
بعدها بأسبوعين، كريم دخل عليا وشال المرتبة بتاعتي من الأوضة.
جرّها لحد الجراج ورماها على الأرض.
-
كل يوممنذ 4 ساعات
-
عمرو يوسفمنذ يوم واحد
-
مصيف عيله جوزىمنذ يوم واحد
وقال
من النهارده دي أوضتك.
بصيت له مش مصدق.
أوضتي؟!
ضحك وقال
أيوه. القواعد اتغيرت. إنت هتنام هنا.
ومن يومها بقيت أنام على مرتبة رفيعة في الجراج.
بطانية قديمة فوقي، وأطباق فاضية جنبي، ولا حد بيسأل أنا أكلت ولا لأ.
لحد اليوم اللي محمود وصل فيه فجأة.
أول ما شاف الكدمة اللي تحت عيني، والمرتبة، والبطانية، والأطباق الفاضية
إيده اتقبضت.
وشه اتغير.
في اللحظة دي، كريم ظهر وراه وهو مبتسم، كأنه صاحب البيت فعلًا.
وقال
ماتعملش فيها بطل يا محمود. أبوك هو اللي مضى. معاشه بقى بتاعي دلوقتي، والبيت
متابعة القراءة
2
جوز بنتي
ده كمان قريب هيبقى بتاعي.
محمود ما ردش.
فضل باصص له ثواني طويلة.
وبعدين، بهدوء غريب، خلع الساعة اللي في إيده وحطها على ترابيزة العدد القديمة.
أنا استغربت.
وكريم ضحك وقال
إيه؟ هتخوفني يعني؟
محمود رفع عينه وبصله وقال جملة خلت المكان كله يسكت.
واللي كريم رد بيه بعدها
كان أسوأ بكتير.
لأن كريم ماكانش يعرف إن كل كلمة هيقولها من اللحظة دي كانت بتتسجل.
وماكانش يعرف إن محمود ماجاش عشان يتخانق
هو جه وهو مجهز نفسه لحاجة أكبر بكتير.
وأنا شخصيًا ماكنتش مصدق اللي كان هيحصل قدام عيني
لمح محمود كدمة وجهي، وجمّد نظراته في عينيّ كريم الذي كان يقف بتبجح وذراعاه ممدودتان على جانبي طاولته الوهمية في مملكة المسروقات خاصته.
قال محمود بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة،
بينما وضع ساعته ببطء على ترابيزة العدد
الساعة دي فيها أحدث نظام تسجيل صوتي ومرئي بدقة عالية متصل مباشرة بسحابتي الإلكترونية.. وكل حرف نطقته، وكل زقة زقيتها لأبويا، وكل جنيه سرقته من معاشه، متسجل بالصوت والصورة وبصمة التاريخ والساعة.
تغير لون وجه كريم فجأة. انمحت الابتسامة الصفراء البلهاء من على شفتيه، وبدأت أعصابه تخونه وهو يتلعثم
إيه.. إيه الهبل ده؟ تسجيل إيه.. ده كلام فارغ، أنا أقدر أقول إنكم بتلفقوا لي تهمة..
قاطعه محمود بحزم وثبات، وهو يخرج هاتفه المحمول من جيبه ويدير شاشته أمامه
مش هتلحق تقول حاجة يا كريم.. لأن البث كان شغال لايف على تابلت في عربية ظابط مباحث الإنترنت اللي واقف دلوقتي بره على باب الشارع، ومعاه إذن نيابة رسمي بالقبض عليك بتهمة
النصب، واستغلال عجوز، والبلطجة وسرقة أموال عامة وخاصة.
في تلك اللحظة، تحولت ملامح سارة التي كانت واقفة طوال الوقت مطأطأة الرأس إلى صدمة مرعبة. ركضت نحو أخيها وهي تصرخ
لا يا محمود! والنبي لأ! كريم مكنش يقصد، دي فكرة شيطانية وعدت…
نظر إليها محمود نظرة أوقفت الكلمات في حلقها وقال بصوت قاطع
كنتي شايفة أبوكي مرمي في الجراج زي الكلاب يا سارة.. سكتي وكنتِ شركته في الجريمة بصمتك. الدم اللي في عيون أبوكي ده تمنه غالي قوي، ومش هيتغسل بكلمتين.
تعالى صوت خطوات ثقيلة على سلالم العمارة مدخل الجراج. وفي ثوانٍ معدودة، كان رجال الشرطة يحيطون بالمكان.
حاول كريم أن يهرب أو يفتعل عراكاً، فقام أحد أفراد القوة بالسيطرة عليه وطرحه أرضاً بالأكليد، وهو يصرخ بغضب
سيبوني!
أنتوا ماتعرفوش أنا مين! أنا هحبسكم كلكم!
لكن صراخه انكسر تماماً وهو يُجر إلى الخارج بالكلابشات في يديه، بينما سارة انهارت على الأرض تبكي وتندم ساعة لا يندم فيها الندم.
اقترب مني محمود، ودموعه تخنق صوته، وانحنى ليساعدني على النهوض بحنان بالغ. ربت على كتفي وقال بصوت دافئ
قوم يا بابا.. خلاص، كفاية لحد هنا. حقك راجع، والجراج ده مش هتقعد فيه تاني ولا دقيقة.
خرجتُ معه من عتمة الجراج إلى نور الشمس. شعرت أن عمري الذي قضَيته في خدمة وطني لم يذهب هباءً، وأن الله رزقني بابن بار يقف كالسد الحصين حين تميل الدنيا.
دخلت بيتي، ونظرت إلى صطحي القديم، وعرفت أن الكرامة لا تُشترى بالمال، بل تُصان بالرجال. أما كريم، فقد بدأت رحلته الحقيقية خلف الأبواب الحديدية، حيث لا معاش ينفع، ولا غطرسة تحمي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








