
— ضهرك موجود يا قلب أمك.. إحنا عايشين وموجودين، وبيت أبوكي مفتوحلك. والجدع ده لو مندمش وجالك زاحف على ركبه الأرض اللي بتمشي عليها، مش هيشوف ضفرك تاني. بس المرة دي مفيش رجوع غير بشروطنا إحنا، وبورق يضمن كرامتك قبل فلوسك.
وصلوا شقة العيلة، ومصطفى ساعد سارة تطلع، وأول ما دخلت أوضتها القديمة، حست دافي افتقدته من سنين. غيرت هدومها وأمها عملتلها كمادات وادتها العلاج، وسابتها تنام عساها تنسى لو كام ساعة اللي عاشته.
-
والد 6 ضحايا يكشف كواليس اللحظات الاخيرةمنذ أسبوع واحد
-
الأرصاد تحذرمنذ أسبوعين
-
إحالة شركات المحمول الأربع للنيابةمنذ أسبوعين
-
تأجيل الدراسةمنذ أسبوعين
على الجانب الآخر، شقة أمينة كانت قايدة . أحمد فتح الباب أخيراً بعد إلحاح أمه وصراخها. طلع وش عيونه حمرا وملامحه ، وبص لأمه اللي كانت رايحة جاية في الصالة زي الفريرة.
— عايزة إيه يا أمي؟ مش خربتيها خلاص وارتحتي؟ الطماطم أهي مالي الشقة، روحي خلليها وافرحي بيها!
أمينة زعقت بحدة بس كان فيها نبرة خوف واضحة:
— طماطم إيه وزفت إيه دلوقتي يا أحمد! عمك عبد الصمد كلمني.. خالك سيد راح قاله على كل حاجة، والراجل قالب الدنيا وبيقول إن سارة ليها ورق في البلد ومكتوب باسمها حق الشفعة في الأرض الجديدة اللي كنا عايزين نشتريها بفلوسك! البنت دي طلعت مش سهلة وربطانا من رقبتنا!
أحمد ضحك بسخرية ووجع:
— مش سهلة؟ سارة اللي كانت بتديني مرتبها كله كل أول شهر عشان نسدد أقساط الشقة ونشتري الأرض دي طلعت مش سهلة؟ سارة اللي وافقت تكتب الأرض باسمي واسمك عشان متزعلش طلعت مش سهلة؟ لأ يا أمي، سارة كانت هبلة ومغفلة عشان وثقت فينا، وإحنا اللي كنا طماعين وعينينا فارغة.
أمينة على صدرها:
— إنت بتقف معاهم عليا يا أحمد؟ أنا أمك! أنا اللي ربيتك وسهرت عليك!
أحمد صرخ بأعلى صوته، لدرجة إن صوته سمع في المناور:
— وأنا مبعتش نفسي عشانك يا أمي؟! خسرت مراتي وكرامتي وبقيت عيل في عين الجيران وفي عين أهلها عشانك! ودلوقتي عمي عبد الصمد عايزنا في البلد؟ تمام.. هنروح، وخلينا نشوف الأصول اللي إنتي ضيعتيها هترجع إزاي!
الشمس طلعت وتاني يوم الصبح، كانت الأجواء مشحونة. في بيت الحاجة فاطمة، سارة قامت وكان حالها أحسن شوية بفضل العلاج، بس قلبها كان لسه تقيل. الباب رن، ومصطفى فتح لقى الخال سيد واقف على الباب وعلى وشه علامات الأسف والكسوف.
دخل الخال سيد وقعد مع مصطفى والحاجة فاطمة، وطلب يشوف سارة. أول ما سارة خرجت، الراجل وقف واعتذرلها بنفسه:
— حقك عليا يا بنتي.. أنا جيت هنا مش عشان أدافع عن أختي، أنا جيت عشان أقولكم إن عيلة المرحوم أبو أحمد في البلد عرفت كل حاجة. الحاج عبد الصمد باعتلي وباعت لأحمد وأمه، والقعدة النهاردة بالليل في دوار العيلة في القليوبية. وأنا جاي أطلب منك ومن مصطفى تيجوا معايا، عشان حقك يرجعلك قدام الكبير والصغير.
مصطفى بص لسارة، وسارة كانت مترددة، مش عايزة تشوف أحمد ولا أمه، ومش عايزة تدخل في حوارات ومشاكل تاني. بس الحاجة فاطمة قالت:
— هتروحي يا سارة.. هتروحي وتوقفي وسطيهم وراسك مرفوعة، عشان يعرفوا إن ليكي عيلة ورجالة ياكلوا الزلط عشانك. حقك المادي والشرعي هتاخديه، وكرامتك اللي اتهدرت بسبب قفصين طماطم هترجع قدام كبار البلد.
اتفقوا كلهم على السفر بالليل. وفي نفس الوقت، كانت أمينة وأحمد في المواصلات رايحين البلد. أمينة كانت طول الطريق ساكتة، الخوف واكل قلبها من مواجهة الحاج عبد الصمد، لأنها عارفة إن كلمته مفيهاش تراجع، وممكن يحرمهم من الميراث والدعم اللي بياخدوه من العيلة. أما أحمد فكان باصص من الشباك، بيفكر في سارة.. يا ترى هيشوفها النهاردة؟ وهل هتقدر تبص في وشه تاني بعد اللي عمله؟
الليل جه، ودوار الحاج عبد الصمد كان منور والأنوار مالية المكان. الكبار قعدوا على الكنب الخشب العريض، والقهوة السادة بتلف على الكل. في جهة قعد أحمد وأمه، وأمينة كانت حاطة طرحتها على وشها وموطية راسها لأول مرة. وفي الجهة التانية، دخل الخال سيد ومصطفى وسارة والحاجة فاطمة.
أول ما سارة دخلت، أحمد عينيه اتعلقت بيها.. كانت لابسة عباية سودا شيك، ورافعا راسها بثقة ووراها أخوها زي الحيطة السد. حواجب الحاج عبد الصمد اتقابلت وبص لأحمد وأمينة بنظرة ترعب، بعصايته على الأرض وقال بصوت جهوري:
— منورين يا جماعة.. القعدة دي معمولة عشان نصلح المايل، ونعرف مين اللي داس على الأصول ونسى شرع ربنا. إحنا عيلة عمر ما حد قال علينا إننا بنظلم ولية، ولا بنهين بنت ناس دخلت بيتنا بشنطة هدمها.
أمينة حاولت تتكلم وتدافع عن نفسها:
— يا حاج عبد الصمد، إنت مش عارف اللي حصل.. البنت سابت البيت…
قاطعها الحاج عبد الصمد عصاية تانية هزت الدوار:
— اخرسي يا أمينة! الكلام معايا أنا! الخال سيد حكالي كل حاجة، والجيران في العمارة أكدوا الكلام. البنت كانت مريضة وتعبانة وإنتي رميتي الكوباية تحت رجليها وصرختي فيها عشان شغل بيت ومونة؟ هو إحنا جايبين بنات الناس عشان نشغلهم سخرة؟
بص لأحمد وقال بنبرة لوم شديدة:
— وإنت يا أحمد؟ واقف تتفرج؟ فين رجولتك وفين شهامتك اللي تربيت عليها؟ مرتك تشقى معاك وتدفع معاك قلبها في أقساط الشقة، وبدل ما تشيلها في مرضها تسيب أمك تهينها؟
أحمد وطى راسه وقال بصوت مخنوق:
— غلطت يا عمي.. وأنا مستعد لأي حاجة سارة تطلبها عشان تسامحني.
مصطفى اتدخل وقال بقوة:
— سارة مش هتطلب حاجة يا حاج عبد الصمد.. إحنا اللي هنطلب. أختي حقها في نص الشقة يتكتب بملكيتها رسمي بعقد بيع وشراء ملوش بالجواز. والأرض اللي هنا في البلد، نصيب أحمد يتكتب ل سارة منه الجزء اللي دفعته من فلوسها. والست الوالدة ترجع شقتها القديمة اللي في الدور الأرضي، وماتعتبش شقة أختي تاني إلا برضاها وبإذنها!
أمينة برقت عينيها ووقفت من مكانها وهي بتصرخ:
— نعم؟! تطلعوني من شقة ابني؟ وتكتبوا الشقة باسمها؟ دا بعدكم! ابني يطلقها بكرة وميخدوش مننا مليم واحد!
الحاج عبد الصمد بص لأمينة بنظرة خلتها تتسمر في مكانها، وقال ببرود قاتل:
— لو أحمد طلق، الشقة دي كلها بحق القانون والشرع هتبقى من حق سارة كتمكين، والأرض اللي هنا، أنا بنفسي هشتري نصيب أحمد وأديه ل سارة كاش فوق حقها، وإنتي يا أمينة مالكيش قعاد في البلد هنا ولا ليكي مليم عندي.. اختاري بقى، يا تمشي بالأصول وتتأسفي للبنت وأهلها وتنفذي الشروط، يا الطلاق يحصل وتخرجوا من المولد بلا حمص!
الكل سكت، وأحمد بص لأمه بنظرة رجاء إنها تسكت وتوافق، وسارة كانت قاعدة بتبص لأحمد ببرود تامة، كأن الموضوع مبقاش يخصها. أمينة كانت بتتنفس بسرعة، وعينها بتروح وتيجي بين الحاج عبد الصمد ومصطفى، وحست إن الدنيا كلها ضاقت عليها وما بقاش قدامها مفر.
وفجأة، وسط السكوت ده كله، تليفون مصطفى رن، بص في الشاشة وملامحه اتغيرت، وقام وقف وخرج برة الدوار بسرعة وهو بيتكلم.. وبعد دقيقة، دخل تاني ووشه مخطوف، وبص ل سارة وقال بصوت مرعوب ووو…..!!!!
الكل في الدوار اتلفت ناحية مصطفى، الصوت وقف تماماً والحركة اتجمدت. مصطفى كان واقف ماسك الموبايل وإيده بتهتز، وشه اللي كان من شوية وزي الحيطة السد بقى لونه أصفر وخالي من . سارة قلبتها أكلها، وقفت من مكانها غصب عنها ونسيت تعبها وسخونيتها، وقربت من أخوها بخطوات مرعوبة.
— في إيه يا مصطفى؟ … قالتها بصوت مرعوب . — أمي فيها حاجة؟ حد جرى له حاجة في البيت؟








