عام

تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد

2 تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد     قالت بصوت منخفض:   “مع الوقت… بدأت أصدقهم أنا أيضًا.”   ورغم كل شيء…   كان والدها يحبها فعلًا.   لكن بطريقة مشوّ، هة ومؤذية.   كان يحاول علاجها باستمرار.   يجلب لها أطباء نفسيين.   يسافر بها أحيانًا للخارج.   ويغضب بجنون إذا سمع أحدًا يسخر منها.   لكنه في الوقت نفسه…   كان السبب الحقيقي في كل ما دمّرها.   ولهذا أصبحت علاقتهما مؤلمة جدًا.   هي لا تستطيع فضحه لأنه أبوها الذي تربّت على حبه وطاعته.

  وهو لا يستطيع الاعتراف بما فعله لأنه أقنع نفسه لسنوات أنه فقط “أنقذ ابنته”.   وعندما اقترب عمرها من الثلاثين…   بدأ يخاف أكثر.   ليس لأنها ستبلّغ عنه.   هو يعرف أنها لن تفعل ذلك أبدًا.   بل لأنه رأى الذنب يق*تلها ببطء كل يوم أمام عينيه.   وكان يريد تزويجها لرجل “محترم” يعيدها للحياة قليلًا… ويُسكت كلام الناس في الوقت نفسه.

مقالات ذات صلة

  لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت:   “لكنه اختارك أنت تحديدًا لسبب آخر.”   شعرتُ بقلبي ينقبض.   “كان يعرف من تكون.”   سكتت لحظة.   “ويعرف أن عائلتك هي العائلة التي خسرت طفلها يوم نجاتي.”   اختفى الهواء من الغر، فة.   “أظنه… كان يحاول أن يعوّض شيئًا لا يمكن تعويضه.”   ثم أضافت بصوت موجو، ع:   “لكن بطريقة أنانية ومشوّ، هة.”

  وعندما فهمتُ كل ذلك داخل تلك الغرفة…   لم أعرف ماذا أشعر.   كره؟   صد، مة؟   شفقة؟   كل شيء اختلط بشكل مرعب.   كنت أريد أن أصر، خ في وجهها:   “وكيف ما زلتِ تحبينه بعد كل هذا؟!”   لكنها سبقتني وهي تبكي:   “كنت أريد أن أخبرك قبل الزواج… لكنني كلما رأيت صورة أخيك في بيتكم… كنت أجبن.”   ثم همست بصوت مرتعش:   “وخفت أكثر أن تكره أبي أمامي… لأنني رغم كل شيء ما زلت أحبه.”   تلك الجملة وحدها كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي.

  لأنها كانت حقيقية بطريقة قاسية جدًا.   هي ليست فتاة شريرة.   ولا امرأة تخطط للانتقام من أبيها.   ولا بطلة ستقف أمام الناس لتفضحه.   هي فقط ابنة كبرت وهي ترى أباها الرجل الذي أنقذ حياتها…

  ثم اكتشفت متأخرة أن حياتها بُنيت فوق موت طفل آخر.   ومنذ ذلك اليوم…   وهي تعيش بين حبٍّ لا تستطيع ق*تله…   وذنبٍ لا تستطيع احتماله.   ظلّت تبكي بصمت، بينما كنتُ عاجزًا حتى عن النظر إليها.

  كل شيء داخل رأسي كان مختلطًا بشكل مرعب.   أخي.   أمي.   صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية.   السنوات التي عشناها في الفقر.   ونظراتها المرتعبة.   وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة دمّر بها حياة غيره.   شعرت فجأة أن الغر، فة أصبحت أضيق من أن أتنفس داخلها.   وقفت دون أن أقول شيئًا.   رفعت رأسها نحوي بسرعة، وكأنها فهمت ما سأفعله.   وقالت بصوت مكسور:   “أنا آسفة…”   لكنني لم أعرف كيف أرد.

  لأنني في تلك اللحظة…   لم أكن قادرًا على كرهها بالكامل.   ولا قادرًا على مسامحتها.   أخذت معطفي وغادرت الفندق.   وخلفي…   بقي صوت بكائها يلاحقني حتى باب المصعد.   عدتُ تلك الليلة إلى بيت أمي.   أما هي…   فعادت صباح اليوم التالي إلى بيت والدها.   ومنذ تلك اللحظة…   بدأ كل شيء بيننا يتغيّر.   مرّت الأيام بعد ليلة الزفاف ببطء ثقيل، وكأن الوقت نفسه أصبح مترددًا في التحرك.

  لا أنا استطعتُ أن أتعامل معها كزوجة طبيعيّة…   ولا هي استطاعت أن تنظر إليّ دون ذلك الخوف القديم داخل عينيها.   وفي كل ليلة كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها…   لكن صورة انهيارها داخل الفندق لم تكن تفارقني.   كانت تبكي وكأنها تحمل عمرًا كاملًا فوق صدرها.   حتى أمي بدأت تلاحظ تغيّري.   صرتُ أكثر صمتًا.   أعود من العمل وأجلس ساعات دون كلام.   وفي إحدى الليالي سألتني بهدوء:

  “هل ظلمت البنت؟”   رفعتُ عيني نحوها، لكنني لم أعرف ماذا أقول.   لأن الحقيقة كانت أعقد من كلمة ظلم.   قلت أخيرًا:   “لا أعرف يا أمي.”   ولأول مرة منذ سنوات…   شعرت أنني متعب من الكره نفسه.   مرّ أسبوعان كاملان دون أن أراها.   وخلال تلك الفترة كنت أستيقظ أحيانًا على صورة أخي داخل رأسي دون سبب.

  طفل صغير يضحك…   ثم يختفي فجأة تحت ملاءة بيضاء داخل مستشفى بارد.   كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها.   لكن الكره نفسه بدأ يستنزفني ببطء.   ثم اتصل بي والدها.   صوته كان هادئًا، لكنه لم يحمل تلك القوة التي اعتدت سماعها فيه.   بدا متعبًا بشكل غريب.   قال فقط:   “هي لا تأكل منذ أيام… وأظن أنها تحتاج أن تتحدث معك.”   كدت أرفض فورًا.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى