منوعات

الست كل يوم

بصيت لكريم وقلت: “داليا ما كانتش بتقعد في الحمام ساعة ونص عشان شعرها.”
داليا شهقت: “ماما!”
“كانت بتستخدم الوقت ده عشان تعمل مكالمات من غير ما أسمعها.”
كريم بص لها: “مكالمات مع مين؟”
داليا قالت: “مع واحدة صاحبتي.”
“مين صاحبتك؟”
“اسمها نهى.”
أنا حطيت موبايلي قدام كريم: “لا، مش نهى.”
كريم بص للشاشة، كانت فيه صورة من رسالة وصلت لي على واتساب من رقم غريب: (مدام داليا، أنا مستني صورة العقد الأصلية وصورة البطاقة عشان أجهز عقد البيع المبدئي. وماتقلقيش، موضوع والدتك هيتحل زي ما اتفقنا).
كريم قرأ الرسالة مرتين، وبعدين بص لمراته: “موضوع والدتي هيتحل إزاي؟”
داليا ما ردتش.
“داليا أنا بسألك!”
بدأت تبكي: “كنت هكلم مكتب محاماة.”
“ليه؟”
“عشان أعمل لك وصاية عليها لو حصل لها حاجة.”
بصيت لها باستغراب: “وصاية عليّا؟!”
قالت بسرعة: “مش دلوقتي! بعدين لو صحتها ساءت.”
ضحكت من الصدمة: “أنا عندي 62 سنة يا داليا، مش 92!”
كريم اتراجع خطوة، واضح إنه بدأ يربط حاجات كتير ببعض، فقال: “عشان كده كنتِ بتقولي إني لازم أخلي أمي ما تخرجش لوحدها؟” سكتت. “وعشان كده كنتِ بتقولي إنها بتنسى؟” سكتت أكتر. “وعشان كده كنتِ كل شوية بتقولي إن تصرفاتها غريبة؟”
بدأت تبكي، لكن كريم ما كانش بيرد عليها، كان باصص لي أنا وقال: “ماما هي كانت بتجهز إني أبقى المسؤول عن البيت؟”
هزيت راسي: “أيوه.”
سكتنا، وبعدين قلت: “بس فيه حاجة تانية.”
داليا رفعت عينيها بسرعة، واضح إنها عرفت إني لسه مخبية حاجة. طلعت من شنطتي ظرف تاني وحطيته قدام كريم: “ده اللي خلاني ما أواجههاش من أول يوم.”
فتح الظرف، كان جواه تقرير من محامي، ومعاه صور من مستندات.
كريم قرأ أول سطر ووشه اتغير: “ماما إيه ده؟”
قلت: “من شهرين، قبل ما تحصل مشكلة الإيجار أصلًا، داليا كانت عاملة استعلام عن ملكية البيت.”
كريم رفع عينه: “يعني إيه؟”
“يعني إنها كانت بتخطط من قبل ما تيجي تعيش معانا.”
داليا بدأت تهز راسها: “لأ مش كده.”
بصيت لها: “يبقى قولي له الحقيقة.”
فضلت ساكتة، وبعد ثواني، انهارت وقالت: “أنا كنت مديونة.”
كريم اتصدم: “مديونة بكام؟”
ما ردتش.
“بكام يا داليا؟”
قالت بصوت مكسور: “حوالي تمنميت ألف جنيه.”
سكت كريم تمامًا. عرفنا بعدها إن داليا كانت داخلة في شراكة مع واحدة صاحبتها في مشروع، والمشروع فشل، وهي اقترضت فلوس من كذا شخص وسددت جزء، لكن فضِل عليها مبلغ كبير. ولما عرفت إن البيت باسمي بالكامل، وإنه من غير أقساط ولا شركاء، بدأت تفكر في طريقة تخلي كريم يقنعني أبيع.
لكنها كانت عارفة إني هرفض، فبدأت تعمل حاجة أخطر.. كانت بتجمع أي حاجة تثبت إني مش قادرة أدير نفسي. مرة تسيب حاجة في مكان غريب وتطلب مني أنداهالها وتدعّي إني نسيت، ومرة تخبي ورقة، ومرة تسألني نفس السؤال تلات مرات قدام كريم. ومع الوقت، بدأت تزرع في دماغه إني كبرت وبقيت بنسى.
أما موضوع النظافة، فكان مجرد بداية صغيرة من نفس الخطة. كانت عايزة تخلي كريم يصدق إن أمي مش مهتمة بنفسها، وبعدها تنتقل لحكاية النسيان، وبعدها عدم القدرة على إدارة البيت، وبعدين البيع.
لكنها ما كانتش تعرف إن جوزي الله يرحمه كان سايب لي صندوق أمانات في البنك، ولا كانت تعرف إني قبل وفاته بأيام، عملت توكيل لمحامي أثق فيه يحفظ كل أوراق البيت. والأهم.. إن البيت ما كانش معروض للبيع أصلًا! لكن داليا كانت بالفعل بدأت تتواصل مع سمسار، والسمسار لما عرف إن صاحبة البيت ما وافقتش على أي بيع، رفض يكمل معاها.
بعدها بأسبوع، كريم طلب منها تسيب البيت. مش لأنها مراته، لكن لأنه قال لها: “أنا مش هسمحلك تخدي أمي ذريعة عشان تحلي مشاكل إنتِ اللي عملتيها.”
داليا حاولت تعتذر وبكت، وقالت إنها غلطت وإنها كانت خايفة، لكن كريم كان واضح. ساعدها يسدد جزء من الديون من مدخراته، واتفق معاها على خطة سداد للباقي، بشرط إنها تتحمل مسؤولية اللي عملته بنفسها.
أما أنا، فما طردتهاش بإهانة، قلت لها: “أنا مش عايزاكي تفضلي هنا وإنتِ شايفة نفسك مضطرة تستغلي بيتي. خدي وقتك، ولما تلاقي مكان مناسب انقلي.”
بعد أسبوعين، خرجت داليا من البيت. كريم فضل عندي فترة، وبعدها استأجر شقة صغيرة ليهم بعيد عن بيتي. العلاقة بينهم ما انتهتش في نفس اليوم، لكن الثقة اتكسرت، واحتاجت وقت طويل عشان ترجع.
أما أنا، فرجعت أعيش حياتي زي الأول.. أروح السباحة، أرجع البيت، أعمل أكلي، وأقفل باب حمامي على نفسي وقت ما أحب.
وفي يوم، بعد حوالي ست شهور، كنت قاعدة في الصالة، لقيت كريم داخل ومعاه داليا. بصيت لهم، داليا كانت ماسكة كيس صغير وقالت: “ماما أنا عايزة أعتذرلك مرة أخيرة.”
سكت.
مدتلي الكيس، كان جواه علبة صابون وشامبو. ضحكت رغمًا عني.
قالت: “عشان أول مرة جيت بيتك، كنت فاكرة إن الحمام أهم حاجة في البيت..” وسكتت لحظة ثم كملت: “طلعت غلطانة، أهم حاجة في البيت إن اللي عايشين فيه يحسوا بالأمان.”
بصيت لكريم وبعدين بصيت لها وقلت: “اتعلمتي الدرس؟”
هزت راسها: “أيوه.”
“طيب خلاص.” ومشيت ناحية الحمام.
كريم ضحك وقال: “رايحة فين يا ماما؟”
بصيت له وقلت: “رايحة أستحمى!”
ضحك: “في البيت؟”
قلت: “أيوه أخيرًا أقدر أستحمى في بيتي من غير ما حد يطلع يحاسبني!”
ضحكنا كلنا.
ومن يومها، بقى عندي قاعدة واحدة بس: اللي يدخل بيتك ضيفًا، افتح له الباب بقلبك لكن ما تديهوش مفتاح حياتك. لأن المشكلة ما كانتش إن داليا كانت بتقعد ساعة ونص في الحمام.. المشكلة إنها كانت بتحاول، واحدة واحدة، تسرق من صاحبة البيت حقها في بيتها قبل ما تحاول تسرق البيت نفسه.
2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى