
مسكت أحمد السمسار من دراعه لدرجة إن صوابعي علّمت في جلده، والراجل كان باصصلي وهو مبرق ومش فاهم حاجة، يادوب بيبلع ريقه بالعافية ويقولي: “يا بيه صلي على النبي،
اشتريت إيه؟ أنت وشك أصفر وعرقان كأنك شُفت جن مصور جوة! تعال ننزل بس نشرب حاجة ونهدى.”
-
يعني اي مش فاهم العلبهمنذ 18 ساعة
-
قصة ياسمينمنذ 20 ساعة
-
حسبي الله ونعم الوكيلمنذ يومين
-
قصة بنت مجمدةمنذ يومين
زعقت فيه بصوت هز العمارة القديمة: “بقولك كلم صاحبها حالاً! الـ 200 ألف جنيه جاهزين كاش وفي الشنطة دي، والمقدم أهو.. أنا مش هتحرك من هنا إلا والوصول في إيدي!”
أحمد طلع تليفونه وإيده ، رقم وصبر ثواني لحد ما الخط فتح، وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته باين عليه الهم والتعب: “أيوة يا أحمد، فيه جديد في الشقة الملعونة دي؟”
السمسار بصلي وبلع ريقه وقال: “معايا زبون يا حاج توفيق.. وعايز يشتري حالا كاش.”
التليفون سكت لثواني، كأن الراجل مش مصدق، وبعدين رد بصوت واطي: “هو لسه مخرجش يجري؟ قعد فيها أد إيه؟”
أحمد رد: “بقاله ربع ساعة جوة يا حاج، وطالع مش على بعضه وبيقول شاري.”
الحاج توفيق قال بلهفة: “أنا ربع ساعة وأكون عندكوا.. متخليهوش يمشي!”
قعدت على السلم القديم المترب وأنا بضحك في سري، ضحكة واحد كان ولقى قشاية، لأ.. ده أنا لقيت جزيرة دهب!
أحمد السمسار كان واقف بعيد عني، ساند على الحيطة وبيبصلي بريبة، كأنه مقتنع إني املبست أو العفاريت لحست مخي في الخمس دقائق اللي دخلتهم جوة. هو معذور، ميعرفش أنا شفت إيه، وميعرفش السر اللي خلى الناس تحس بـ “غمامان النفس” والدوخة وأول ما يدخلوا يجروا.
السر كله كان في المادة السودا اللزجة اللي ماليّة الحيطان، والريحة النفاذة اللي تكتُم النفس..
الناس العادية، وأصحاب الشقة، وحتّى السماسرة، لما كانوا بيدخلوا ويشموا الريحة دي مع الضلمة والكآبة اللي في المكان، كانوا بيفتكروا إنها طاقة سلبية أو سحر أسود ومكان مسكون.. بس أنا؟ أنا أبويا الله يرحمه كان أكبر تاجر عطارة وزيوت طبيعية وجيولوجي هاوي في قريتنا قبل ما والورث يتسرق، وأنا عشت طفولتي كلها وسط البراميل والوصفات، وبشم الروائح دي وبفرّق بينها وعيني مقفولة!
المادة اللي على الحيطة دي مكنتش دهان، ولا كانت هباب حريقة.. دي كانت مادة الموميّاء أو اللي بيسموها في عالم العطارة برة البتومين الطبيعي النقي المخلوط براتنجات عطرية قديمة، ومعاها كميات ضخمة من العنبر الخام الأصلي والمسك الأسود العتيق!
الشقة دي في الغالب كانت مخزن سري لتاجر عطارة قديم جداً من أيام الملكية، أو حد كان بيعتّق فيها الزيوت الثمينة دي، ولسبب ما، البراميل دي أو ساحت على الحيطة مع الرطوبة والزمن وعملت طبقة سميكة. العنبر والمسك الخام لما بيقعدوا في مكان مقفول سنين طويلة من غير تهوية، بيطلعوا غازات تقيلة
جداً ونفاذة بتعمل دوخة وغمامان نفس وضيق تنفس للي مش متعود عليها، وطبعاً مع ثقافة الخوف من العفاريت، أي حد كان بيدخل ويحس بالدوخة دي كان بيجري ويقول المكان مسكون!
لكن لما فتحت الشباك، والشمس في الحيطة وسخنت المادة دي، بدأت تسيح وتطلع ريحتها الحقيقية.. ريحة دهب سايل! الحيطة دي لو اتكشطت واتصفت، تطلع ييجي 200 أو 300 كيلو من العنبر الخام والراتنجات الأثرية.. دي تساوي ملايين! ملايين يا عمام يا !
بعد ربع ساعة بالظبط، وصل الحاج توفيق، راجل عجوز وظهره منحني، باين عليه إنه مش طايق سيرة الشقة دي وعايز يخلص من همها. أول ما شافني قال أنت الشاري يا ابني؟
وقفت وقولتله بكل ثقة أيوة يا حاج.. شاري بوضبها وقرفها وترابها وعفاريتها.
الراجل طيب قلبه وجعه عليا وقال يا ابني أنا مأكلش حرام، الشقة دي من يوم ما ورثتها عن عمي وأنا مش عارف أهوب ناحيتها، وكل ما أجرها لحد يطفش تاني يوم ويقولي جوة.. أنا نزلت سعرها للأرض عشان أخلص من ذنبها.
قولتله وأنا بطلع رزم الفلوس من الشنطة وأنا قَبِلت يا حاج، وأنا أولى ب ذنبها.. يالا بينا على المحامي نكتب العقود حالا.
الراجل عينه لمعت بالراحة وفك كيس كان في إيده، وطلع العقود القديمة، وفي ظرف ساعة زمن، كنا قاعدين في مكتب محامي تحت العمارة، ومضينا العقود، ودفعت ال 200 ألف جنيه كاملين مكملين يادوب سيبت معايا ألفين جنيه للمصاريف، واستلمت المفتاح المصدي.. وبقيت رسميًا صاحب الشقة!








