
— أنا فعلًا هتكلم علشان نفسي.
العروسة قربت منه وقالت بصوت واطي:
— إنت بتعمل إيه؟
بصلها لأول مرة من غير ما يهرب بعينه.
وقال:
— حاجة كان لازم أعملها من زمان.
بدأ همس الناس يعلى.
أبو العروسة وقف من مكانه، لكن ابني رفع إيده وقال:
— لو سمحتوا، محدش يقاطعني.
أنا نفسي اتصدمت.
ده مش ابني اللي أعرفه.
أو يمكن…
ده ابني الحقيقي اللي كان ساكت طول الوقت.
قال:
— من حوالي سنة، وأنا كل مرة أختلف فيها مع خطيبتي في حاجة، ألاقي القرار اتاخد خلاص.
سكت لحظة.
وبعدين كمل:
— مكان السكن اتحدد من غيري. شهر العسل اتغير من غير ما أعرف. ضيوف من ناحيتي اتمسحوا من القايمة لأنهم “مش مناسبين لشكل الفرح”. حتى البدلة اللي كنت مختارها، اتغيرت علشان لونها ماكانش عاجب أهل العروسة.
العروسة قالت بعصبية:
— كل ده حاجات بسيطة!
رد عليها:
— بالنسبة لك بسيطة… لأن القرار كان دايمًا قرارك.
القاعة كلها سكتت تاني.
وش أم العروسة اتغير.
قالت:
— مش معقول تعمل المشهد ده يوم فرحك بسبب فستان!
ابني ضحك ضحكة قصيرة وقال:
— الموضوع مش فستان.
وبص ناحيتي.
— أمي طلب منها ما تلبسش أزرق، مش علشان الصور… لكن علشان الأزرق، زي ما حضرتك قلتي، “للعيلة”.
أم العروسة قالت بسرعة:
— دي مجرد عادة عندنا.
رد:
— وأنا من النهارده المفروض بقيت من العيلة، صح؟
ماحدش رد.
كمل:
— يبقى أمي إيه؟
الصمت كان تقيل جدًا.
العروسة قربت منه ومسكت دراعه.
— كفاية. الناس بتتفرج علينا.
سحب دراعه بهدوء.
وقال:
— طول السنة اللي فاتت كنت بسكت علشان الناس.
— بسكت علشان ما أزعلكيش.
— بسكت علشان ما نعملش مشكلة.
— بسكت علشان أقول لنفسي إن الجواز تنازلات.
وبعدين صوته اتغير.
— لكن اللي اكتشفته النهارده إن التنازل لو جاي من طرف واحد طول الوقت، مايبقاش تفاهم.
بقى اختفاء.
حسيت عيني دمعت.
العروسة قالت:
— يعني إيه؟ ناوي تفسخ الفرح علشان أمك زعلت من لون فستان؟
قال:
— لا.
وسكت شوية.
كل الناس كانت مستنية.
قال:
— أنا مش بوقف الفرح علشان أمي زعلت.
— أنا بوقفه علشان أنا خايف أكمل حياة ماعنديش فيها صوت.
شهقت كذا واحدة من الموجودين.
أم العروسة قالت:
— إنت مش واعي إنت بتقول إيه.
رد:
— بالعكس. أول مرة من شهور أبقى واعي جدًا.
العروسة وشها احمر.
وقالت:
— بعد كل اللي عملناه؟ القاعة؟ الفستان؟ الناس؟ المصاريف؟
قال:
— كل ده يتعوض.
وبعدين بص لها مباشرة:
— إنما سنين العمر لو راحت في علاقة غلط، ما بتتعوضش.
قربت منه ووشها بقى مليان غضب.
— يعني أمك لعبت في دماغك؟
أنا كنت هرد، لكنه سبقني.
— لا تدخلي أمي في الموضوع.
وبنبرة أقوى قال:
— هي سألتني سؤال واحد بس: “إنت مبسوط؟”
وسكت.
— وأنا ماعرفتش أجاوب.
الجملة دي كانت أقسى من أي صراخ.
العروسة دموعها نزلت.
ولأول مرة صوتها هدي.
قالت:
— يعني إنت عمرك ما كنت بتحبني؟
رد بسرعة:
— لأ. أنا حبيتك.
— ويمكن لسه بحبك.
وبعدين هز راسه.
— بس الحب لوحده مش كفاية للجواز.
4 عن
حماتي ابني حكايات اسما السيد
قعدت أمها على الكرسي وهي بتقول:
— إحنا اتفضحنا قدام الناس.
ابني بص لها وقال:
— وأنا بقالي شهور بتكسف قدام الناس كل ما بنتك تتريق على رأيي وتقول إني “ما بعرفش أقرر”.
العروسة بصت حواليها.
واضح إنها كانت لأول مرة حاسة إن الموقف خرج من سيطرتها.
فقالت:
— طيب خلاص… نتكلم جوه.
ابني قال:
— نتكلم.
كلنا افتكرنا إنه هيرجع في كلامه.
لكنه كمل:
— بس قبل أي حاجة، لازم نوقف مراسم الزواج النهارده.
صوت همهمة قوية ملأ القاعة.
أبو العروسة قرب منه وقال:
— فكر كويس يا ابني. دي قرارات ما ينفعش تتاخد وإنت متعصب.
ابني رد باحترام:
— حضرتك عندك حق.
— علشان كده أنا مش هتجوز وأنا متردد.
وفي اللحظة دي حسيت بإيده تمسك إيدي.
بصلي وقال:
— نمشي يا أمي.
قلتله:
— متأكد؟
بص ناحية العروسة.
عينيه كانت حزينة جدًا.
لكنه قال:
— لأول مرة… آه.
خرجنا من القاعة وسط نظرات كل الناس.
ولا أنا اتكلمت.
ولا هو اتكلم.
ركبنا العربية.
فضل ساكت يمكن عشر دقايق كاملة.
وبعدين فجأة قال:
— أنا آسف.
بصيتله.
— على إيه؟
قال:
— إني خلتك تشتري فستان جديد وتسكتِ علشان خاطري.
ابتسمت رغم دموعي.
قلت:
— الفستان يتعوض يا ابني.
بصلي.
قلت:
— المهم إنت ما تضيعش نفسك علشان ترضي حد.
سند راسه على الكرسي وغمض عينيه.
وبعد شوية قال:
— كنت حاسس إني لو اعترضت على أي حاجة، هخسرها.
قلتله:
— والنهارده؟
فتح عينيه.
— النهارده فهمت إني لو فضلت ساكت… كنت هخسر نفسي.
عدى أسبوع.
وبعدين أسبوعين.
ما كنتش بسأله عن خطيبته.
كنت سايباه هو اللي يتكلم وقت ما يحب.
وفي ليلة، لقيته داخل عليا وموبايله في إيده.
قال:
— هي باعتالي.
سألته:
— قالت إيه؟
ناولني الموبايل.
الرسالة كانت طويلة.
لكن في آخرها جملة شدت انتباهي:
“أنا كنت فاكرة إن طالما إنت ساكت، يبقى إنت موافق.”
رجعتله الموبايل.
قلت:
— وهترد تقول إيه؟
قال:
— الحقيقة.
قعد وكتب:
“وسكوتي كان غلطي أنا كمان. كان المفروض أتكلم من أول مرة. لكن لو رجعنا نتكلم، مش هنرجع لنفس العلاقة. لازم يبقى لكل واحد فينا رأي وحدود واحترام.”
ما ردتش عليه في نفس الليلة.
لكن بعد يومين، طلبت تقابله في مكان عام.
راح.
رجع بعد ساعتين.
سألته:
— إيه الأخبار؟
قال:
— اتكلمنا كتير.
— وهترجعوا؟
قال:
— مش دلوقتي.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.
— المرة دي مش مستعجل.
مرت شهور.
بدأ ابني يتغير.
مش بمعنى إنه بقى عصبي أو صوته عالي.
بالعكس.
فضل هادي زي ما هو.
بس بقى يقول “لا” لما يكون قصده لا.
وبقى لما يحب حاجة يقولها.
ولما يضايقه شيء ما يدفنهوش جواه.
أما خطيبته السابقة، فعرفت بعد فترة إنها بدأت جلسات إرشاد أسري، لأنها اعترفت لنفسها إن علاقتها بأهلها خلتها تتعامل مع التحكم كأنه شيء طبيعي.
وبعد حوالي سنة…
رجعوا يتكلموا.
من البداية.
من غير فرح.
ومن غير حجوزات.
ومن غير ضغط.
وبعد شهور طويلة، قرروا يدوا علاقتهم فرصة جديدة.
لكن المرة دي بشروط واضحة جدًا من الاتنين.
5
حماتي ابني حكايات اسما السيد
وفي يوم جت تزورني لوحدها.
قعدت قدامي وقالت:
— أنا مدينة لك باعتذار.
قلت:
— على الفستان؟
هزت راسها.
— على المعنى اللي كان وراه.
وسكتت لحظة.
ثم قالت:
— يومها كنت عايزة أوصل إن أهلي أهم… وإنك ضيفة.
بصيت لها بهدوء.
قالت:
— وده كان غلط.
ابتسمت وقلت:
— المهم إنك عرفتي قبل ما يكون الغلط أكبر.
بعد سنة ونص…
اتجوزوا فعلًا.
فرح أصغر بكتير من الأول.
وأهدى.
والمرة دي، قبل الفرح بأسبوع، خطيبة ابني — اللي بقت زوجته بعد كده — اتصلت بيا.
قالت:
— عايزة أطلب منك طلب.
ضحكت وقلت:
— أوعي تقوليلي ما ألبسش أزرق.
ضحكت هي كمان.
وقالت:
— بالعكس.
— أنا جبتلك شال أزرق مخصوص.
— علشان الأزرق المرة دي…
وسكتت شوية.
— للعيلة كلها.
يوم الفرح لبست نفس الفستان الكحلي اللي كنت اشتريته من أول مرة.
الفستان اللي فضل سنة ونص معلق في الدولاب.
ولما ابني شافني، ضحك وقال:
— أخيرًا لبستيه.
قلتله:
— كل حاجة ليها وقتها يا ابني.
وبصيت ناحية مراته.
كانت واقفة جنب أمها.
وأمها كانت لابسة لون مختلف تمامًا.
لكن المرة دي…
ماكانش اللون هو اللي لفت نظري.
اللي لفت نظري إن ابني كان بيتكلم…
وهي كانت بتسمعه.
وهي كانت بتتكلم…
وهو كان بيسمعها.
وساعتها فهمت إن أحسن حاجة حصلت يوم الفرح الأول…
إنه ماكملش.
لأن ساعات تأجيل فرح يوم واحد…
أرحم بكتير من استعجال جواز ممكن يندم عليه الإنسان عمر كامل.
#اسما_السيد
✍️ الكاتبة أسما السيد — حصري
لو عجبتكم الحكاية، قولولي: هل كان العريس صح لما وقف الفرح؟ ولا كان المفروض يحل المشكلة بعيد عن الضيوف؟




