
تعرف.
والخبر انتشر في كل مكان أسرع مما كانوا يتخيلوا.
-
محمد فواز الوحيدي (أبو صهيب)منذ 8 ساعات
-
بقالي تسع شهورمنذ يوم واحد
-
أمي رمتني انا وابويامنذ يومين
-
يحكي ان امرأةمنذ 3 أيام
وكل يوم كانت تظهر حقيقة جديدة.
وكل يوم كانت صورة أمي وهي بتبيع الفطاير علشان تجيب تمن الدوا تقف قدام صورة الناس اللي كانوا بيحاولوا يمحوها من الوجود.
وبعد أسابيع.
وفي يوم من الأيام.
كنت واقفة في البيت القديم.
شايلة جردل وبفضي المية اللي نازلة من السقف المكسور.
لأن البيت لسه محتاج شغل كتير.
ولسه محتاج روح أمي ترجع تدفّيه من جديد.
وفجأة سمعت حد بينادي اسمي.
لفيت.
فلقيت سامح.
واقف لوحده.
من غير نهلة.
ومن غير أي حد.
وشه كان مرهق.
وعينيه حمرا.
كأنه ماعرفش ينام من أيام.
وقال بصوت واطي
هناء…
أنا ماكنتش أعرف كل الحقيقة.
بصيتله ثواني.
وبعدين قلت بهدوء
بس كنت تعرف إن أمي محتاجة دوا.
نزل عينيه للأرض.
وقال
أيوة.
فرديت من غير ما أتردد
يبقى كنت تعرف كفاية.
وسكت.
وبعدين لأول مرة من يوم وفاة أمي شوفته بيعيط فعلًا.
مش بيتظاهر.
مش بيمثل.
بيعيط.
وقال بصوت مكسور
هي أخدتني وربتني.
قلت
أيوة.
قال
وأنا طلعت وحش.
ماعرفتش أواسيه.
وماحاولتش.
لأن في حقايق معينة الإنسان محتاج يواجهها لوحده.
من غير حد يخففها عنه.
وبعد شوية سألته عايز إيه يا سامح؟
قال ولا حاجة.
نهلة سابتني. والله العظيم كنت ممكن أضحك. لكن الحزن كان أكبر من الضحك.
فقلت طبيعي.
لأن الفلوس ماكنتش جاية ناحيتك.
هز راسه.
وبعدين قال
ممكن أزور قبرها؟
بصيتله لحظة طويلة.
وقلت
إنت مش محتاج إذني علشان تكلم واحدة ماتت. إنت كنت محتاج ضميرك يصحى وهي لسه عايشة.
ما ردش. لف ومشي. وأنا وقفت أتفرج عليه وهو بيبعد. ووقتها اكتشفت إني ما بقيتش أكرهه زي الأول.
لكن في نفس الوقت ماقدرتش أفتحله الباب تاني.
وبعد ست شهور الحاجة بهية ماتت.
لكن قبل ما تموت كانت خلصت كل حاجة وقعت على كل الأوراق المطلوبة واعترفت رسميًا إن مريم المنشاوي عاشت وإن حقها اتسرق. وإن بنتها اتظلمت. وإن أنا حفيدتها.
وعمرها ما طلبت مني أناديها يا تيتة. وعمرها ما ضغطت عليا علشان أخدها بالحضن. ويمكن كانت فاهمة إن الدم لوحده مش كفاية.
خصوصًا لما يوصل متأخر أوي بعد عمر كامل من الغياب والندم.
استمرت القضية أكتر من سنة كاملة.
سنة بحالها وأنا كل يوم فيها كنت بصحى على مكالمة من محامي، أو جلسة جديدة، أو ورقة مطلوبة، أو خبر طالع في الجرايد.
وسنة كاملة عيلة المنشاوي بتحاول بكل الطرق ترجع الحقيقة لورا وتدفنها من تاني.
لكن الحقيقة لما بتخرج للنور بيبقى صعب جدًا ترجع تتخبى.
وفي الآخر خسروا جزء كبير من الحاجات اللي استولوا عليها سنين طويلة.
صحيح ما خسروش كل حاجة، لأن الناس اللي عندها نفوذ وفلوس عمرها تقريبًا ما بتخسرش كل حاجة.
لكنهم خىسروا حاجة كانت أهم بكتير من الفلوس.
خسىروا قدرتهم على الإنكار.
وخسروا السمعة اللي فضلوا يبنوها عشرات السنين.
وخسروا حقهم إنهم يقولوا إن مريم المنشاوي ما كانتش موجودة أصلًا.
أما أنا فاسترجعت اسم أمي الحقيقي، وحقها القانوني، وكل الأوراق اللي كانت بتثبت مين هي فعلًا.
لكن رغم كل ده عمري ما قدرت أبطل أناديها فاطمة.
لأن الاسم اللي عاش معايا في كل يوم من عمري، والاسم اللي كنت بصحى وأنام عليه، والاسم اللي كنت بقوله وأنا بمسك إيديها في المستشفى، كان أغلى عندي من أي اسم مكتوب في دفاتر العائلات الكبيرة أو سجلات الحكومة.
ولما جه وقت كتابة شاهد القبر طلبت يتكتب اسمها كله
فاطمة عبدالعال، المعروفة أيضًا باسم مريم المنشاوي.
أم عظيمة.
وست شريفة.
وصاحبة حق اتأخر كتير لكنه رجع في الآخر.
ولما الفلوس أخيرًا اتحولت، واتفتحت الحسابات، واتقفلت آخر قضية، واتوقفت آخر محاولة لتعطيل التنفيذ، ما فكرتش للحظة أشتري قصر ولا عربية فارهة
ولا أعيش الحياة اللي الناس كلها كانت متوقعة إني أجري وراها.
لأن أول حاجة جت في بالي كانت صورة الجردل اللي كنا بنحطه تحت السقف كل شتوية.
وصوت المية وهي بتنقط طول الليل.
وشكل أمي وهي بتضحك وتقول إن الموضوع بسيط ويتصلح بعدين رغم إنها كانت عارفة إن معندناش تمن التصليح.
علشان كده أول حاجة عملتها كانت إني أصلح السقف بالكامل.
سقف جديد.
وقوي.
وآمن.
ولما نزل المطر أول مرة بعد التصليح قعدت لوحدي في الصالة أبص لفوق أكتر من ساعة كاملة وأستنى النقطة الأولى تنزل.
لكنها ما نزلتش.
ولا نقطة واحدة.
من غير ما يعرفوا إن الست اللي بيودعوها كانت صاحبة حق بالملايين.
وعلقت على الحيطة مريلتها القديمة اللي كانت بتخبز بيها.
وعلقت جنبها المفتاح الصغير اللي كان مربوط بالشريط الأحمر.
وجنبه الصورة اللي لقيتها في الصندوق وهي لابسة الأبيض وبتبتسم ابتسامة ما كنتش شوفتها على وشها طول حياتي.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة فضلت تتكرر في قلبي كل يوم
ما كانتش فقيرة.
..
هم اللي فقروها.
وما كانتش لوحدها…
إحنا بس اتأخرنا.
وساعات سامح بييجي.
مش علشان ياخد حاجة.
ولا علشان يتكلم كتير.
لكنه بييجي يشيل الترابيزات أو يساعد في التنضيف أو يقعد في آخر المكان ساكت أغلب الوقت.
وأنا لحد النهارده ماعرفش إذا كنت هقدر أبصله يوم وأقوله يا أخويا من غير ما أفتكر كل اللي حصل.
لكني في نفس الوقت ما بقتش أكرهه زي الأول.
يمكن لأن أمي نفسها فضلت تحبه لآخر نفس فيها.
ويمكن لأن الحياة عاقبته بطريقة أقسى من أي عقاب كنت أقدر أعمله.
أما نهلة فما رجعتش أبدًا.
وكأنها اختفت في اللحظة اللي اختفى فيها الحلم اللي كانت بتجري وراه.
وكل فترة والتانية كانت توصلني خطابات جديدة من محامي عيلة المنشاوي.
لكن إيديا ما كانتش بتترعش زي زمان.
لأنني ما بقيتش البنت المكسورة اللي كانت قاعدة تحت سقف بينقط ومش عارفة تدفع تمن الدوا.
بقي عندي محامين ومستندات وحقوق.
لكن الأهم
من كل ده إن عندي الحقيقة نفسها.
وعندي صوت أمي وهي بتتكلم من سرير المستشفى بإيديها المتورمة وجسمها المنهك وقلبها اللي كان بيحارب لآخر لحظة.
الفلوس فعلًا كانت صدمة.
والاسم الحقيقي سحب الأرض من تحت رجلي.
لكن أكتر حاجة وجعتني كانت الحقيقة البسيطة اللي اكتشفتها في النهاية.
وهي إن أمي حرمت نفسها من كل حاجة كانت نفسها فيها.
مش لأنها ما كانتش تقدر تشتريها.
لكن لأن كل جنيه من الفلوس دي كان بيفكرها بالناس اللي حاولوا يمحوها من الدنيا.
والناس اللي اشتروا سكوتهم بسنين من عمرها ووجعها.
علشان كده كل ما أشوف أم بتقول إنها شبعت وهي لسه ما أكلتش لقمة واحدة وبتحط أحسن حاجة في الطبق قدام ابنها، بقرب منها وأحط قدامها طبق وأقولها تاكلي هي كمان.
لأن أمي عاشت عمر كامل بتتظاهر إنها مش محتاجة حاجة.
وسابتلي الملايين دي مش علشان أبقى غنية.
لكن علشان أتأكد إن مفيش ست تانية تضطر تختار بين كرامتها
وبين لقمة عيشها.
وساعات كتير بحلم بيها.
أشوفها واقفة في المطبخ بتعجن العجين بإيديها.
لكن وشها ما يبقاش فيه التعب اللي شوفته في آخر أيامها.
وما تبقاش لابسة الهدوم القديمة اللي كانت بترفض تغيرها.
بالعكس.
أشوفها لابسة بلوفر جديد بلون نبيتي جميل كانت نفسها فيه زمان.
وأشوفها بتبصلي وتضحك وتسألني إذا كان السقف لسه بينقط.
فأضحك وأقولها
لا يا أمي.
السقف بقى قوي.
والبيت بقى مليان ناس.
واسمك رجع.
فتضحك الضحكة اللي كنت أعرفها طول عمري.
لكن من غير وجع المرة دي.
ضَحكة مرتاحة.
ضَحكة واحدة أخيرًا عرفت إن تعبها ما راحش هدر.
وساعتها أصحى من النوم وأفهم إن أمي ما سابتليش ثروة ولا ميراث.
أمي سابتلي هدف أعيش عشانه.
وهو إن محدش يقدر يدفن ست وهي عايشة لمجرد إن الحقيقة اللي معاها بتزعج أصحاب السلطة.
وطول ما باب بيت فاطمة مفتوح.
وطول ما القهوة بتتفور على النار.
وطول ما
فيه حد جعان بيلاقي طبق أكل قدامه من غير ما يمد إيده ويطلب.
هتفضل أمي عايشة.
في كل ضحكة.
وفي كل لقمة.
وفي كل ست أخيرًا قعدت تاكل من غير ما تعتذر.
وفي كل نقطة مطر بتنزل من السما وما بتلاقيش طريقها لجوه البيت








