روايات وقصص

ابويا سباك

خطيبى مابيجيش عندنا البيت كتير ولما بيجيى مش بيرضى ياكل او يشرب حاجه عندنا وداينا يتحجج ويقعد مده صغيره ويمشى بابا وقتها قال سيبوه براحته يمكن ده طبعه عدت الايام وبدأت التجهيزات واحنا كان علينا الاجهزه وقتها بابا نزل معانا عشان نجيبها نزلتا انا وماما وبابا وخطيبى وامه ومرات اخوه المهم بابا شاف تلاجه عجبته فبوريها لخطيبى بيقوله ايه رايك

 

مقالات ذات صلة

 

يقوم خطيبي قايل لبابا قدام مرات اخويا وامه معاه وقدامنا

ـ حلوه التلاجه على ادك ياعمي معرفش ان شغل السباكه مبيدخلش فلوس حلوه انا كنت فاكر إن ذوقك اعلى من كده

وقفت اتصدمت من كلمه خطيبى بابا مبقاش عارف يرد يقول ايه

بابا لسه واقف مذهول والكلمة بتلف في دماغه، وخطيبى بدل ما يحس على دمه أو يلم الموضوع لما لقى الهدوء اللي بابا اتكلم بيه، اتبجح زيادة، ووشه اتقلب وبان على حقيقته المقرفة.

بص لبابا بكل تجبر عين قويه وقال بصوت عالي سَمّع المحل كله:

ـ “بقولك إيه يا عمي.. متعيش الدور أوي وتكلمني عن الأصول! أنا أصلاً مستحمل ومعديها ومشيها إن خطيبتي يبقى أبوها سباك! أنت فاكرني باجي عندكم وأقعد ربع ساعة وأمشي من قليل؟ أنا مبرضاش أحط لقمة في بقي ولا أشرب بق مية عندكم عشان بقرف! الله أعلم إيدك دي بتمسك إيه طول النهار في الشغلانة دي وبتيجوا تعملوا بيها الأكل والشرب.. وفي الآخر جايبلي تلاجة بالمنظر ده وعايزني أقولك حلوة؟!

الكلمات نزلت زي السكاكين تقطع فينا.. المحل كله سكت، والناس والبياعين بدأوا يلتفتوا ويبصوا علينا. حماتي واقفة تظبط طرحتها ببرود، ومرات أخوه حاطة إيدها على بوقها وبتداري ضحكتها.

بابا حسيت إنه صغر في مكانه، الكسرة اللي في عينيه هدتني، راجل طول بعرض شقيان وتعبان، يتقال له “بقرف منك” ومن مين؟ من عيل لسه مبيقولش يا هادي في حياته!

ماما مأستنتش، صرخت فيه بقلب أم محروق: “يقرفك برص لما يلمك يا قليل الأدب! إيد جوزي اللي مش عاجباك دي هي اللي كبرت ست البنات اللي كنت هتموت وتطولها! الشغل مش عيب، العيب على اللي أهله معرفوش يربوه ولا يعرفوه مقام الرجال!”

أنا في اللحظة دي فقت من صدمتي، وبصيت له وأنا كلي قرف فعلاً، بس قرف من رخاصته وسواد قلبه. قربت منه وبكل برود سالته

ـ ولما هو مش عاجبك بابا من الاول جيت اتقدملتى ليه ؟؟

رد عليها بكل بجاحة وعينه قوية، ولا كأن أمه ومرات أخوه واقفين، وبصوت مليان استعلاء وغرور قال:

ـ لما جيت كنت باصص لشهادتك ووظيفتك ومرتبك العالي قولت هتساعدنى وتشيل معايا، وكنت بقول لنفسي أهو قرشك على قرشي ونعيش في مستوى كويس! وبعدين متبقيش مغفلة.. كل الناس عارفة إن السباكين الأيام دي بيكسبوا دهب وبيكسبوا فلوس بالآلاف في اليوم، قولت الراجل ده تلاقيه مكنز ومحوش وهيجيب لبنته أغلى وأحدث حاجة في السوق ويشيل معايا فى التجهيزات وأكتر! إنما تفاجئني في الآخر بالمنظر ده وجايب تلاجة على ما تفرج ؟ يعني لا نسب يشرّف، اجهزه تفتح النفس، ولا حتى فلوس ؟

الكلمات دي كانت رصاصة الرحمة اللى نهت كل حاجة جوايا ناحيته. المحل كله كان واقف بيتفرج علينا والبياعين مذهولين من كمية الخسة والندالة اللي طالعة من بقه. بصيت لأمه لقيتها لفت وشها الناحية التانية وبترتب شنطتها وكأن الكلام مش عاجبها بس عاجبها ابنها، ومرات أخوه بتبتسم بسمة صفرا كلها شماتة وفرحة في كسرتنا.

في اللحظة دي، بابا رفع رأسه، والكسرة اللي كانت في عينيه من شوية اتحولت لعزة نفس وشموخ يهد جبال. بص لخطيبي من فوق لتحت بكل قرف، وقرب منه خطوتين وبصوت جهوري هز أركان المحل كله قال:

ـ “خلصت وطلعت كل اللي في بطنك يا ابن الأصول؟ الحمد لله إن حقيقتك بانت وربنا كشفك قبل ما رجلك تدخل في بيتي. بنتي موظفة ومرتبها عالي وشغلها نضيف عشان أنا شقيت وعرقت بالقمة الحلال وعلمتها وبنيتها، مش عشان يجي واحد زيك يعيش عالة على قفاها ويستغل شقاها! وفلوسي اللي بتقول عليها مكنزها ، دي فلوس عزيزة متدخلش بيت ناس رخيصة زيك، والسباكة اللي بتقرف منها دي هي اللي عملت لقمة حلال مفيهاش قرش حرام.. يلا يا بني بالسلامة، إحنا مابنشتريش رجالة بالفلوس، وإنت أصلاً متساويش في سوق الرجال ملّيم

ماما مسكت إيدي وقالتلي وعينيها بتطق شرار: “ارمي الدبلة دي في وشه يا بنتي، ضفر ابوكى برقبه عشره زيه

رميت الدبلة تحت رجليه، وبصيت له وعيني ثابتة في عينه بكل قوة، الصدمة خلاص اتحولت لجبروت وعزة نفس. قولتله بصوت عالي وثابت سَمّع كل اللي واقفين:

ـ “أنت مش راجل! الراجل بجد مابستناش ست تجهزه هي وأهلها ويحسبها بالورقة والقلم هي معاها كام وأبوها هيكنزله كام! الراجل مبيعيشش عالة على شقى غيره.. وكويس جداً وفضل ونعمة من ربنا إنك ظهرت على حقيقتك الزبالة دي دلوقتي وقبل ما يتأفل علينا باب واحد!”

شاورت بإيدي على بابا وأنا كلي فخر، ودموعي نازلة بس دموع قوة مش كسرة، وتابعت:

ـ بص للراجل ده كويس واعرف شكل الرجالة اللي بجد! أبويا ده راجل يتشال فوق الراس، شقي وتعب وطلع عينه عشان يصرف على بيته ومراته وعياله من غير ما يستنى مساعدة ولا مليم من حد، ولا عمره بص للي في إيد غيره. أبويا علمنا وكبرنا بقرشه الحلال اللي أنت بتقرف منه، وهو برقبتك وبرقبة بلد من الأشكال اللي زيك.. يالّا يا بابا بينا، المكان ده نِجس ومينفعش نقف فيه ثانية واحدة زيادة!”

أمه أول ما سمعت كلامي ولقيت الناس في المحل بدأت تبرطم وتتكلم عليهم وعلى خيبتهم، وشها جاب ألوان وحبت تعمل قيمة لنفسها، وزقت ابنها وقالتله بلؤم: “يلا يا واد سيبك منهم، ناس متعرفش الأصول ولا الشياكة، بكرا نجيبلك ست ستها وأبوها وزير!”

مرات أخوه وطت على الأرض أخدت الدبلة وهي بتبتسم بخبث وبتقول: “يلا يا حبيبي خسارة فيهم، أهو كفاية إننا كشفناهم!

خطيبى كان واقف وشه أحمر دم من كتر الغيظ، الكلمات جرحت رجولته المزيفة قدام البياعين والزبائن اللي بقوا يبصوا له باحتقار وبيتوشوشوا عليه. حاول يتكلم ويجر شكل تاني، بس بابا مسكني من إيدي وماما من الإيد التانية، ومشينا بكل شموخ وعزة نفس، وسبناهم واقفين في نص المحل زي الفراخ المبلولة والكل بياكل في وشهم.

إحنا ورايحين نركب عشان نرجع البيت، بابا طبطب على كتفي وقاللي كلمة ريحت قلبي وطمنتني..

ركبنا التاكسي وطول الطريق مفيش صوت طالع غير تنهيدات بابا وماما المخنوقة. أول ما وصلنا البيت وقفلنا بابنا علينا، الجو كان هادي وثقيل. بابا قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، وماما راحت المطبخ تجيب له كوباية مية وهي بتدعي وتتحسبن على اللي ميتسمّاش وأهله.

قربت من بابا، قعدت على الأرض تحت رجليه ومسكت إيده اللي كلها شقى وتعب، وبستها. بابا رفع راسه وبص في عيني، ولقيت في عينيه نظرة حنينة أوي، طبطب على كتفي وقال بصوت كله رضا:

ـ “متبكيش يا بنتي ولا تزعلي.. أنا مش زعلان عشان الكلمتين اللي قالهم، أنا أحمد ربنا إنه كشفهولنا على حقيقة وساخته دي قبل ما يتقفل عليكِ باب معاه وتتبهدلي. يا بنتي، اللي ميرضاش ياكل من بيتنا ويقرف من لقمة شقانا، ميتؤمنش على عرضنا ولا يستاهل ضحكتك. إنتِ غالية، وشقايا ده كان عشان تبقي ست البنات وتتجوزي راجل بجد يصونك، مش عيل مستنيكي تصرفي عليه.”

دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي كانت دموع راحة، وحسيت إن جبل كان منزاح من على صدري. ماما خرجت بالمية وقعدت جنبه وقالت:

ـ “والله يا أبو البنات، كلام بنتك في المحل ورميها للدبلة في وشه رد اعتبارنا وغسل نفوخنا كلنا. ده وشه كان جايب ألوان والناس كلها بقت تبص له باحتقار.”

بابا ابتسم ابتسامة خفيفة، وبصلي وقال: “عفا الله عما سلف.. الصفحة دي اتقفلت ورميناها في الزبالة ومستحيل تتفتح تاني. من بكرة تشوفي حياتك وشغلك، والراجل اللي يستاهلك بجد هيجي لحد باب بيتنا ويبوس إيدك وإيد أبوكِ السباك الشقيان.”

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى