
4
سلفتى خدمتنى لزهرة
كان بيرتعش
يا ابني، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا مشيت من الدنيا. عايزاك تخلي بالك من مرام وعيال أخوك، لأنها ست أصيلة، عمرها ما طلبت مننا حاجة لنفسها، وكل اللي كانت بتتمناه إن عيالها يكبروا مرفوعي الراس. أنا عارفة إن مراتك مش بتحبها، وعارفة إنها بتتعبها في الشغل، بس ما كنتش عايزة أتدخل وأكبر المشاكل بينكم. لو في يوم مرام اضطرت تمشي من بيتك، افتكر إنك مسؤول عن عيال أخوك، وإن المعروف الحقيقي بيتعمل من غير إهانة ولا منّة.
لما جوزي خلص قراءة الورقة، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أول مرة أفهم إن حماتي كانت شايفة كل حاجة، وإن مرام كانت بتتحمل إهانتي عشان خاطر العيلة، مش عشان ضعيفة ولا مکسورة.
جوزي قام ولبس هدومه، ولما سألته رايح فين، قال لي رايح أرجع حق مرام، وأعتذر لها عن كل لحظة سكت فيها على اللي حصل.
جريت وراه وقلت استنى، وأنا هاجي معاك!
بص لي وقال تيجي تعملي إيه؟! عشان تكملي عليها؟!
نزلت راسي، ولأول مرة ما لقيتش رد أدافع بيه عن نفسي.
رحت معاه فعلًا، ولما وصلنا شقة مرام، لقيناها قاعدة على الأرض وسط عيالها، بتحاول تصلح لعبة مکسورة لابنها الصغير، وقدامها طبق فيه شوية عيش وجبنة.
أول ما شافتنا، قامت بسرعة ومسحت إيديها في هدومها وقالت خير يا أخويا؟ في حاجة؟
جوزي قرب منها واعتذر لها، وحكى لها عن الورق، وإنه عرف الحقيقة كلها.
مرام ابتسمت بحزن وقالت أنا ما كنتش بخبي عليكم حاجة، بس كنت خاېفة لو الفلوس ظهرت، الناس تفتكر إني مش محتاجة حد، وتبعد عن ولادي. أنا مش عايزة فلوس وبس، أنا عايزة عيالي يحسوا إن ليهم عيلة، وإن أبوهم ما ماتش وسابهم لوحدهم.
ما قدرتش أستحمل كلامها، ووقفت قدامها وقلت بصوت مبحوح سامحيني يا مرام… أنا ظلمتك، وكنت بغير منك لدرجة إني نسيت إنك إنسانة زيي، وإنك أم بتحاول تحمي ولادها. أنا كنت فاكرة إني لما أذلك أبقى انتصرت عليكي، لكن الحقيقة إني كنت بصغر نفسي كل يوم.
مرام فضلت باصة لي شوية، وبعدها قالت أنا مسامحاكي، بس نفسي تعرفي إن كرامة الإنسان مش حاجة نقدر ناخدها منه لمجرد إنه محتاج. أنا كنت محتاجة شغل، لكن عمري ما كنت محتاجة إهانة.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني، وحسيت إني أصغر واحدة في الأوضة كلها.
من اليوم ده، جوزي اتفق مع مرام إنها ما تشتغلش عندنا تاني، وإنه هيساعد ولاد أخوه في تعليمهم واحتياجاتهم من غير ما يحسسهم إنهم عبء على حد. وأنا كمان بدأت أزورهم وأساعدهم، لكن المرة دي من غير ما أستنى شكر ولا أعايرهم بأي حاجة.
ومع الوقت، علاقتي بمرام اتغيرت، وبقيت أشوف فيها مش الست اللي الناس بتقارنني بيها، لكن الست اللي قدرت تحافظ على كرامتها وهي في أصعب ظروف حياتها.
أما أنا، ففضلت أفتكر اليوم اللي كنت قاعدة فيه حاطة رجل على رجل، وبأمرها تمسح الأرض عند رجلي، وأقول لنفسي يا ترى كنت مستنية إيه من الدنيا غير إنها تدور عليا بنفس الطريقة؟!
اتعلمت متأخر إن اللي بنهينه النهارده ممكن يكون هو نفسه اللي نتمنى رضاه بكرة، وإن الفقر مش عيب، لكن العيب إننا نستغل احتياج الناس عشان نحسسهم إنهم أقل مننا.
ومن يومها، كل ما أشوف حد محتاج، بفتكر مرام، وبفتكر إن ربنا ممكن يختبرنا بالنعمة قبل ما يختبرنا بالحرمان، وإن أصعب عقاپ للإنسان مش إنه يخسر فلوسه، لكن إنه يشوف نفسه على حقيقتها بعد فوات الأوان.




