روايات وقصص

كل يوم

أنا؟

أيوه.

ثم أضاف

وأبوك كان عايزك تستخدمه.

كريم سأل

في إيه؟

محمود رد

في الغرفة اللي إحنا واقفين فيها.

أحمد نظر حوله.

بس الغرفة دي مفتوحة.

محمود هز رأسه.

مش الغرفة كلها.

وأشار إلى الحائط.

في جزء تاني مستخبي.

بدأ رجال الشرطة يفتشون الجدار.

وبعد دقائق وجدوا لوحة معدنية صغيرة.

أحمد وضع المفتاح فيها.

طَق.

انفتح جزء من الحائط.

ظهر صندوق أسود.

لكن فوقه كانت صورة قديمة.

أحمد رفعها.

الصورة كانت له وهو صغير، واقف بجوار والده.

وخلفهما…

كان نفس باب السفينة.

وعلى ظهر الصورة جملة بخط والده

لما تكبر، هتفهم ليه خبّيت الحقيقة عنك.

أحمد ظل يحدق في الصورة.

ثم جاء صوت محمود

افتح الصندوق.

أحمد مد يده.

لكن قبل ما يفتحه…

انقطع التيار بالكامل.

وسمعوا صوت العمدة من السماعة

متفتحش الصندوق يا أحمد.

أحمد قال

ليه؟

العمدة رد

لأن أول حاجة هتشوفها جواه…

ثم سكت.

هتخليك تعرف مين كان السبب الحقيقي في اختفاء محمود.

أحمد نظر إلى الصندوق.

ثم وضع يده على الغطاء.

وببطء…

بدأ يفتحه رفع أحمد غطاء الصندوق ببطء.

الجميع تجمع حوله.

لكن بدل ما يلاقوا أموال أو مستندات، وجدوا مسجلًا صوتيًا قديمًا، ومجموعة صور، ومفتاحًا آخر.

أحمد أمسك المسجل.

كان عليه شريط

واحد فقط.

مكتوب عليه

إلى أحمد… بعد سبع سنوات.

كريم قال

شغله.

أحمد ضغط الزر.

خرج صوت رجل مسن.

كان صوت والد أحمد.

يا ابني… لو بتسمع الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أوصل لك الحقيقة بنفسي.

أحمد تجمد.

الصوت تابع

محمود ماكانش ابني… لكنه كان ابني في كل حاجة مهمة.

محمود خفض رأسه.

كان أمانة عندي.

أحمد همس

أمانة؟

والده أكمل

الناس اللي كنا بنواجههم ماكانوش بيدوروا على فلوس.

توقف التسجيل لحظة.

ثم قال

كانوا بيدوروا على دليل.

أحمد قلب الصور بسرعة.

واحدة منها كانت لمجموعة رجال واقفين أمام السفينة.

وفي وسطهم…

والد أحمد.

وبجانبه العمدة.

لكن في آخر الصورة كان هناك شخص حاول أحدهم تغطية وجهه.

أحمد قرب الصورة من الضوء.

مين ده؟

محمود قال

ده الشخص اللي كنا بندور عليه.

كريم سأل

عرفتوا هويته؟

محمود هز رأسه

لا.

ثم أخذ الصورة.

قلبها.

وجدوا كتابة خلفها

هو موجود بينكم.

ساد الصمت.

أحمد قال

يعني الشخص ده لسه عايش؟

محمود رد

وأقرب مما تتخيل.

وفجأة…

جاء صوت من السماعة.

ليس صوت والد أحمد.

بل صوت امرأة.

كفاية.

الجميع التفت.

الحاجة ليلى شهقت.

إنتِ؟

لكن لم يكن هناك أحد.

الصوت خرج من جهاز صغير مخفي خلف الحائط.

المرأة قالت

إنتوا فتحتوا الصندوق قبل الوقت.

أحمد صرخ

إنتِ مين؟!

الشخص اللي كان بيحمي محمود.

محمود اقترب من الجهاز

ليه رجعتي؟

ردت

علشان انتهى الوقت.

كريم قال

وقت إيه؟

صمتت المرأة لثوانٍ.

ثم قالت

وقت إن محمود يفضل مستخبي.

أحمد سأل

يعني إيه؟

يعني لازم يخرج من السفينة الليلة.

محمود قال

ومين هيخرجه؟

ردت

الشخص اللي دخل السفينة علشان يدور عليه.

أحمد نظر إلى كريم.

ثم إلى ليلى.

العمدة؟

الصوت رد

لأ.

ثم أضافت

العمدة مجرد واجهة.

أحمد شعر بقشعريرة.

أمال مين؟

المرأة قالت

الشخص الحقيقي موجود معاكم من أول لحظة.

الجميع بدأ ينظر إلى بعضه.

كريم قال

إحنا كلنا كنا مع بعض.

فجأة…

انطفأ جهاز التسجيل.

وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت باب حديدي يُفتح خلفهم.

استداروا.

كان هناك شخص واقف في الظلام.

لم يظهر وجهه.

لكنه قال بصوت هادئ

محمود…

محمود تجمد.

ثم قال

مستحيل.

الرجل تقدم خطوة نحو الضوء.

وأحمد بمجرد ما شاف وجهه…

عرفه.

كان عم عبده الجزار.

نفس الرجل اللي كانت الحاجة ليلى تشتري منه ستين كيلو لحمة كل يوم.

لكن عم عبده لم يكن يحمل سكينه هذه المرة.

كان يحمل…

الملف الأصلي الذي اختفى قبل سبع سنوات عم عبده وقف عند مدخل الغرفة، والملف في إيده.

كريم رفع سلاحه فورًا

حط الملف على الأرض!

لكن عم عبده ما اتحركش.

بص للحاجة ليلى وقال

أنا آسف يا حاجة.

ليلى قربت منه خطوة

إنت كنت عارف كل حاجة؟

هز رأسه.

مش كل حاجة.

محمود قال بحدة

كنت عارف إن أمي بتيجي هنا كل يوم.

أيوه.

وعارف إنها بتجيب الستين كيلو.

أيوه.

وسكت؟

عم عبده قال

لأنك إنت اللي طلبت مني أسكت.

ساد الصمت.

أحمد اقترب منه

إنت كنت بتساعد محمود؟

عم عبده نظر إليه.

كنت بحاول.

ثم رفع الملف.

لكن الملف ده مش بتاعي.

أحمد قال

أمال لمين؟

عم عبده ابتسم بحزن

لصاحب الملف.

محمود قال

إنت عارف مين هو.

أيوه.

قوله.

عم عبده لم يرد.

فجأة سمعوا صوت حركة خلفهم.

الحاجة ليلى استدارت.

لكن لم يكن هناك أحد.

ثم جاء صوت العمدة من السماعة

يا عم عبده… خلاص.

عم عبده أغلق عينيه.

كنت عارف إنك هتظهر.

أحمد التفت للسماعة

العمدة!

جاء صوته

أنا مش العدو يا أحمد.

أحمد صرخ

كفاية! اظهر!

العمدة قال

لو ظهرت، محمود مش هيخرج من هنا.

محمود رد

هو خرج أصلًا.

أحمد نظر إليه.

محمود كان واقفًا أمام باب جانبي مفتوح.

قال

في طريق تاني للخروج.

لكن عم عبده قال

متتحركش.

محمود وقف.

عم عبده فتح الملف.

قبل ما نخرج، لازم تعرفوا الحقيقة.

أحمد قال

قول.

عم عبده أخرج

أول ورقة.

كانت صورة قديمة.

صورة لعم عبده نفسه…

واقفًا مع والد أحمد، والعمدة، ومحمود.

أحمد اتصدم

إنت كنت معاهم؟

عم عبده قال

أنا كنت أول واحد ساعد والدك.

ساعده في إيه؟

في حماية محمود.

الحاجة ليلى قالت

وليه كل ده كان لازم يحصل؟

عم عبده رد

لأن محمود اكتشف إن فيه حد من جوه القرية بيسرب كل خطوة بنعملها.

كريم سأل

مين؟

عم عبده قلب الورقة.

كان هناك اسم واحد مكتوب بخط واضح.

لكن قبل ما يقرأه…

انفتح باب الغرفة فجأة.

ودخل رجل مسرعًا.

كان أحد أفراد الشرطة الذين جاءوا مع أحمد.

قال وهو يلهث

يا فندم… لازم تطلعوا حالًا.

أحمد سأله

ليه؟

الرجل قال

العربية اللي جينا بيها اختفت.

كريم قطب حاجبيه

اختفت إزاي؟

ومش بس كده…

أشار إلى جهاز اللاسلكي.

كل الاتصالات انقطعت.

عم عبده بص

متابعة القراءة

5

كل يوم

بيته أحمد فضل واقف مكانه.

أبويا مات؟

عم عبده هز رأسه.

أيوه.

أحمد بص لأمه

وإنتِ كنتِ عارفة؟

الحاجة ليلى بكت.

كنت عارفة إنه مات… لكن ماكنتش عارفة الحقيقة كاملة.

محمود قال

أبوك مات وهو بيحاول يحمينا.

أحمد رد بعصبية

من مين؟!

قبل ما حد يجاوب، سمعوا صوت حركة في الخارج.

كريم اتجه للنافذة.

في عربيات وقفت قدام البيت.

ناهد قالت

هم وصلوا.

أحمد قال

مين هم؟

ناهد بصت له

الناس اللي أبوك كان بيحاول يمنعهم.

ثم أشارت للصندوق.

افتحه.

أحمد فتح الصندوق.

وجد بداخله دفتر صغير.

أول صفحة كانت تحمل اسم والده.

وفي الصفحة الثانية…

قائمة أسماء.

أسماء من القرية.

بعضها كان عليه علامة.

وبجوار آخر اسم كانت هناك جملة

الخطر الحقيقي من داخل البيت.

أحمد قلب الصفحة.

وجد صورة لوالده مع شخص يقف بجواره.

رفع الصورة.

وتجمد.

كان الشخص هو…

العمدة.

لكن خلف الصورة كان مكتوبًا

كان يظن أنه يحميني.

كريم قال

يعني العمدة كان مع والدك؟

عم عبده قال

في البداية.

وبعدين؟

اختلفوا.

أحمد سأل

على إيه؟

عم عبده قال

على محمود.

محمود تقدم

أبوك كان عايز يخرجني من القرية.

أحمد بص له.

ليه؟

علشان كان عارف إنهم هيستخدموني للوصول لك.

أحمد عقد حاجبيه.

أنا؟

محمود هز رأسه.

أيوه.

ناهد قالت

أبوك كان عنده دليل يثبت مين اللي كان بيمول الشبكة.

أحمد سأل

مين؟

ناهد نظرت إليه.

شخص

قريب منك.

قبل ما تكمل…

انطفأت أنوار البيت.

ثم سمعوا صوت كسر زجاج.

كريم صرخ

الكل على الأرض!

أحمد احتضن أمه.

محمود وقف أمامها.

ويوسف أغلق باب الغرفة.

لكن وسط الظلام، جاء صوت هادئ من الصالة

أحمد.

الجميع سكت.

الصوت تابع

أنا مش جاي أؤذيك.

أحمد رفع صوته

اظهر!

أضاء شخص مصباحًا صغيرًا.

ظهر رجل واقف في الصالة.

أحمد اتصدم.

كان العمدة.

لكنه كان مصابًا وينزف من ذراعه.

كريم رفع سلاحه

حط إيدك فوق!

العمدة قال

لو كنت جاي أقبض عليكم، ماكنتش هاجي لوحدي.

أحمد اقترب

إنت اللي ورا كل ده؟

العمدة هز رأسه

لأ.

ثم أخرج ورقة من جيبه.

دي آخر رسالة من أبوك.

أحمد أخذها.

فتحها.

وكان أول سطر

يا أحمد، لو العمدة وصل لك، يبقى هو آخر شخص تقدر تثق فيه.

أحمد رفع عينيه.

العمدة قال

كمّل.

أحمد قرأ

لكن لو جه مصاب… اسمعه قبل ما تحكم عليه.

العمدة ابتسم بحزن.

أبوك كان عارف إني هخونهم في الآخر.

كريم قال

تخون مين؟

العمدة رد

الناس اللي كنت بشتغل معاهم.

أحمد قال

وليه دلوقتي؟

العمدة نظر إلى الباب.

لأنهم عرفوا إنكم فتحتم الغرفة.

ثم اقترب من أحمد.

وعايزين الصندوق.

أحمد سأله

إيه اللي جواه؟

العمدة قال

دليل يقدر يغيّر مصير القرية كلها.

وفجأة…

جاء صوت طرق على الباب.

ثلاث طرقات.

ثم صوت رجل

يا عمدة…

تغير وجه العمدة.

متفتحوش.

الصوت من الخارج قال

إحنا عارفين إنك جوا.

ثم

جاء صوت آخر.

صوت امرأة.

الحاجة ليلى أول ما سمعته…

اتجمدت.

وقالت

دي… أختي.

أحمد بص لها بدهشة.

خالتك؟

ليلى هزت رأسها.

أيوه.

ثم جاء الصوت من خلف الباب

يا ليلى… افتحي.

لكن ليلى ردت بصوت مرتجف

إنتِ ماتِتِ من عشرين سنة.

ساد الصمت.

ثم جاء الرد من الخارج

كنتِ فاكرة إني مت؟

وأحمد فهم أن السر الحقيقي لم يكن في محمود وحده…

بل في عائلة أمه نفسها لم تستطع الحاجة ليلى أن تتحرك.

صوت أختها من خلف الباب كان كافيًا ليعيد إليها عشرين سنة من الخوف.

قالت بصوت مرتجف

إنتِ ماتِتِ قدامي.

جاء الرد

اللي مات كان لازم يموت علشان الباقيين يعيشوا.

العمدة بص لأحمد وقال

دلوقتي لازم تعرف كل حاجة.

فتح الصندوق الأخير.

كان بداخله دفتر قديم، وصور، وتسجيلات تثبت أن والد أحمد ومحمود وعم عبده كانوا يحاولون كشف مجموعة تستغل أهل القرية وتبتزهم بالمعلومات، وأن وفاة والد أحمد كانت حادثًا أثناء محاولته حماية الأدلة.

أما محمود، فلم يمت.

هو اختفى بإرادته، وظل سبع سنوات بعيدًا حتى لا يصلوا إليه.

والستون كيلو من اللحمة لم تكن لغرض مرعب كما ظن أهل البلد؛ كانت وسيلة لإيصال الطعام للأسر المحتاجة، وفي الوقت نفسه تمرير الرسائل بين الأشخاص الذين كانوا يساعدون محمود.

أما المرأة التي ظن الجميع أنها خالة ليلى، فكانت تعرف جزءًا من الحقيقة، وعادت بعد سنوات لتسليم آخر

دليل.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في الدفتر.

وجد أحمد آخر صفحة بخط والده

يا أحمد، لو وصلت للنهاية، اعرف إن أعظم انتصار مش إنك تنتقم… لكن إنك تمنع اللي حصل من إنه يتكرر.

أحمد أغلق الدفتر.

وبعدها بساعات، وصلت قوة أخرى من الشرطة، وتم القبض على الأشخاص المتورطين، واستُعيدت الملفات والأدلة.

أما العمدة وعم عبده وناهد، فقد شهدوا بكل ما يعرفونه.

الحاجة ليلى أخيرًا عرفت أن ابنها محمود كان حيًا طوال هذه السنوات.

ولأول مرة منذ سبع سنين…

جلست معه على سفرة واحدة.

وضعت أمامه طبق اللحمة.

وقالت وهي تضحك وسط دموعها

كل يا ابني… المرة دي مش هخليكي تستنى سبع سنين.

محمود ابتسم وقبل يدها.

أما أحمد، فوقف عند باب البيت ونظر إلى صورة والده.

ثم قال

سامحتك يا أبي… دلوقتي فهمت ليه عملت كل ده.

ومن يومها، اتقفلت السفينة المهجورة نهائيًا.

والقرية بطلت تتكلم عن الحاجة ليلى باعتبارها الست اللي بتشتري ستين كيلو لحمة كل يوم.

بقت بالنسبة لهم…

الأم اللي فضلت سبع سنين تحمي سر ابنها، لحد ما رجع سالم .

والأغرب؟

بعد أشهر، رجع عم عبده يفتح محل الجزارة كالمعتاد.

وفي صباح هادئ، دخلت الحاجة ليلى.

عم عبده ابتسم وقال

ستين كيلو كالعادة؟

ضحكت وقالت

لأ يا عم عبده… النهارده كيلو واحد بس.

سألها

ليه؟

ابتسمت وهي تخرج النقود من كيسها القديم

علشان محمود رجع… ومبقاش محتاج أستخبى.

وانتهى السر الذي أرعب القرية سبع سنوات…

لكن فضل سؤال واحد من غير إجابة

من الذي أرسل أول رسالة إلى محمود قبل كل شيء؟

لأن الرسالة كانت موقعة باسم شخص…

لم يكن أحد يعرفه أصلًا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى