روايات وقصص

مرات أبويا

المصمم اللي كان موجود في حفلة التخرج شاف شغل أخويا، وعرض عليه يتدرب في مشغله خلال الإجازة، مقابل إنه يكمل تعليمه.

أخويا وافق، وبدأ يطور موهبته خطوة بخطوة.

وبعد سنة، صمم مجموعة صغيرة من الملابس باستخدام الأقمشة القديمة وإعادة تدويرها، وشارك بيها في معرض طلابي، وحصل على جائزة تشجيعية.

يومها، رجع البيت وجري عليّا وهو شايل الشهادة.

قال لي

شايفة يا أختي؟ الفستان اللي كانوا بيضحكوا عليه كان أول خطوة في طريقي!

ابتسمت وأنا بعيط، وقلتله

ماما كانت هتبقى فخورة بيك أوي.

أما مرات أبويا، فاعتذرت لنا بعد ما انتهت الإجراءات، وقالت إنها كانت أنانية وخافت تواجه الحقيقة، وإنها ظلمتنا لما منعتنا من حقنا.

أنا قبلت اعتذارها، لكن ده مش معناه إني نسيت اللي حصل، ولا رجعت أثق فيها زي الأول.

العلاقة بيننا اتغيرت، وبقينا بنتعامل بحدود واضحة، وأي أمور مالية تخصنا بقت تحت إشراف قانوني يضمن إن حقنا محفوظ.

واتعلمت إن التسامح مش معناه إنك تسمح لحد يكرر أذاه ليك، وإنك ممكن تسامح شخص من غير ما ترجع تفتح له كل الأبواب اللي قفلها بنفسه.

وفي يوم تخرجي، رجعت البيت وطلعت الفستان من الدولاب.

كان لسه محتفظ بريحة القماش القديم، والغرز اللي أخويا عملها بإيده كانت واضحة في أماكن معينة.

وقفت قدام المراية، ولمست طرف الفستان، وافتكرت اللحظة اللي دخلت فيها القاعة والناس ضحكت عليّا.

وقتها كنت فاكرة إن الفستان هيخليني أبان فقيرة قدام الناس.

لكن اكتشفت إن الفستان ده كان أغلى حاجة لبستها في حياتي، لأنه اتعمل من إيد أخويا، ومن ذكريات ماما، ومن حب محدش قدر ياخده مننا.

أخويا دخل الأوضة، وشافني واقفة قدام المراية.

سألني

لسه زعلانة من اللي حصل يوم الحفلة؟

بصيت له وابتسمت.

قلتله

لأ. أنا بس كنت بتمنى ماما تكون موجودة وتشوفك وإنت بتكبر وبتحقق حلمك.

سكت لحظة، وبعدها قال

يمكن هي مش موجودة قدامنا، بس كل غرزة في الفستان ده بتفكرني بيها.

وقتها فهمت إن ماما سابت لنا أكتر من الفلوس اللي تعبت في جمعها.

سابت لنا ذكريات، وقوة، ودرس عمرنا ما هننساه.

إن قيمة الإنسان مش في لبسه، ولا في فلوسه، ولا في نظرة الناس ليه… قيمته في قلبه، وفي وقفته جنب اللي بيحبهم وقت الشدة.

ومرات أبويا اللي كانت بتضحك على فستان الجينز، اكتشفت إن الفستان اللي استهانت بيه كان السبب في ظهور الحقيقة، وإن الولد اللي كانت شايفاه مجرد طفل صغير، كان عنده موهبة وشجاعة أكبر من كل توقعاتها.

أما أنا، فاحتفظت بالفستان لسنين طويلة، ووعدت نفسي إني في يوم من الأيام، لما أخويا يفتح مشغله الخاص، هعلّقه في أول مكان يشوفه كل اللي يدخلوا.

مش عشان أحكي لهم عن الفلوس اللي ضاعت ورجعت، لكن عشان أحكي لهم عن ولد عنده 15 سنة، قرر إنه مش هيقدر يعوض أخته عن

فقدان أمها، لكنه يقدر يخليها تحس إن حبها لسه عايش.

ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أغلى فستان لبسته في حياتي، بقول له مش الفستان اللي اشتريته بأغلى تمن… ده الفستان اللي أخويا خاطهولي من هدوم أمي، وخيط جواه ذكرى عمرها ما هتموت.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى