عام

الشاي

الشاي

«أنا هحمينا يا حبيبتي.. بس من النهاردة مفيش أكل ولا شرب تاخديه من تيتة طول ما أنا مش جنبك، فاهمة؟»

مقالات ذات صلة

هزت رأسها بطفولة مرعوبة.

بعد ما نزلتها قدام باب مدرستها في المعادي، بعتت الفيديوهات، والتحاليل، وصورة الروشتة لندى أختي، ونسخة ثانية على أكونت ثاني احتياطي. الساعة ٤:١٢ بعد الظهر، الموبايل اتهز بإشعار حركة في المطبخ.

فتحت البث المباشر.

راجل في الخمسينات، أسمر، لابس كاب أسود وجاكت مطر، واقف جوه مطبخي! الحاجة سحر أخدته وراحت بيه عند الرخامة. فتح البرطمان الأبيض، وسلمها كيس متغلف بألومنيوم وقال كلام الصوت كويس.

فجأة، وقف مكانه.

وبص ناحية الفيشة المزيفة بتركيز.

قلبي وقفت دقته.

الراجل أشار بإيده على الكاميرا. الحاجة سحر قربت بالراحة، الصورة اتهزت، إيدها غطت العدسة.. والشاشة بقت سودا.

اتصلت بحسام ٨ مرات.. مابيردش. كلمت ندى وهي بتصرخ في التليفون: «روحي هاتي فريدة حالاً من المدرسة! متستنيش ثانية!»

سوقت العربية زي المجنونة وإيدي بتترعش على الدركسيون. دخلت أجرِي على مكتب الناظرة، بصت لي باستغراب وفتحت الدفتر: «بس فريدة مشيت من بدري!»

حسيت إن الهواء اتسحب من ذقتي: «مشيت مع مين؟!»

«مع جدتها الحاجة سحر.. هي مكتوبة في قائمة الأقارب المسموح لهم بياخدوها.»

الدنيا لفت بيا.

لما وصلت البيت، حسام كان لسه نازل من العربية، متضايق إن عنده ١٤ مكالمة لم يُرد عليها. بس أول ما شاف وشي، مأنطقش. ورّيته كل حاجة: الفيديوهات، التحاليل، الروشتة، وصورة الراجل الغريب.

حسام قعد على كرسى المطبخ ورجليه مش شايلاه: «أمي أنا.. مستحيل تعمل كده!»

«عملت يا حسام!» صرخت فيه، «وبنتك معاها دلوقتي!»

واحد من قرايب حسام افتكر إن الحاجة سحر سألت من يومين عن زاوية قديمة مهجورة قريبة من ، مكان كان العيلة بتزور فيه أولياء الله زمان. كلمنا النجدة، طلعنا على قسم الشرطة، ومنه على تحت مطر غزير مبيقفش.

في نص الطريق، الموبايل رن من رقم غريب.

«ماما!» فريدة بتعيط، «أنا بردانة أوي.. تعالي خديني.»

بعدها سمعت صوت شدة والتليفون أتاخد منها، وصوت الحاجة سحر: «متجيبيش بوليس يا مريم.. أنا بس عايزة حسام يفهم أنتِ عملتي فيا إيه.»

«رجعي لي بنتي يا سحر!»

«أنتِ سرقتي مني ابني الوحيد!» صرخت بغل، «أنا اللي ربيته وكبرته قبل ما تظهري في حياته.. ومن يوم ما دخلتي البيت وهو مبقاش محتاجلي!»

الخط قطع.

لما وصلنا الزاوية ، بوكسات البوليس كانت ورايا. الحاجة كانت واقفة تحت سقف الحجر، مبلولة كلها، وماسكة فريدة من كتفها. وفي إيدها الثانية البرطمان الأبيض.

4 الشاي

حسام قرب منها ببطء نازلة: «يا أمي سيبى البنت.. عشان خاطري.»

بدأت تعيط بحرقة: «أنا كنت عايزة مريم تتعب شوية بس يا حسام.. عشان لما تبقى ضعيفة، ترجع أنت تحميها وتحتاجلي تاني! دكتور أشرف هو اللي قال لي أحط أد إيه.. هو اللي ساعدني!»

فريدة اتملصت من إيدها وجريت عليّ، حضنتها بكل قوتي لحد ما وقعنا إحنا الاثنين في الطين.

ولما البوليس بيحط الكلبشات في إيد الحاجة سحر، صرخت بصوت هيستيري: «أشرف مكنش بيعمل كده عشاني أنا! أشرف كان يعرف أم مريم من زمان! القصة دي بدأت من قبل ما أنتم تتجوزوا أصلاً!»

بعدها بساعات، في أوضة بنسيون قديم في وسط البلد، المباحث لقيوا صور لبيتنا، ولمدرسة فريدة، وصور لأمي وهي صغيرة.. وفي أجندة قديمة مكتوب فيها جملة متخططة بالأحمر:

“لو سحر فشلت.. استخدموا البنت.”

في اللحظة دي، جالي مسج على الموبايل برقم مجهول فيه صورة.

صورة حظاظة فريدة الفضة اللي ضاعت منها في الزاوية.

وتحتها مكتوب:

«أمك مكنتوش ملائكة زي ما فاكرة.. تعالي لوحدك المعمل القديم لو عايزة تعرفي الحقيقة.»

مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، الرسالة كان فيها عنوان المعمل القديم في منطقة شق الثعبان بالقرب من المقطم، مكان مقطوع ومفيهوش صرصار حقل ينطق.

بصيت لفريدة وهي نايمة في حضن حسام في الصالة، حسام كان قاعد زي الجث..ة، عينه متثبتة في الأرض ومذهول من الصدمة. طلعت بره الشقة من غير ما يحسوا، ونزلت خدت عربيتي ومشيت في الظلمة تحت المطر اللي بيزيد.

وصلت المعمل. كان مبنى قديم مقفول من السبعينات، يافطته المصدية مكتوب عليها “معمل التحاليل الطبية والتركيبات”. الباب الحديد كان موارب وبيطلع صوت صرير مع الهوا. فتحت كشاف الموبايل ودخلت، ريحة الرطوبة والأدوية القديمة كانت تكتّم النفس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى