
دىفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.لو هناء لقت الصندوق بلغوا الأستاذ شريف… بس قولوله يلحق قبل ما تعرف إني مش أخوها.والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقع من مكانه، والموبايل ساب إيدي لوحده وكأني فقدت الإحساس بأصابعي فجأة، لكنه ما وقعش على الأرض، وقع في حضني بهدوء غريب، كأن حتى صوت الخبطة كان خايف يكسر السكون التقيل اللي كان مالي البيت من ساعة ما أمي ماتت.
فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا مش مستوعبة.
-
محمد فواز الوحيدي (أبو صهيب)منذ 7 ساعات
-
بقالي تسع شهورمنذ يوم واحد
-
أمي رمتني انا وابويامنذ يومين
-
يحكي ان امرأةمنذ 3 أيام
مش أخوها؟
يعني إيه مش أخوها؟
يعني سامح اللي عشت معاه العمر كله، واللي كنت فاكرة إن الدم اللي بيجري في عروقه من نفس الدم اللي بيجري في عروقي، يطلع مش أخويا أصلًا؟
بإيد مرتعشة شغلت الرسالة تاني.
وبعدين تالت.
وبعدين رابع.
وفي كل مرة كانت نفس الجملة بتنزل على قلبي زي السكين.
قبل ما تعرف إني مش أخوها.
ولما ركزت أكتر سمعت صوت نهلة من بعيد، وكان واضح إنها متوترة وخايفة.
قالت بسرعة
اقفل يا سامح… إنت كلمت الرقم الغلط.
وبعدين التسجيل اتقطع.
بس الضرر كان حصل.
لأن الحقيقة وصلت.
والسر اللي كانوا بيحاولوا يخبوه سنين طويلة وقع بين إيديا في ثواني.
فضلت قاعدة مكاني وسط التراب وريحة المطر والورق القديم اللي كان مالي الأرض حواليّا، وأنا حاسة إن البيت نفسه بقى غريب، وكأن كل ركن فيه كان مخبي حكاية وأنا الوحيدة اللي معرفتهاش.
قدامي صورة بتقول إن أمي ماكنتش الست اللي كنت فاكراها.
ودفتر بنك فيه ملايين الجنيهات كانت على بعد خطوة مني طول السنين دي كلها وأنا وأمي بنعد الجنيه قبل ما نصرفه.
ورسالة صوتية بتقول إن الراجل اللي ناداني أختي من يوم ما وعيت على الدنيا يمكن ما يكونش أخويا أصلًا.
أو يمكن يكون مخبي عني حاجة أخطر بكتير.
مديت إيدي على الملف وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع، وفتحت ورقة تانية من الورق القديم اللي كان جوه العلبة.
كانت شهادة ميلاد.
شهادة ميلاد باسم سامح.
وقفت عيني عند الاسم.
وبعدين نزلت على اسم الأم.
فاطمة عبدالعال.
أما خانة الأب فكانت فاضية تمامًا.
لكن اللي شد انتباهي أكتر إن كان فيه جواب قديم متطوي ومتدبس في الشهادة.
أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي اتقبض.
خط أمي.
الخط اللي كانت بتكتب بيه ورقة المشتريات.
والخط اللي كانت تسيبلي بيه ملاحظات صغيرة وأنا راجعة من المدرسة.
فتحته بسرعة كأني بغرق ومستنية أي كلمة تنقذني.
وكان أول سطر مكتوب فيه
يا بنتي…
سامح مش ابني.
والله العظيم في اللحظة دي حطيت إيدي على بقي من الصدمة.
وقريت الجملة مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لكنها ما اتغيرتش.
كانت زي ما هي.
واضحة وصريحة وموجعة.
أمه كانت بتشتغل معايا، وماتت وهو عنده تلات شهور، وماكانش ليه حد في الدنيا يسأل عليه.
أخدته وربّيته كأنه ابني بالظبط.
وعمري ما قولتله الحقيقة.
لأن مفيش طفل يستاهل يحس إنه اتساب مرتين.
سامح.
الولد اللي أمي شالته وربّته وكبرت معاه.
الولد اللي كان المفروض يبقى أكتر واحد واقف جنبها وهي عيانة.
الولد اللي كان أول واحد يفكر في البيت والورث بعد دفنتها.
الولد اللي سابني أشيل حملها لوحدي وأنا بجري بيها بين الدكاترة والمستشفيات.
طلع أصلًا مش ابنها.
ساعتها حسيت إن الأرض كلها بتتحرك من تحتي.
لكن الصدمة ماوقفتش عند كده.
لأن كل ما كنت بقرأ سطر، كانت الدنيا بتتقلب أكتر.
لكن لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف مقدرتش أشرحلك الحقيقة
بنفسي.
سامحيني.
وسامحيني كمان على اسمي.
لأن فاطمة عبدالعال مش اسمي الحقيقي.
شهقت من غير ما أحس.
وحسيت إن قلبي بيدق بعنف.
كملت بسرعة.
أنا اتولدت باسم مريم المنشاوي.
وجدك عبدالرحمن المنشاوي كان من أغنى رجال الأعمال في البلد.
ولما رفضت أتجوز الراجل اللي اختاروهولي، حبسوني ومنعوني من الخروج.
ولما اتجوزت أبوكي وحملت بيكي قالوا إني جبت العار للعيلة.
أما أبوكي فكان مدرس ثانوي بسيط، ماكانش غني ولا صاحب نفوذ، لكنه كان راجل محترم وطيب.
وللأسف هددوه لحد ما خرجوه من حياتي.
وفي اللحظة دي بالذات حسيت إن كل حاجة كنت أعرفها عن أمي، وعن نفسي، وعن حياتنا كلها… كانت بتنهار قدام عيني حتة حتة.
وفي اللحظة دي حسيت إن صدري كله بيوجعني، مش مجرد وجع عادي، لا، الوجع اللي بييجي لما تكتشفي فجأة إن نص عمرك كان مبني على حكاية ناقصة، وإن الحقيقة اللي كنتي فاكرة إنك متصالحة معاها طلعت مجرد جزء صغير من الصورة.
أبويا.
الكلمة نفسها كانت غريبة عليا.
أنا كبرت واتربيت وأنا مقتنعة إن ماعنديش أب أصلًا، وكل ما كنت أسأل أمي عنه كانت تسكت، مش السكات اللي فيه كره، ولا السكات اللي فيه غضب، لكن سكات موجوع، سكات واحدة كل ما الماضي ييجي قدامها تحاول تدفنه جواها وتكمل يومها كأن مافيش حاجة حصلت.
كانت دايمًا تقول إنه مشي قبل ما أتولد.
وبس.
لا كانت تشتمه.
ولا كانت تتهمه.
ولا كانت تحاول تكرهني فيه.
كانت تسيب السؤال معلق بينا وتقوم تعجن العيش أو تحضر الأكل وكأن شغل إيديها هو الطريقة الوحيدة اللي تعرف بيها تهرب من الذكريات.
بلعت ريقي بالعافية وكملت قراية.
هربت بمساعدة جدتك… هي اللي ساعدتني أبدأ حياة جديدة، وهي اللي وفرتلي مكان أستخبى فيه بعيد عن الناس اللي كانوا بيدوروا عليا، أما الفلوس اللي لقيتيها فهي مش مجرد فلوس… دي الدليل الوحيد على كل حاجة حصلت.
فضلت باصة للسطر ده ثواني طويلة.
دليل.
مش تحويشة عمر.
مش فلوس ست بخيلة كانت مخبياها تحت السرير.
دليل.
الكلمة دي فضلت ترن في وداني وأنا ببص لدفتر البنك اللي فيه ملايين كانت أمي تقدر تعيش بيهم ملكة لو حبت، لكنها فضلت تبيع فطاير وتقف بالساعات تحت الشمس وتعد الجنيه قبل ما تصرفه.
ساعتها فهمت إن الفلوس دي عمرها ما كانت بالنسبة لها فلوس.
كانت سر.
كانت شاهد.
صورة أمي وهي تلبس نفس الجاكيت سنين.
وصورة أمي وهي تضحك وتقول إنها بخير رغم إنها ما كانتش بخير أبدًا.
وبصيت للحاجة بهية وأنا حاسة إن دموعي بتتحرق جوا عيني.
وقلت بصوت مبحوح خارج بالعافية
أمي ماتت وهي بتقول إنها مش معاها فلوس تجيب بلوفر جديد للشتا.
قفلت الحاجة بهية عينيها ببطء.
وكأن كل كلمة قولتها كانت بتوصلها متأخرة سنين طويلة.
وقالت بصوت مكسور
أنا عارفة.
هزيت راسي وأنا حاسة إن الدموع والغضب والوجع متلخبطين جوايا بشكل مش قادرة أسيطر عليه.
وقلت
لا.
إنتِ ما تعرفيش.
ما تعرفيش يعني إيه أشوف رجليها متورمين آخر الليل وأقعد أدلكهم بإيديا علشان تعرف تنام.
ما تعرفيش يعني إيه أفضل أحسب الجنيه فوق الجنيه علشان أجيب شريط دوا.
ما تعرفيش يعني إيه أسمعها تقول إنها مش محتاجة حاجة وهي محتاجة كل حاجة.
ما تعرفيش يعني إيه أمشي ورا جنازتها وأنا مش معايا حتى مصاريف الدفنة كاملة.
الجيران هما اللي دفعوا.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي.
بينما أنتم…
بلعت ريقي وحاولت أكمل.
لكن المرارة كانت أكبر من الكلام.
وقلت
بينما أنتم كنتم بتحولوا مئات الآلاف علشان تضمنوا إنها تفضل ساكتة.
سكتت الحاجة بهية.
وما حاولتش تبرر.
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
ما حاولتش تقول إن عندها أعذار.
والله العظيم يمكن دي كانت أول حاجة محترمة تتعمل في اليوم كله.
إنها سكتت.
وتركت الحقيقة تتكلم.
ونزلت دموعها في هدوء.
وقالت
معاكي حق.
في اللحظة دي اتحرك عبدالرحمن خطوة ناحيتها.
وقال بحدة
ستي…
كفاية كلام.
لكن قبل ما يكمل.
الممرضة اتحركت بسرعة ووقفت بينه وبينها.
وقالت بصرامة
ما تكلمهاش بالطريقة دي.
بصلها عبدالرحمن باحتقار واضح.
وقال
خليكي برا الموضوع.
لكن الممرضة ما اتحركتش.
ولا حتى رمشت.
مدت إيدها في شنطتها.
وطلعت فلاشة صغيرة.
ورفعتها قدام الكل.
وقالت
أنا في الموضوع من يوم ما مريم طلبت مني أحافظ على دي.
في اللحظة دي اتجمد عبدالرحمن مكانه.
وشوفت الخوف يعدي في عينيه لأول مرة.
أما الأستاذ شريف فمد إيده وأخد الفلاشة.
وبص للممرضة.
فقالت
ده تسجيل.
مريم صورته في المستشفى قبل وفاتها بتلات أيام.
والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقف.
لأن في حاجات كتير الإنسان يقدر يستعد يسمعها.
لكن مفيش حد يقدر يستعد يسمع صوت أمه بعد ما تموت.
مفيش حد يقدر يجهز نفسه للحظة زي دي.
ركب الأستاذ شريف الفلاشة في الكمبيوتر.
والكل سكت.
حتى الأنفاس بقت مسموعة.
وبعد ثواني ظهر الفيديو على الشاشة.
وظهرت أمي.
أمي فعلًا.
نايمة على سرير المستشفى.
وشها كان شاحب.
وشعرها لازق في جبينها من التعب.
وإيديها متورمين.
والمرض كان باين عليها من أول نظرة.
لكن عينيها…
عينيها كانت لسه زي ما هي.
لسه فيها نفس الحنية.
ونفس القوة.
ونفس النظرة اللي كانت تطمني بيها طول عمري.
وبعدين اتحركت على الشاشة.
وقالت
هناء…
والله العظيم أول ما سمعتها بتنطق اسمي حسيت إن قلبي وقع.
وحسيت إن روحي كلها بتترعش.
أما هي فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لو بتشوفي التسجيل ده…
سامحيني.
سامحيني على كل حاجة ما قدرتش أقولهالك.
وسامحيني على كل الأسرار اللي شيلتها لوحدي.
أخدت نفسًا متعبًا.
وبعدين كملت
أنا ما كنتش فقيرة علشان الزهد.
وما كنتش فقيرة علشان الرضا.
أنا كنت فقيرة علشان الخوف.
كنت بخاف إن كل جنيه
أصرفه من الفلوس دي يبقى ثمنه روحنا.
كنت بخاف إن الفلوس تشتري اللي ما قدرتش تهزمه السنين.
كنت بخاف تشتريكي إنتِ.
ونزلت دموعي وأنا ببصلها.
أما هي فواصلت كلامها بصعوبة
إنتِ ماعليكيش أي دين ليهم.
ولا أي فضل.
ولا أي التزام.
وسامح كمان ماعليهوش.
حتى لو خذلني.
حتى لو وجعني.
أنا حبيته.
وربيته.
واعتبرته ابني.
لكن حبنا لحد…
ما يديهوش الحق يسرقنا.
ولا يسرق حقنا.
ولا يسرق تعب عمرنا بعد ما نموت.
في اللحظة دي نزل سامح راسه للأرض.
وما قدرش يبص للشاشة.
أما أمي فتنفست بصعوبة أكبر.
وبعدين قالت
اسمي كان مريم. لكن بالنسبة ليكي أنا كنت فاطمة. والاسم ده بقى اسمي الحقيقي.
لأنك إنتِ اللي قولتيه بحب.
وما تخليش عيلة المنشاوي تخليكي تحسي إنك صغيرة.
ما تخليش قصورهم تخوفك.
ولا شركاتهم ولا نفوذهم ..هم يمكن عندهم أبراج وشركات وأسماء كبيرة…
لكن إنتِ عندك الحقيقة. وساعات يا بنتي الحقيقة بتبقى أتقل من اسم عيلة كاملة.
والله العظيم أول ما سمعت كلام أمي في التسجيل حسيت إن آخر حاجة كانت ماسكاني من جوايا اتكسرت، وحطيت إيدي على بقي علشان أكتم شهقتي لكن ماقدرتش، والدموع نزلت مني غصب عني، دموع سنين كاملة من الوجع والقهر والحرمان والخوف، بينما أمي على الشاشة كانت بتتنفس بالعافية وكأن كل كلمة بتخرج منها بتاخد معاها حتة من روحها، ومع ذلك كانت مصممة تكمل لآخر لحظة.
وقالت بصوت متعب لكنه ثابت
كل حاجة سبتها ورايا تبقى لهناء… وجزء منها يروح لمؤسسة تساعد الستات اللي أهلهم اتخلوا عنهم زي ما حصل معايا.
وسكتت لحظة تاخد نفسها.
وبعدين كملت
أما البيت… مايتباعش.
والله العظيم في اللحظة دي افتكرت السقف اللي بينقط.
والحيطان القديمة.
وريحة العيش اللي كانت بتعمله بإيديها.
والكرسي اللي كانت بتقعد عليه كل عصر.
أما هي فكملت
صلحوه.
وخلوه مفتوح.
وخلوه يوم الأحد يطلع منه أكل سخن للناس.
ونزلت دموعي أكتر.
لكن اللي كسرني فعلًا كانت الجملة اللي بعدها.
لما قالت
لأن مفيش ست في الدنيا المفروض تضطر تقول إنها شبعت وهي جعانة… بس علشان ابنها أو بنتها ياكلوا.
ساعتها انهرت.
انهرت بمعنى الكلمة.
وحسيت إن رجليا مش شايلاني.
ولولا إن الممرضة مسكتني كان ممكن أقع على الأرض.
أما عبدالرحمن المنشاوي فقام فجأة وقفّل شاشة الكمبيوتر بعنف وهو بيقول
كفاية.
لكن الأستاذ شريف بصله نظرة باردة جدًا وقال
بالعكس.
إحنا لسه بادئين.
وفعلًا…
كل حاجة بدأت من اللحظة دي.
بس مش بالصريخ.
ولا بالخناق.
ولا بالمشاهد اللي الناس بتحب تشوفها.
الحرب الحقيقية بدأت بالورق.
بدأت بالمحاضر.
وبالقضايا.
وبالبلاغات الرسمية.
وبالمستندات اللي أمي كانت مخبياها سنين.
وبالوصية.
وبالنيابة.
وبملفات ضخمة اتحطت على مكاتب ناس مايعرفوناش لكن كان مطلوب منهم يشوفوا الحقيقة.
وعيلة المنشاوي حاولت تعمل كل حاجة علشان تدفن الموضوع مرة تانية.
جابوا أغلى المحامين.
وأشهر المحامين.
وصرفوا فلوس تكفي إنها تشتري شارع كامل.
وقالوا إن أمي ماكانتش واعية وهي بتكتب الوصية.
لكن المستشفى طلعت تقارير كاملة تثبت إنها كانت بكامل قواها العقلية.
وقالوا إني أنا اللي ضغطت عليها ووجهتها.
فطلع الجيران واحد ورا التاني يشهدوا إنهم عمرهم ما شافوا حد واقف جنبها غيري.
وقالوا إن الفلوس كانت هدية عادية.
فطلع دفتر البنك والمستندات اللي مكتوب فيها بوضوح سبب التحويلات.
وقالوا إن مريم المنشاوي ماتت من سنين طويلة.
لكن الحاجة بهية وقفت بنفسها وسجلت شهادتها الرسمية.
واعترفت بكل حاجة.
واعترفت إن بنتها كانت عايشة.
وإن اللي حصل كله كان كذب.
ومع الوقت الحكاية خرجت برا المحاكم.
والصحافة بدأت تتكلم.
والناس بدأت








