
2
اساة المستشفى حكايات زهرة حصري
البنت برقت عينيها وقالت بصدمة: “هو يضايق من وجودي؟! ده بيت ابويا! هو قاعد فيه ليه أصلاً؟!”
وفجأة، الباب اتفتح وخرج جمال على الكلمتين دول.. كان سامع كل حاجة. وشُه كان أحمر من الغضب وقالي بعصبية: “أنا مش صغير عشان اتهان كدة! من النهاردة أنا هسيب الشقة وأمشي، اقعدي مع بنتك خليها تنفعك!”
انا اتبرجلت لما قال هيسيبني.. مسكت في إيده وقلت برجاء : “لا يا جمال! عشان خاطري لا.. دي عيلة ومتقصدش، أنت عارف إني مستغناش عنك ولا أقدر أعيش من غيرك!”
بنتي قالت بغضب وهي بتبص لجمال: “لا والله؟! وأنت لما راجل كدة وقوي، قاعد هنا من الأساس ليه؟ مشوفتلهاش شقة ليه وجاي تعيش في ملك غيرك؟!”
جمال اتجنن، هجم عليها وهو بيصرخ: “اخرسي يا بت! أنا أرجل منك ومن أبوكي!”
البنت بقيت تزعق فيه وما سكتتش، وتقوله متجبش سيرة ابويا على لسانك
وأنا وقفت في النص بينهم، عمالة أزق فيه وأتحايل عليه، وهو عايز يوصل لها يضربها ومش طايلها بسببي.. الصوت كان علّي، والبيت اتكركب
في وسط الهيصة دي كلها، كانت بنتها الصغيرة، واقفة في النص بين رجلين الكبار، بتبكي بحرقة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل حواليها.. من شدة العصبية والعمى اللي كان فيه جمال، رفص البنت برجله في وسط الزعيق عشان يزيحها من طريقه، وهو بيصرخ في بنتي: “خدي بنتك وغوري من وشي!”
الدفعة كانت قوية وجاهلة.. البنت طارت واتخبطت دماغها في حرف الحيطة الرخام!
صوت الخبطة بيرن في ودني لحد النهاردة.. البنت صرخت صرخة مكتومة، ووقعت على الأرض، والدم بدأ يسيل منها.
سكتنا كلنا فجأة. وجمال فاق من العصبية، وقف مصدوم ووشه اصفر، مكانش قاصد طبعًا إنه يؤذي الطفلة.. وبنتي صرخت صرخة تخض، وجريت على بنتها وشالتها بين إيديها وهي بتبكي وتدعي على جمال.
أخدناها وجرينا على المستشفى زي المجانين، والدموع مغرقة وشوشنا كل همنا نلحقها..
بس كل اللي فات ده كوم، واللي حصل في المستشفى كوم تاني خالص .. مصيبة خلتني أتمنى لو كنت مت قبل اليوم ده وما شفتش اللي شفته هناك واللي طلبه جوزي مني العن بكتير!!!!
وصلنا المستشفى والدموع مغرقة وشوشنا، الأرض كانت بتلف بيا والدنيا بتظلم في عيني. الدكاترة اتلموا حوالين الطفلة وأخدوها جري على أوضة الطوارئ، وأنا وبنتي وجمال واقفين برة، ضربات قلوبنا زي الطبول، وكل ثانية بتمر كأنها سنة كاملة. بنتي كانت ماسكة في حديد السرير والدم مغرق هدومها، بتصرخ وتدعي، وأنا واقفة مش قادرة أقف على رجلي.. مرعوبة على حفيدتي، وفي نفس الوقت مرعوبة من اللي جاي.
بعد دقائق كانت أطول من العمر كله، خرج الدكتور ووشه يقطع الخلف. بصلنا بأسف وهز رأسه بقلة حيلة وقال بصوت واطي: “شدوا حيلكم.. الخبطة كانت قوية جداً وحصل نزيف حاد في المخ.. البقاء لله.”
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الروح بتتسحب مني. بنتي صرخت صرخة شقت السقف، صرخة ألم وعجز، وانهارت على الأرض ودخلت في حالة هستيريا. الدكاترة حاولوا يمسكوها، بس هي زقتهم كلهم وجريت دخلت الأوضة اللي فيها بنتها، مسكتها بين إيديها وحضنتها بقوة وهزت جسمها الصغير وهي بتبكي بدموع تحرق الحجر: “قومي يا جودي.. قومي يا قلب أمك.. متسبنيش يا ناهد، قومي يا حبيبتي عشان خاطري!”
في اللحظة دي، لقيته بيتسحب وبيشدني من دراعي على جنب. وشه كان أصفر زي الميت، وعرقان، وصوته بيترعش من الخوف. ناداني بصوت واطي ومخنوع وقال لي: “يا حبيبتي.. أنتِ أكيد عارفة إن مش قصدي.. أنا كنت بعصبية، وربنا يعلم إني ما أردتش أؤذيها! دلوقتي المستشفى أكيد هتبلغ البوليس والظابط يجي، وأنا كدة مستقبلي يضيع وأروح في داهية.. خلي بنتك تقول إنها عيلة ووقعت وهي بتلعب! ماشي يا حبيبتي؟ قولي لها تقر بكدة عشان تحميني!”
أنا كنت مصدومة.. دماغي مش قادرة تستوعب حجم الكارثة، ولا الخوف اللي تملك مني. كنت حزينة ومكسورة على حفيدتي اللي راحت في لحظة طيش، بس في نفس الوقت… العمي والضعف خادوني، وما كنتش عايزة أخسر جمال، الراجل اللي حسيت معاه إن ليَّ قيمة ووجود بعد سنين وحدة. بصلت له بعيون زايغة، وجسمي بيترعش، وهزيت رأسي بالموافقة من غير ما أنطق كلمة.
مشيت بخطوات تقيلة ومترددة لداخل الأوضة. بنتي كانت لسة منهارة، حاطة وشها في صدر بنتها المتوفية وبتبكي بحرقة تكسر القلب. قربت منها بتوتر شديد، وحطيت إيدي على كتفها وقلت لها بصوت مخنوق وبيترعش: “اهدي يا قلبي.. اهدي يا ناهد عشان خاطر ربنا، البكاء مش هيرجعها..”
ناهد رفعت رأسها ببطء، وبصت لي بحدة وعيون حمرا زي النار.. نظرة كأنها بسكينة بتدبحني في صدري، نظرة كانت بتقول لي فيها بكل وضوح: “أنتِ السبب.. أنتِ اللي جبتيه البيت، وأنتِ اللي بعتيني عشان خايفة تضيعيه من إيدك.”
أنا ارتبكت جداً من نظرتها، وما استحملتش الشك اللي في عينيها، فرديت بقلة حيلة وأسلوب اندفاعي يحمي موقفي وموقف جمال: “أنا ذنبي إيه بس يا ناهد؟! اللي حصل ده قدر ومكتوب! ياريت تكبري عقلك وتفكري في اللي جاي.. لما يجي الظابط، قولي له إنها كانت بتلعب ووقعت على حرف الحيطة.. محدش قاصد يا بنتي!
ساد الصمت داخل الغرفة للحظات بدت أطول من الليل نفسه. كان الجميع ينظر إليّ بذهول، بينما بقي أبو سيف واقفًا قرب الباب، يحاول أن يحافظ على هدوئه رغم الارتباك الواضح في عينيه. أما أنا… فكنت بالكاد أستطيع رفع يدي. لكن أصابعي تشبثت بذلك الشيء الصغير فوق الطاولة كأن حياتي كلها معلقة به. هاتفـي. شهقت حماتي فورًا عندما رأت الضوء الخافت في شاشته. أما أبو سيف، فتغير وجهه فجأة بطريقة مرعبة. ولأول مرة منذ دخلت هذا البيت… رأيته خائفًا. اقترب سيف مني بسرعة. ريم… ماذا يحدث هنا؟ حاولت أن أتكلم، لكن الكلمات خرجت متقطعة بسبب الثقل الذي ما زال يسيطر على جسدي. لا… تدعه… يأخذ الهاتف… التفت الجميع نحو أبي سيف. وفي لحظة خاطفة، تحرك باتجاهي بعنف لم أتوقعه من رجلٍ تجاوز الستين. لكن سيف كان أسرع. أمسك بذراع والده قبل أن يصل إليّ. ماذا تفعل يا أبي؟! صرخ أبو سيف بغضب: أعطني الهاتف يا بنت! كان صوته كافيًا ليزيد رعب الجميع. حتى الرجل الغريب تجمد مكانه وهو ينظر بيننا بخوف. أما حماتي… فبدأت تبكي بصوت مرتفع وهي تردد: يا ساتر يا رب… يا ساتر يا رب…
لكن أحدًا لم يعد ينظر إليها أصلًا. كل الأنظار أصبحت معلقة بالهاتف المرتجف بين يدي. ضغطت بصعوبة على الشاشة. وفي اللحظة التالية… خرج صوت أبي سيف واضحًا داخل الغرفة: عندما يدخل ابني… اهرب فورًا. تجمد الجميع. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. ثم ظهر صوت الرجل الغريب: وماذا لو استيقظت؟ ليأتي صوت أبو سيف ببرود أرعبني من جديد: لن تستطيع الحركة… بعد قليل لن تفهم حتى ما يدور حولها. شهقت أخت سيف بقوة. أما سيف… فبدأ وجهه يفقد لونه تدريجيًا. كان ينظر إلى والده وكأنه يراه للمرة الأولى في حياته. تابع التسجيل. ظهر أبو سيف وهو يقترب من السرير. ثم وهو يبعثر الغرفة. ويفتح زر ثوبي بيده. وفي الخلفية… كنت أظهر بالكاد أتحرك فوق السرير. كأنني سجينة داخل جسدي. همست حماتي بخوف: أطفئيه… لكن أحدًا لم يتحرك. حتى الرجل الغريب نفسه بدأ يتراجع نحو الباب وكأنه يريد الهرب من الكارثة. وفجأة… صرخ سيف بغضب هائل: ماذا فعلت يا أبي؟! لأول مرة أسمع سيف يرفع صوته على والده. لكن أبا سيف لم يتراجع. بل نظر إليه بحدة وقال: أنقذتك منها قبل فوات الأوان. ساد الصمت. ثم ضحك سيف بصدمة وكأنه لم يستوعب ما يسمعه. تنقذني؟! تتهم زوجتي بالشرف وتقول أنقذتني؟! صرخت حماتي وهي تبكي: أبوك فعل ذلك من أجلك يا سيف! لكن سيف لم ينظر إليها حتى. كل تركيزه كان على أبيه. أما أنا… فكنت أراقبهم بصمت بينما رأسي يدور بقوة. بدأت أشعر بالغرفة تميل حولي. ورغم ذلك… لم أستطع إبعاد عيني عن أبي سيف. لأن وجهه لم يكن وجه رجل شعر بالندم.
بل وجه رجل غاضب لأن خطته فشلت فقط. اقترب سيف منه خطوة. لماذا؟! رد أبو سيف ببرود: لأن هذه المرأة ستدمر بيتنا. كيف؟! منذ دخلت هذا البيت وأنت تغيّرت. ضحك سيف بمرارة: لأني أصبحت رجلًا متزوجًا؟! لكن أبا سيف أكمل كأنه لم يسمعه: أصبحت تعارضني. تغلق باب غرفتك. تأخذ زوجتك وتخرج دون استئذان. حتى راتبك لم تعد تضعه بيدي كما كنت تفعل دائمًا. ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. ثم فهمت أخيرًا. ليس الأمر كرهًا لي فقط. بل خوفًا من أن يفقد سيطرته على ابنه. قال سيف بذهول: فعلت كل هذا… لأنني لم أعد أطيعك؟ نظر إليه أبو سيف مباشرة. ثم قال الجملة التي كسرت شيئًا داخل ابنه للأبد: الرجل الذي تسيطر عليه امرأة… لا يبقى رجلًا. شهقت أخت سيف. أما حماتي فأخفضت رأسها وكأنها سمعت هذه الجملة آلاف المرات من قبل. وفجأة… تكلم الرجل الغريب أخيرًا: والله أنا لا أعرف شيئًا… الرجل أعطاني مالًا فقط… التفت الجميع نحوه. كان يرتجف بشدة. ثم أشار نحو أبي سيف وقال: قال لي فقط اجلس قربها عندما يدخل زوجها… اقترب سيف منه بعنف: من أنت أصلًا؟! ابتلع الرجل ريقه بصعوبة. أعمل في محل قريب من السوق… والدك جاءني قبل يومين… صرخت حماتي فجأة: اخرس! لكن الرجل أكمل بسرعة وكأنه يريد النجاة بنفسه: قال إن زوجة ابنه تخونه… وإنه يريد كشفها أمام العائلة… نظر سيف إلى أبيه مرة أخرى. كانت الصدمة في عينيه مؤلمة لدرجة جعلتني أشفق عليه رغم كل شيء. ثم قال بصوت مكسور: كنت ستدمر حياتي كلها بسبب أوهامك؟ رد أبو سيف بعصبية: ليست أوهامًا! ثم التفت نحوي فجأة. وكانت نظرته مليئة بالكراهية بطريقة جعلت الدم يبرد في عروقي. منذ دخلتِ هذا البيت وأنتِ تفرقين العائلة.
ارتجف صوتي وأنا أجيبه: أنا فقط أردت أن أعيش بسلام. ضحك بسخرية قاسية. السلام؟! المرأة عندما تدخل بيت الرجل يجب أن تعرف حدودها. تدخل سيف أخيرًا: كفى! ساد الصمت. ثم قال وهو ينظر إلى والده: أنت لم تعد تدخل حياتي بعد اليوم. تغير وجه أبي سيف فورًا. ولأول مرة… ظهر الخوف الحقيقي عليه. ماذا قلت؟ قالها سيف بثبات أكبر: انتهى الأمر. بدأت حماتي تبكي بجنون: لا تفعل هذا بأبيك يا سيف! لكن سيف لم يعد يستمع. اقترب مني وساعدني على الجلوس. كانت يداه ترتجفان بقوة. همس بصوت مختنق: لماذا لم تخبريني أنكِ تشعرين بالخطر؟ نظرت إليه طويلًا. ثم قلت بهدوء موجع: لأنك لم تكن لتصدقني. خفض رأسه فورًا. وكأن الجملة طعنته. في تلك اللحظة… شعرت أن شيئًا كبيرًا انكسر داخل هذه العائلة للأبد. لكنني لم أكن أعلم أن الحقيقة الأسوأ لم تظهر بعد… سمعتُ حماتي تبكي بصوتٍ مرتجف وهي تنظر إلى أبي سيف قائلة: كان يريد التخلص منها فقط… حتى يزوّجك ابنة شريكه. ساد الصمت داخل الغرفة. حتى أبو سيف نفسه تجمّد للحظة. أما سيف… فنظر إلى والده وكأنه يراه للمرة الأولى في حياته. قال بصوتٍ مبحوح: ماذا قالت أمي الآن؟ أخفضت حماتي وجهها وهي تبكي: سامحني يا ابني… والله لم أرد أن تصل الأمور إلى هذا الحد. لكن أبا سيف انفجر غاضبًا: اخرسي! ارتجفت فورًا وسكتت. وفي تلك اللحظة فقط… فهمت شيئًا مهمًا جدًا. هذه المرأة لم تكن تسيطر على البيت كما كنت أظن. بل كانت خائفة طوال عمرها. اقترب سيف من والده ببطء. كانت عيناه ممتلئتين بصدمة لم أرها من قبل. هل هذا صحيح؟ لم يجب أبو سيف مباشرة. بل قال ببرود: كنت أفكر بمصلحتك. ضحك سيف بمرارة موجعة. مصلحتي؟! تلفّق لزوجتي فضيحة وتسمّيها مصلحة؟! رد أبو سيف بعصبية: أنت لا تفهم شيئًا عن الدنيا. الزواج ليس حبًا فقط. العائلات الكبيرة تبنى بالمصالح. ثم أكمل بنبرة أكثر حدة: ابنة الحاج فارس أفضل لها ألف مرة. عائلة معروفة. مال. نفوذ. وليست فتاة دخلت بيتنا وغيّرتك علينا. شعرت بشيء ينكسر داخلي. ليس لأنني سمعت الإهانة… بل لأنني أدركت أن هذا الرجل لم يرني يومًا إنسانة أصلًا. كنت مجرد عائق يجب إزالته. قال سيف بصوت مرتجف: وهل كنت ستدمر سمعتي معها من أجل صفقة؟
! رد والده بقسوة: الرجل العاقل يضحي بعلاقة صغيرة من أجل مستقبله. اقترب سيف منه أكثر. ثم قال لأول مرة في حياته: أنت لا تعرف شيئًا عن مستقبلي. ساد الصمت. أما حماتي فكانت تبكي بصوت منخفض وهي تردد: كفى… أرجوكما كفى… لكن أحدًا لم يكن يسمعها. كنت أشعر أن رأسي يدور بقوة. والثقل ما زال يسيطر على جسدي. لاحظ سيف حالتي أخيرًا. ترك والده فورًا واتجه نحوي بسرعة. ريم… هل أنت بخير؟ لم أستطع الإجابة جيدًا. همست فقط: أريد الخروج من هنا… نظر حوله للحظة. ثم قال بحسم: سنخرج الآن. صرخت حماتي بخوف: إلى أين ستذهبان في هذا الوقت؟! لكن سيف لم يرد عليها. أمسك بيدي وساعدني على الوقوف. كنت بالكاد أستطيع المشي. وعندما مررنا قرب أبي سيف… قال الأخير بصوت غاضب: إذا خرجت معها الليلة فلا تعد. توقف سيف. شعرت بيده ترتجف للحظة. كنت أعلم كم يخاف خسارة والده. ففي هذا البيت، كان رضا الأب أهم من أي شيء. حتى من السعادة نفسها. لكن بعد ثوانٍ طويلة… التفت سيف نحوه وقال بهدوء هزّ المكان كله: أنا لا أتركك يا أبي… أنا فقط أرفض أن أظلم زوجتي. كانت تلك أول مرة يقف فيها سيف أمام والده دون خوف. ولأول مرة… لم يجد أبو سيف ما يقوله. خرجنا من البيت أخيرًا. وكان هواء الليل البارد يضرب وجهي كأنني أتنفس للمرة الأولى منذ شهور. طوال الطريق، بقي سيف صامتًا. أما أنا… فكنت أراقب نافذة السيارة وأحاول أن أفهم كيف تحولت حياتي خلال ساعات إلى هذا الخراب. وصلنا إلى شقة صغيرة يملكها سيف قرب الموصل القديمة. شقة كان قد اشتراها منذ سنوات ولم يسكنها. دخلتها ببطء. كانت فارغة تقريبًا… لكنها شعرتني بالأمان أكثر من ذلك البيت الكبير كله. جلست على الأريكة بصمت. أما سيف فبقي واقفًا ينظر إليّ وكأنه يريد قول ألف شيء ولا يعرف كيف يبدأ. ثم قال أخيرًا: لماذا لم تخبريني أنكِ خائفة منهم لهذه الدرجة؟ نظرت إليه طويلًا. ثم ابتسمت بألم: لأنك كنت تحبهم أكثر من أن تصدقني. أخفض رأسه فورًا. وكأن الجملة أصابته في قلبه مباشرة. جلس أمامي ببطء. وقال بصوت مكسور:
كنت أظن أن طاعة أبي هي الشيء الصحيح دائمًا. أجبته بهدوء: برّ الوالدين لا يعني أن نؤذي الناس من أجلهم. رفع عينيه نحوي لأول مرة. وكانت الدموع واضحة فيهما. هل تستطيعين مسامحتي؟ سكتُّ للحظات. ثم قلت: لا أعرف بعد. لم يغضب. ولم يحاول الدفاع عن نفسه. بل هزّ رأسه فقط وكأنه يتقبل الحقيقة أخيرًا. في الأيام التالية، انتشرت القصة داخل العائلة بسرعة. أخت سيف توقفت عن زيارة البيت. وأقاربهم بدأوا ينظرون إلى أبي سيف بطريقة مختلفة. أما الحاج فارس… فجاء بنفسه بعد يومين. رجل وقور تجاوز الستين. وحين فهم ما حدث، غضب بشدة. قال لأبي سيف أمام الجميع: ابنتي ليست جائزة تضعها مكان امرأة أخرى. وعندها فقط… فهمت أن ابنة شريكه لم تكن تعلم شيئًا عن الخطة أصلًا. بل كانت ضحية أخرى لطمع الرجال الكبار. أما حماتي… فبدأت تزورني بعد أسابيع. في البداية كنت أرفض رؤيتها. لكنها أصرت. وحين دخلت شقتنا الصغيرة أول مرة… بدت أضعف بكثير مما أتذكر. جلست بصمت طويل. ثم قالت وهي تبكي: عشت عمري كله أخاف منه… حتى نسيت كيف أقول لا. لم أجبها. لكنني للمرة الأولى… شعرت بالشفقة عليها. أما سيف… فلم يقطع والديه. ولم يهِنْهما. لكنه أيضًا لم يعد ذلك الابن الذي يطيع دون تفكير. صار يزورهما وحده أحيانًا. ويسأل عنهما. ويحاول ألا يقسو عليهما رغم كل شيء. لكنه وضع حدودًا واضحة أخيرًا. حدودًا لم يكن يملكها طوال عمره. بعد أشهر، بدأ بيتنا الصغير يمتلئ بالحياة تدريجيًا. اشتريت نباتات للنافذة. وعلّق سيف مصباحًا قديمًا كنت أحبه. وأصبح صوت القرآن صباحًا يملأ المكان بدل الصراخ والخوف. وفي إحدى الليالي، بينما كنا نشرب الشاي بصمت… قال سيف فجأة:
هل تظنين أن أبي يكرهك فعلًا؟ فكرت قليلًا. ثم قلت: لا. أظنه فقط كان يخاف أن يفقد سيطرته عليك. بقي صامتًا للحظة. ثم ابتسم بحزن: لأول مرة أشعر أنني أعيش حياتي أنا. نظرت إليه طويلًا. كان متعبًا… لكنه بدا أخف من السابق. وكأن الرجل الذي عاش عمره كله تحت ظل والده بدأ أخيرًا يتعلم كيف يقف وحده. أما أنا… فلم أنسَ ما حدث بسهولة. كانت هناك ليالٍ أستيقظ فيها مذعورة كلما سمعت صوت باب يُفتح. وكانت يداي ترتجفان أحيانًا دون سبب. لكن الفرق الوحيد… أنني لم أعد وحدي داخل خوفي. وفي مساء ممطر، زارنا أبو سيف لأول مرة بعد أشهر. وقف عند الباب طويلًا دون كلام. ثم قال بصوت خافت لم أعتد سماعه منه: هل تسمحان لي بالدخول؟ نظر سيف نحوي أولًا. ولأول مرة… تركني أنا أقرر. وبعد صمت طويل… فتحت الباب. ليس لأنني نسيت. ولا لأن ما حدث كان بسيطًا. بل لأن بعض القلوب تتعب من الكراهية أكثر مما تتعب من المسامحة. جلس أبو سيف بصمت تلك الليلة. بدا أكبر سنًا بكثير. ولم يحاول تبرير شيء. فقط شرب الشاي بهدوء وغادر. وعندما أغلق سيف الباب بعد خروجه… قال بهدوء: سأبقى ابنهم… لكنني لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يدير حياتي بدلًا مني. اقتربت من النافذة. وكان المطر ينزل فوق أزقة الموصل القديمة بهدوء. أما داخل بيتنا الصغير… فلم يعد هناك خوف. فقط بداية جديدة… متأخرة قليلًا، لكنها حقيقية.
مايو 22, 2026
حمل مراتي حكايات زهرة حصري




