عام

قصة بقلم نيرمين عادل همام

2

قصة بقلم نيرمين عادل همام

مقالات ذات صلة

له أحكامه.

لفيتي وشك وبصيتي لها بتركيز.. مبصتيلهاش كأنها مرات ابنك، ولا الست الشيك اللي ريحة برفانها ملت البيت المتواضع ده وخنقت ريحة التقلية.. بصيتي لها بصفتها الست اللي سابتك تاكلي فول بدمعة تحت شباك بيخر مية، وهي بتمثل إنها شايلة همك وخايفة لحسن تبردي في الشتا.

قلتِ بهدوء وانكسار أنا صحيح فقيرة يا بنتي.. بس لسه عقلي في راسي ومخرفتش.

المكان كله سكت. طارق قفل دفتر التوفير بخبطة قوية، وبص لمراته بصه لأول مرة يكون فيها فهم. مكنتش نظرة جوز لمراته، كانت نظرة راجل اكتشف إن فيه حد بيمثل الحنية وهو بيسرق لقمة أمه من قدامها بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

قال بصوت واطي ومرعب وريني التحويلات يا شيرين. شيرين محركتش شعرة إنت بتتكلم بجد؟ إنت هتعمل كدة هنا؟ قدام العيال؟

كأن العيال هما المشكلة.. كأن قلة الأصل مش هي الإهانة.. كأن أرضية المطبخ المكسرة وطبق الفول هما اللي كسفوها مش . شفتي طارق وهو بيجز على سنانه، والشرر بيطير من عينه.

نادى على ابنه الكبير يا إبراهيم.. خد أخوك ياسين وادخلوا استنوني في الصالة. الواد الكبير وقف متردد، هو كبير كفاية إنه يفهم إن الكبار بيكدبوا لما بيبقوا هاديين زيادة عن اللزوم. ياسين الصغير كان ماسك عربية لعبة وبص لباباه ولأمه ولكِ، وهو مش فاهم حاجة. كنتِ هتطلبي من طارق يسيبهم، بس رجعتِ في كلامك.. لازم العيال يعرفوا الطمع شكله إيه قبل ما يتزوق ويلبس لبس شيك ويدخل حياتهم باسم الأهل.

أول ما العيال خرجوا، شيرين قناع الكنّة المطيعة اللي كانت لبساه سنين، وقالت بزهق ونفخة عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت محسسني إني اشتريت يخت.. دي مصاريف البيت يا طارق.

طارق بصلها بذهول إنتي بتقولي إيه؟

رفعت راسها لفوق بتبجح، والوش الحقيقي ظهر.. مكنش فيه خوف، كان فيه عناد. وش الست اللي شايفة إنها صاحبة حق لدرجة إنها مابقتش شايفة بشاعة كلامها. قالت بحدة قلت إن أمك مش محتاجة كل الفلوس دي كل شهر! خليك صريح مع نفسك.. كانت هتصرفهم في إيه؟ هتجيب بيهم ملايات حرير

ولا جبنة

مستوردة؟ دي ست عايشة لوحدها في أوضتين وصالة ومابتخرجش من باب البيت. في حين إننا عندنا عيال، ومظاهر اجتماعية، وتبرعات لذكرى جواز أهلك، ورحلات المدرسة لغات، ونادي..

طارق قاطعها بصوت كأنه يا شيرين. الكلمة نزلت عليها زي القلم. شيرين بربشت بعينيها وقالت إنت فاهم قصدي. قال لها لأ.. أنا شكلي مكنتش فاهم حاجة خالص.

كنتِ واقفة جنب البوتاجاز، ساندة بإيدك على الرخامة لأن الدنيا بدأت تلف بيكِ. دخان الفول كان طالع بينكم كأنه شاهد على كل اللي بيحصل. افتكرتِ الشهور اللي فاتت كنتِ بتقسمي الحباية نصين، وتنامي بالشراب والجاكت عشان توفري في فاتورة الكهرباء والغاز، وبتمثلي إن العيش الناشف بتاع الجامع مكفيكي.. وكنتِ بتقولي لنفسك طارق ابني مشغول بس قلبه أبيض.

أبيض.. الكلمة دي طلعت ضعيفة أوي دلوقتي.

طارق فتح الدفتر تاني، مش عشان يشوف، لكن عشان يمسك أعصابه لا . سألها وهو باصص في الورق كام يا شيرين؟ سكتت.. والسكوت كان هو الاعتراف. كام يا شيرين؟ انطقي!

نفخت بملل معرفش.. شوية راحوا لحساب البيت، وشوية لمصاريف مدرسة العيال، وشوية لرحلة الجونة عشان مكافأة الشغل بتاعتك مكنتش نزلت، وكان شكلي وحش أوي قدام صحباتي وإحنا بننزل ليفيل الأوتيل..

طارق رفع راسه فجأة رحلة الجونة؟ حدفت إيدها في الهوا يا سيدي جرا إيه! إحنا مابنتكلمش في ملايين، دي قرشين محطوطين لواحدة مكانتش تعرف أصلاً إنهم موجودين!

حسيتِ ببرودة في قلبك اللحظة دي.. مش من ، إنتي عرفتي من أول يوم دخلت فيه مطبخك وبصت لحياتك بقرف. البرودة كانت من نفسك.. لما افتكرتِ إنك كنتِ بتدافعي عنها سنين وتقولي يمكن تعبانة، يمكن بنات البندر طبعهم كدة، يا نادية يا بنتي. لكن الحقيقة إن الأذى كان قاعد معاكِ على نفس الطبلية سنين وهو مستني اللحظة دي.

طارق قام من الكرسي فجأة لدرجة إنه عمل صوت مزعج على الأرض قومي.. هنمشي حالاً. شيرين ضحكت بذهول نعم؟ إحنا لسه واصلين! قلت هنمشي!

إنت مش هتهزقني قدام أمك عشان خاطر

الورق الهبل ده.

زعق فيها بصوت سكت ساعة الحيطة ! صوته كان . سبتيها عايشة بالمنظر ده وإنتي بتقوليلي كل شهر إنها بتقولك كتر خيرك وتسلم إيدك يا طارق!

هنا نفسك انقطع.. رفعتِ راسك قالتلك إيه؟ طارق مقدرش يبص في عينك من الخزي.. كتافه نزلت لتحت وبان عليه الهم كل شهر يا أمي.. كانت بتقولي إنها حولت لك الفلوس. كانت بتقول لي إنك بكيتي من الفرحة أول مرة، وإنك مش عاوزاني أشيل همك، وإنك حلفتيها ماتقوليش قدامي عشان مكنتيش عاوزاني أصرف مبالغ زي دي عليكي..

غمضتِ عينك. المطبخ اختفى من قدامك.. وافتكرتِ كل مكالمة تليفون في السنة اللي فاتت. كل إزيك يا ماما؟ سريعة، وكل رد منك ب الحمد لله يا ضنايا ماتشغلش بالك. كل لحظة كنتِ فاكرة فيها إن بعده عنك ده مشاغل الدنيا، ومكنتيش تعرفي إنه كدبة متفصلة بالمللي من الست اللي واقفة قدامك دلوقتي وبتبصلك بمنتهى كأنك إنتي اللي غلطانة.

فتحتِ عينك، لقيتي شيرين بتبصلك  أهو ده اللي كنت خايفة منه، خلط الفلوس بالأهل.. بقيت أنا الشريره دلوقتي عشان مشيت أمور البيت بذكاء!

كنتِ خلاص هتضحكي.. ضحكة يأس. شيرين  في الشهر من أم جوزها، ولسه شايفة نفسها ل مشاعرك .

طارق لسه مخلصش كلامه.. ولسه المواجهة في أولها

طارق بصلها بنظرة غريبة، كأنها أول مرة يشوفها على حقيقتها، وقال بصوت خالي من أي مودة إنتي ممشيتيش الأمور بذكاء.. إنتي ، أمي يا شيرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

الكلمة نزلت عليها كأنها كهرباء، يمكن لأن طارق قفل الباب قدام أي تمثيل أو دلع. شيرين نخرت بتبجح وقالت بحدة ماشي.. أيوة أخدت جزء من الفلوس! لأني عكس أمك، أنا عايشة في الدنيا الحقيقية.. الدنيا اللي كل حاجة فيها بتمن، والمنظر الاجتماعي فيها بيفرق، والعيال محتاجين أكتر من مجرد طبق فول وشوية كلام عن الرضا والصبر.

دي كانت اللحظة اللي طارق انكسر فيها بجد.. مسك ضهر الكرسي بقوة لدرجة إن الخشب طقطق تحت إيده، وقال بصوت

واطي ومخيف اطلعي بره

مطبخ أمي.

شيرين وقفت مكانها مذهولة.. في ثانية واحدة، استوعبت إن الخناقة اللي كانت فاكرة إنها هتديرها وتسيطر عليها، خرجت عن السيطرة. دي مابقتش ناقرة ونقير بين راجل ومراته هيصالحها بكلمتين أو عزومة بره.. ده كشف حساب لضميرها. طارق واقف في المطبخ اللي شهد جوعه وهو صغير، وافتكر بالمللي يعني إيه ، قبل ما يبقى غني ويشتري راحة باله ويسلم ضميره لغيره.

قالت بصوت فيه هدوء مصطنع يا طارق.. بلاش دراما، متبقاش أوفر. شاور لها على الباب بصباعه خدي العيال وانزلي على العربية.. حالاً.

لثانية واحدة، كنتِ فاكرة إنها هتعاند وتجرب سلاحها القديم؛ جمالها، شياكتها، طريقتها في إنها تبان هي اللي عاقلة .. لكنها شافت وشه وعرفت حاجة إنتي عارفاها كويس طارق مبيطلبش.. طارق بيأمر.

شيرين لفت ومشت من غير ولا كلمة. سمعتي صوت كعب جزمتها الغالي وهو بيخبط في الصالة، وبعدها صوتها وهي بتنادي العيال بنبرة فرحة كدابة. دقيقة والباب اتقفل وراهم. السكوت اللي سابته وراها كان تقيل.. كأن للهوا وزن.

طارق محركش شعرة.. وإنتي كمان. مفيش صوت غير غليان الفول على ، وصوت موتور الثلاجة القديم وهو بيزيق بتعب. البيت حسيته صغر، بس بقى أنضف.. الكدب ليه ريحة خنقة، ولما بيخرج، النفس بيرجع تاني.

طارق لف وبص لكِ.. كان باين عليه الهدد.. مش عشان جوازه اللي بينهار بس، ده عشان النسخة اللي كان عايش بيها في عالم الأغنياء في مطبخك، وظهر من تحتها الولد الصغير اللي كان بياكل عيش وملح على الطبلية دي ويحلف إنه لما يكبر هيشيلك في عينه.

قال بصوت مبحوح يا أمي.. والكلمة اتقطعت في زوره. هنا مكنش ينفع تمسكي نفسك.. إنتي معيطتيش لما ستات الجامع كانوا بيدولك أكياس مكرونة صدقة. معيطتيش لما كنتِ بتنامي والفرن شغال عشان يدفي شوية. معيطتيش لما ركبك كانت لدرجة إنك بتقعدي على عشان تلبسي الشراب بإيديكي الاتنين.. لكن ابنك وهو واقف قدامك، تايه كأنه عنده 12 سنة ومهموم كأنه عنده 60؟ ده اللي فتح بجد.

قعدتِ على الكرسي قبل ما

رجلك .. وهو نزل على

متابعة القراءة

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى