روايات وقصص

زوج امى لرولا

“جوز أمي هو اللي مربيني من بعد ما أمي ماتت وأنا عندي 4 سنين.. وقبل ما يموت بساعات، مسك إيدي وهمسلي: «أنا كدبت عليكِ طول حياتك!»” — “كان دايماً بيقطع الفطير على شكل نجوم،” قلتها للممرضة وهي بتعدل الغطا الأبيض على رجلين عم عصام، وبتحرك الخراطيم بالراحة من تحت جلابية المستشفى.

 

مقالات ذات صلة

— “حتى وأنا عندي 35 سنة، ومتجوزة وبجيب بنتي معايا نفطر عنده، كان برضه يطلع القطاعة الصاج الصغيره الغريبة دي ويقطع بيها الفطير.”

عم عصام فتح عينيه. كان مأنتخ طول بعد الظهر وقافل عينيه، ونَفَسه طالع نازل ببطء ومش منتظم، بس المرة دي نظرة عينيه ثبتت عليا بالظبط.

لحظة كده، استنيت ألمح ابتسامته العوجة المعتادة.. بس بدالها، لقيت الدموع بتجمع في عينيه.

قربت من السرير:

— “بابا؟ أنت موجوع؟”

شفتاه اتحركوا عشان ينطق كلمة، بس مفيش صوت طلع. هز رأسه بـ “لأ”. الممرضة بصت للشاشة وبعدين قطعت الصمت ولمست كتفي بالراحة: “هسيبكم مع بعض شوية.”

أول ما خرجت، مسكت الفوطة المبلولة من على الترابيزة جنب السرير وحطيتها على أورته بالراحة.

— “على فكرة، الفطير دا ماكانش حلو أوي يعني،” قلتها وأنا بحاول أرجعه للمواقف القديمة وعايزة أخليه يبتسم، “كان دايماً بيتحرق من أطراف النجمة.”

طلع منه نفس دافي، شبه الضحكة المكتومة:

— “بس كنتِ بتاكليه برضه..”

— “أكيد كنت باكله! كنت بخاف أشتكي فتقوم تعملي بليلة باللبن بداله!”

عم عصام اتجوز أمي وأنا عندي أربع سنين. في الأول، كنت رافضة أنطق اسمه أو أقوله أي حاجة. لا “عصام” ولا “بابا” ولا أي كلمة. لو سألني عايزة أكل، أشاور بإيدي على العيش. لو عرض يقرالي حدوتة قبل النوم، أستخبى تحت البطانية.

أبويا الحقيقي اختفى قبل ما أكبر وأعرفه، وحتى وأنا عندي 4 سنين، كنت اتعلمت خلاص إني مأمنش لأي راجل يدخل البيت بشنطة هدومه.

بس عم عصام عمره ما فرض نفسه عليا.

عرف إني بحب مربى المشمش مفرودة لحد أطراف العيش بالظبط. وفي ليالي المطر والرعد، كان بيقعد على الكرسي في الطرقة برة أوضتي عشان ماكنتش برضى أدخله الأوضة. وكل يوم جمعة الصبح، كان يعمل الفطير بالسكر ويقطعه بالقطاعة الصاج على شكل نجوم.

في يوم جمعة الصبح، بعد حوالي 3 شهور من جوازه من أمي، دخلت المطبخ وبدون أخذ بالي قلت له: “بابا”.

عم عصام وقع المعلقة من إيده. محدش فينا جاب سيرة للثاني على اللي حصل، بس يومها حط لي في طبقي أكتر فطيرة أطرافها مش محروقة.

بعدها بـ 5 شهور، أمي اتوفت.

نزيف في المخ أخدها فجأة، لدرجة إن آخر ذكرى ليا معاها كانت خناقة صغيرة على إني ما شلتش جزمتي من الطرقة.

البيت اتملى قرايب. كانوا بيتكلموا بوشوشة في الطرقات، ويبصوا لعم عصام كل ما يفتكروا إني مش واخدة بالي:

— “دا مش أبوها الحقيقي..”

— “خالتها ممكن تاخدها تربيها..”

— “هو أكيد هيحب يبدأ حياته من جديد..”

ليلة العزا، اتكومت تحت ترابيزة المطبخ وضمت ركبتي لصدري. عم عصام لقاني هناك قبل الفجر بشوية. من غير ما يسألني بتستخباي ليه، قعد على الأرض جنبي تحت الترابيزة.

— ” أنت ماشي وتسيبني؟” همست له.

وشه اتغير كأنه اتضرب بالقلم: “لأ.”

— “كل الناس بتمشي وبتسيبني.”

— “أنا مش همشي.”

— “بتوعدني؟”

عم عصام مد إيده تحت الترابيزة وطلع صباعه الصغير: “بوعدك.”

وفضل قد الوعد دا.

بعد سنين، عم عصام كان الراجل اللي مسك إيدي ومشي بيا في زفتي وسلمني لجوزي. ولما بنتي اتولدت وفي سبوعها، كان واقف جنبي وشايلها بإيديه بالراحة كأنه خايف تقع مني مع إني كان عندي 32 سنة.

كل ما كنت بسأله عن حياته قبل ما يتعرف على أمي، كان جوابه دايماً واحد:

“الحاجة الوحيدة المهمة في حياتي بدأت لما ظهرتِ إنتي يا حبيبتي.”

كنت دايماً بفهم كلامه دا على إنه حب صريح.. عمر ما جه في بالي إن الكلام دا كان بيخبّي وراه سر كبير.

صحة عم عصام بدأت تتدهور بسرعة بعد ما عدى الـ 78.

في الأول كان بيهمد بسرعة، بعدين بدأ يخس، وبعدها دخلنا في دوامة التحاليل والأشعة والدكاترة اللي بيتكلموا بحذر لما يبقوا عارفين النتيجة المسبقة.

في أخر أسبوع ليه، كنت بنام على الكرسي الجلد جنب سريره في المستشفى. أي تغيير في صوت نَفَسه كان بيصحيني. حفظت كل صوت بتطلعه الأجهزة اللي حواليه.

في أخر ليلة، الدكتور طلبني برة الأوضة: “يا رانيا.. هي مسألة ساعات مش أكثر.”

هزيت رأسي لأني كنت عارفة إني لو اتكلمت هعيط وانهار.

لما رجعت الأوضة، عم عصام كان باين عليه نايم. قعدت على الكرسي وحطيت إيدي تحت إيده.

وفجأة من غير مقدمات، صوابعه اتشدت على معصمي! بجامد!

— “اوعديني تسمعيني للأخر قبل ما تكرهيني..”

اتسمرت مكانتي: “أنا عمر ما أقدر أكرهك يا بابا!”

إيده كانت تلج في إيدي:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى