
— “أنا كدبت عليكِ طول حياتك.. كل حاجة مصدقاها عن طفولتك، وعن أنا أبقى مين بالظبط.. مش كاملة!”
ضربات قلبي زادت: “بابا أنت بتقول إيه؟”
-
أمي و خطيبيمنذ ساعة واحدة
-
كان كل يوممنذ يومين
-
بنت عندها 7سنين حكايات زيزيمنذ يومين
-
غريب زار قبر زوجتيمنذ 4 أيام
— “أنا محتاجك تعرفي الحقيقة قبل ما أموت، مع إنهم اتترجوني آخد السر دا معايا للتربة!”
الأسئلة كانت بتطاردني في دماغي أسرع من إني أقدر أستوعبها:
هل أبويا الحقيقي لسه عايش؟ هل كان بيخبّي عني جوابات؟ هل كان عنده عيلة ثانية؟ هل في فصل كامل من حياته أنا معرفش عنه حاجة؟
بصوابع بتترعش، عم عصام مد إيده تحت البطانية وطلع ورقة مكسرة ومطوية، وزقها في إيدي:
— “روحي العنوان دا.. دلوقتي!”
— “مش هقدر أسيبك وأمشي!”
— “لازم تروحي..” الدموع نزلت من عينيه وتاهت في دقنه الشايبة، “عشان خاطري يا رانيا..”
بقاله سنين مناهانيش بـ “رانيا” بالنبرة دي من وأنا صغيرة.
قربت منه أكتر: “قولي أنت طيب!”
غمض عينيه وقال: “في حقايق لازم تسمعيها بصوت تاني.”
وكانت دي آخر كلمات ينطق بيها في حياته.
الجهاز بدأ يصدر صوت وشهيق، الممرضة دخلت بسرعة وظبطت الأكسجين وبصتلي: “لسه عايش بس ممكن ما يصحاش تاني.”
جرّيت على الطرقة وفتحت الورقة. خط عصام المترعش كان كاتب عنوان في “مصر القديمة”.. مكان يبعد أقل من ثلث ساعة عن البيت اللي مربيني فيه.
للحظة فكرت أرمي الورقة. إيه اللي ممكن يكون في العنوان دا أهم من راجل بيموت ورايا في الأوضة؟
بس افتكرت نظرة عينيه.. ما كانتش خائف من الموت، كان خايف إني أموت ومن غير ما أفهمه.
سقت عربيتي في شوارع فاضية وأنا ماسكة الدريكسون بإيدين بتتراعد. وفي السكة، تخيلت كل أنواع الخيانة: زوجة سرية؟ حد مستنيني يقولي إن عصام ماكانش عايزني أصلاً؟
وصلت قدام بيت قديم في مصر القديمة. خبطت على الباب، فتحتلي ست كبيرة في السن، شعرها أبيض وعينيها ملونة، وأول ما شافت وشي حطت إيدها على بقها وبرقت كأنها شافت حد راجع من الموت!
— “رانيا..” همست بيها.
شهقت لدرجة إنها رجعت خطوة لورا: “حضرتك مين؟”
— “أنا اسمي ماجدة.”
— “تعرفيني منين؟”
بصت للشارع الضلمة ورايا وقالت: “عصام اتصل بيا الشهر اللي فات.. كان بالعافية قادر يتكلم، وقال لي إنك ممكن تيجي في يوم من الأيام.”
— “ممكن؟”
— “كان بيتمنى يجيله الشجاعة إنه يبعتك.. ادخلي يا بنتي.”
كل حاجة فيا كانت بتقولي ارجعي المستشفى فوراً، بس رجلي مشيت ودخلت.
— “قوليلي عصام كدب عليا في إيه؟”
ماجدة ما ردتش فوراً. مشيت ناحية المطبخ وفتحت درج جنب البوتاجاز. كان فيه قطاعات كحك وفطير صاج قديمة.. قلوب، ورد، وحيوانات، ونجمة صغيرة.
نَفَسي اتجمع في زوري! كانت نفس النجمة الصاج اللي عم عصام بيعملي بيها الفطير طول طفولتي!
— “جبتي دي منين؟”
ماجدة مسكتها بالراحة: “دي كانت بتاعة عصام.”
— “لأ، بتاعته عندي في البيت!”
— “كان عنده اثنين يا حبيبتي..”
تحت القطاعات، كان فيه صورة قديمة. ماجدة طلعتها وإدتهالي.
بنت صغيرة واقفة جنب ترابيزة مطبخ، بتضحك وفاتحة بقها قدام طبق مليان فطير على شكل نجوم. كان عندها حوالي 5 سنين. وراها كان واقف عم عصام.. أصغر، أرفع، وبيضحك بفرحة عمر ما شفتها في أي صورة ليه قبل كده!
— “مين دي؟”
صوت ماجدة اترعش: “كان اسمها مريم.”
الأوضة كلها بدأت تضيق عليا: “عصام كان متجوز قبل ما يتعرف على أمك، ومريم كانت بنته.”
إيدي اتشدت على أطراف الصورة: “وهي فين دلوقتي؟”
ماجدة نَزّلت عينينها للأرض: “اتوفت وهي عندها 5 سنين.. حادثة غرق في الترعة زمان. حصلت بسرعة وعصام فضل يلوم نفسه مع إن ماكانش بإيده حاجة يعملها.”
اتحدفت على الكرسي لأن رجلي ما بقيتش شايالني: “ليه ما قاليش؟”
— “بعد ما مريم ماتت، جوازته الأولى اتهدت واتطلقوا،” ماجدة قالت. “عصام قطع علاقته بالناس كلها، حتى أنا – وكنت أقرب أصحابه – ما بقاش يرد عليا. شال كل الصور واللعب وكل حاجة تفكره بإنه كان أب في يوم من الأيام.”
بصيت للنجمة الصاج تاني: “والفطير..”
— “كان بيعمله لمريم.”
ماجدة قعدت قدامي: “وبعدين في يوم الصبح، بعد ما اتجوز أمك، طلعتِ قعدتِ في حضنه ونمتِ على صدره. ولما صحيتِ، سألتيه لو بيعرف يعمل فطير على شكل نجوم.”
— “أنا مش فاكرة دا خالص..”
— “كنتِ عندك أربع سنين.. اتصل بيا بعد الظهر دا وكان بيعيط بطريقة هيستيرية مش قادر يتكلم، قال لي إنه عمل الفطير، وإنه نطق اسم مريم بصوت عالٍ لأول مرة من سنين وما انهارش.”
مسكت حرف الترابيزة بجامد.








