبعد فوات الأوان
تساءلت لأول مرة هل كانت على حق دائمًا؟
أم أنها بالغت في الحذر؟
في إحدى أمسيات يونيو، خرجت إلى الشرفة.
الهواء كان دافئًا خفيفًا كأنه لا يعرف شيئًا عمّا يحدث بداخلها.
وقفت تنظر إلى المدينة. الأضواء في كل مكان.
ضحكات بعيدة. عربات تمرّ حياةٌ كاملة لا تتوقف.
كم منهنّ كنّ يضحكن أو يهمسن أو يستسلمن لمشاعر لا تفهمها؟
العالم كان يمضي بكل فوضاه، وشغفه، وخطاياه.
وهي كانت تقف خارجه.
كأنها لم تكن جزءًا منه يومًا.
في تلك اللحظة تحديدًا ولأول مرة
خطرت لها الفكرة لم تأتِ تدريجيًا.
لم تكن نتيجة تفكيرٍ طويل بل ظهرت كاملة.
فكرةٌ مجنونة . لا تُصدق.
لكنها بدت لها منطقية بشكلٍ مخيف.
ماذا ستخسر؟ السمعة؟ لم يعد لها معنى.
نظرات الناس؟ لن تعيش لتراها.
الأعراف؟ قيودٌ لم تعد تهم.
هي . وهذا يغيّر كل القواعد.
في صباح اليوم التالي، لم تتردد.
استدعت توماس كراين، وكيلها القانوني.
رجلٌ دقيق، يعرفها منذ سنوات، ويعرف أنها لا تطلب شيئًا دون سبب.
جاء مسرعًا، مستغربًا من الإلحاح.
جلست أمامه في مكتبها، هادئة كعادتها
لكن في عينيها شيء مختلف شيء لم يره من قبل.
وقالت، دون مقدمات
أريد . شاب بصحة جيدة.
أريدك أن تتولى أنت إنهاء كل الإجراءات.
ساد الصمت.
نظر إليها كأنه لم يفهم. ثم فهم وشحب وجهه فورًا.
لم يكن هذا طلبًا عاديًا. لم يكن حتى طلبًا يمكن تفسيره.
سيدتي هل يمكنني أن أعرف السبب؟
سألها بحذر. ربما أمل أن يكون هناك تفسير أي تفسير.
لكنها نظرت إليه بثبات، وقالت
لا. نفّذ فقط ما طلبته. ادفع ما يُطلب مهما كان.
كان يعرف هذا الصوت. يعرف تلك النظرة.
حين
متابعة القراءة








