عام

صبي

فأطبق أصابعه على ذراع عرشه ، وحدّق في العجوز بنظرة حادّة.

تقدّم الرجل المرتجف خطوة إلى الأمام،

مقالات ذات صلة

ثم قال بصوتٍ متقطّع

قبل سنوات أثناء إحدى الحملات  معسكر الفيلة ليلًا. هرب الجنود جميعًا خوفًا، وبقي هذا الفيل الصغير مقيّدًا وسط النيران وكان الجميع يظن أنه

وأشار إلى الطفل.

والد هذا الصبي كان عبدًا فقيرًا يعمل مع السقاة لكنه دخل وحده وفكّ قيود الفيل وأنقذه، بينما كان الجنود يهربون.

بدأت الهمسات تنتشر بين الناس .

نظر البعض إلى الفيل الضخم بدهشة، بينما ظل الحيوان واقفًا أمام الطفل، يحرّك خرطومه ببطء كأنه يحرسه بالفعل.

ثم أكمل العجوز بصوتٍ منخفض

وبعدها بسنوات الرجل بالجوع والمرض، ولم يبقَ لهذا الصبي أحد.

ارتجفت شفتا الطفل الصغير.

وكأنه يسمع حكاية أبيه لأول مرة.

أما الوالي

فهبّ واقفًا بغضب.

خرافات!

ثم صرخ في الجنود

أبعدوا الفيل الطفل حالًا!

تردّد الجنود.

لم يجرؤ أحد على الاقتراب.

اقترب أحدهم شديد، رافعًا رمحه نحو الصبي

وفجأة أطلق الفيل هائلة دوّت في الساحة كلها.

ثم الأرض بقدمه الضخمة حتى تطاير الرمل على وجوه الجنود، فتراجعوا مذعورين.

تعالى صراخ الناس.

بعض النساء بدأن بالبكاء.

ورجال كثيرون أخذوا ينظرون إلى الوالي بكراهيةٍ لم يعودوا قادرين على إخفائها.

لأن الجميع رأى الحقيقة بنفسه

حتى الوحش الضخم الذي استخدمه الوالي

عرف الرحمة أكثر من الحاكم نفسه.

ازداد غضب الوالي، وانتزع سيفه من غمده وهو يصرخ

إذا كان هذا الحيوان لن ينفّذ أمري معًا!

لكن قبل أن يهبط من منصّته

حدث ما لم يتوقعه أحد.

ركع الفيل فجأة أمام الطفل.

ثم لفّ خرطومه حول جسده الصغير برفق شديد، ورفعه فوق رأسه أمام الناس جميعًا.

ارتفعت شهقات الرعب والدهشة من المدرجات.

وكان الطفل يبكي فوق خرطوم الفيل، بينما الحيوان الضخم يطلق أصواتًا منخفضة تشبه الأنين.

وفي تلك اللحظة

صرخ رجل من بين العامة

كفى ظلمًا!

ثم تبعه آخر.

ثم آخر.

وخلال ثوانٍ قليلة تحوّلت الساحة كلها إلى فوضى.

بدأ الناس يصرخون ضد الوالي لأول مرة منذ سنوات.

الجنود أنفسهم تراجعوا مرتبكين.

وبعضهم أنزل رماحه ببطء، وكأنه لم يعد قادرًا على طاعة الظلم بعدما رآه بعينيه.

أما الوالي الحبشي

فنظر حوله حقيقية.

لأول مرة

رأى الخوف في عيون نفسه، لا في عيون الناس.

وفي وسط الفوضى

ظل الفيل واقفًا بثبات فوق الرمال، يحمي الطفل بجسده الضخم، كأنه يتذكّر جميل رجلٍ منذ سنوات

ورفض أن يترك ابنه وحده.

وفي ذلك اليوم

فهم أهل الحجاز شيئًا لم ينسوه أبدًا.

أن الرحمة لا تُقاس بالقوة

وأن القلوب قد تسكن صدور الملوك، بينما تسكن الإنسانية قلب حيوانٍ لا يتكلم.

وتناقل الناس الحكاية سنواتٍ طويلة بعد ذلك.

قالوا إن الفيل لم ينسَ يد الرجل الفقير التي أنقذته من وهو صغير

بينما نسي الوالي أن الجوع قد يدفع طفلًا كسرة خبز، لا لأنه لصّ بل لأنه جائع.

وقال الشيوخ لأبنائهم بعدها

من يصنع الخير يومًا قد يعود إليه بعد سنواتٍ من حيث لا يحتسب.

وقال آخرون

الظلم قد يُخيف الناس وقتًا طويلًا لكنه لا يستطيع أن الرحمة من القلوب.

أما الطفل

فقد خرج من الساحة حيًّا في ذلك اليوم.

لكن الذي أمام الجميع

كان هيبة الوالي نفسه.

ومنذ تلك ، صار الناس يتهامسون بحقيقةٍ واحدة

أن الحاكم الذي يخشاه الجميع

قد يهزمه موقف رحمة واحد.

وأن الله قد يضع أحيانًا العدل في قلب مخلوقٍ أعجم

ليُذكّر البشر بما نسوه من إنسانيتهم.

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى