
“أحلام عايشة.”
قلبي دق بسرعة.
“فين؟”
قالت:
“بعيد.”
رجعنا البيت قبل الفجر.
كانت جدتي مستنيانا.
أول ما شافتنا سألت أمي:
“عرفت؟”
بصيت لجدتي.
“عرفت إيه؟”
سكتت.
قلت:
“أحلام عايشة؟”
جدتي غمضت عينيها.
وقالت:
“أيوه.”
اتجمدت.
“فين؟”
“بعيد عن البلد.”
“ليه؟”
قالت:
“عشان نحميها ونحميكي.”
وفجأة سمعنا ثلاث خبطات على الباب.
دق…
دق…
دق…
كلنا بصينا لبعض.
أمي قالت:
“ما تفتحوش.”
لكن الصوت اللي جاء من الخارج كان صوت بنت.
قالت:
“عبير… افتحي.”
قلبي اتقبض.
الصوت كان مألوف.
قريب جدًا.
قالت:
“عبير… أنا أختك.”
أمي بدأت تبكي.
جدتي حطت إيدها على قلبها.
قربت من الباب.
وقبل ما أفتحه، أمي صرخت:
“استني!”
قلت:
“دي أحلام!”
هزت رأسها.
وقالت:
“أحلام عايشة… لكن الموضوع مش بالبساطة دي.”
البنت من الخارج قالت:
“لو ما فتحتيش، الناس اللي بره هيوصلوا لنا.”
وفعلًا، سمعنا عربية بتقف أمام البيت.
أمي قالت:
“دلوقتي لازم تعرفي كل حاجة.”
طلعت صندوق صغير من تحت السرير.
جواه أوراق قديمة وصور.
كانت هناك أسماء وتواريخ مختلفة.
وفي ورقة واحدة ظهر اسم فتاة لم أسمع به من قبل.
قلت:
“مين دي؟”
أمي بدأت تبكي.
وقالت:
“البنت دي كانت جزء من سر أحلام.”
الخبط على الباب زاد.
وفي الخارج جاء صوت رجل:
“صفية… افتحي.”
جدتي همست:
“وصلوا.”
أمي مسكت إيدي وفتحت بابًا صغيرًا خلف الدولاب.
كان فيه ممر سري.
دخلنا بسرعة.
فضلنا نمشي في الظلام، لحد ما خرجنا خلف المقابر القديمة.
كانت السماء بدأت تنور.
وفجأة ظهرت البنت اللي كانت بتخبط على الباب.
كانت لابسة إسدال غامق، ووشها كان نصفه مخفي.
قربت منا.
ولما رفعت وجهها…
اتصدمت.
ملامحها كانت تشبه أحلام بشكل كبير.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
نفس الشامة الصغيرة.
همست:
“أحلام؟”
قالت:
“أنا مش أحلام.”
سألت:
“أمال مين؟”
بصت لأمي وقالت:
“قولي لها.”
أمي كانت بتبكي.
البنت قالت:
“قولي لها مين اللي رجع من المولد يومها.”
أمي سكتت.
ثم قالت البنت:
“وقولي لها مين اللي أخد أختها بعيد.”
قلت:
“إنتِ مين؟”
قالت:
“أنا البنت اللي كان لازم تختفي بدل أحلام.”
سكتت الدنيا.
ثم أضافت:
“وأحلام كانت معايا طول السنين دي.”
سألت بسرعة:
“فين أحلام؟”
أشارت إلى مكان قريب.
وقالت:
“هتلاقيها هناك.”
وفجأة سمعت صوتًا ضعيفًا جدًا.
صوت فتاة يناديني:
“عبير…”
عرفت الصوت فورًا.
ده صوت أحلام.
جريت ناحية الصوت.
وأمي صرخت:
“استني!”
لكنني ما وقفتش.
وصلت لمكان قديم، وكان فيه حجر كبير.
البنت وقفت جنبه وقالت:
“لو دخلتي المكان ده، حياتك كلها هتتغير.”
قلت:
“حياتي اتغيرت من يوم ما أحلام اختفت.”
أشارت للحجر.
“يبقى لازم تعرفي الحقيقة.”
حركنا الحجر، وظهر سلم نازل لتحت.
ومن المكان العميق سمعنا صوت أحلام:
“عبير… ما تثقيش في كل اللي اتقال لك.”
بصيت لأمي.
أمي قالت:
“أحلام مش فاهمة كل حاجة.”
وفجأة البنت قالت:
“الحقيقة إن أمك ما قالتش لك كل اللي حصل.”
نزلنا السلم.
وفي الأسفل وجدنا غرفة قديمة.
كان فيها صندوق حديدي.
فتحناه.
جواه أوراق ملكية، وصور، وتسجيلات قديمة.
كلها كشفت الحقيقة.
أعمام أبي كانوا بيحاولوا السيطرة على أرضه، وكان أبويا قد اكتشف تفاصيل مهمة عن الموضوع.
وفي التسجيل، ظهر صوت جدي وهو بيشرح إن أمي أخذت أحلام بعيدًا بمساعدته، بعدما عرفوا إن بعض الأشخاص يبحثون عنها وعن الأوراق.
أما أبي، فقد اختفى لفترة بعدما قرر يجمع الأدلة بعيدًا عن الجميع، حتى يضمن حماية أسرته وحقوقه.
أمي لم تكن قاسية تجاه أحلام.
كانت تحاول حمايتها، لكنها اختارت الصمت، وتحول السر مع مرور السنوات إلى مشكلة كبيرة بين أفراد الأسرة.
وفجأة سمعنا أصواتًا من الخارج.
كان عمي قد وصل.
لكن هذه المرة لم نهرب.
محمود كان قد أبلغ الجهات المختصة بما عرفه، ووصلت المساعدة في الوقت المناسب.
تم فحص الأوراق والتسجيلات، وبدأت التحقيقات.
وبعدها ظهرت الحقيقة كاملة.
أما المفاجأة الأكبر، فكانت أن البنت التي قابلناها لم تكن أختًا ثالثة كما ظننا.
كانت هي أحلام الحقيقية.
أما الفتاة التي عاشت معنا في بعض الفترات وحملت اسم أحلام، فكانت أختنا الصغيرة، وكانت أمي قد استخدمت الاسم نفسه لحمايتها وإبعاد الأنظار عنها.
وقفت أنا وأحلام أمام بعضنا.
سنوات طويلة ضاعت بسبب سر واحد.
احتضنتها وأنا ببكي.
وقالت:
“وحشتيني يا عبير.”
قلت:
“وأنتِ كمان.”
وبعد فترة، رجعت الأسرة لبيتها من جديد.
تمت استعادة الحقوق والأوراق، وانتهى النزاع بعد ظهور الحقيقة.
أما أمي، فجلست أمامنا وقالت:
“سامحوني… أنا غلطت لما فضلت ساكتة.”
أحلام مسكت إيدها.
وأنا قلت:
“المهم إننا رجعنا لبعض.”
وبعد شهور، قررت أروح المولد مرة تانية.
وقفت قدام نفس المراجيح.
لكن المرة دي ما كنتش لوحدي.
كانت أحلام جنبي.
بصت لي وقالت:
“لسه بتخافي؟”
ابتسمت وقلت:
“لأ.”
مسكت إيدها.
“دلوقتي المولد مش ذكرى مؤلمة.”
ضحكت أحلام وقالت:
“أمال بقى إيه؟”
بصيت للأنوار حواليّ.
وقلت:
“المكان اللي رجعت فيه أختي ليا.”
وركبنا المراجيح مع بعض.
ولأول مرة بعد سنين طويلة…
المولد ما كانش مكان اختفاء أختي.
كان المكان اللي رجعت فيه أختي إلى حياتي.
**تمت.**




