
— “هو ما إداكيش حاجة بتاعة بنته يا رانيا.. إنتي اللي إديتيه طريقة يفتكر بيها بنته من غير ما الذكرى دي تموته.”
دموعي شوشت المطبخ قدامي: “طب وإيه الكدبة؟”
-
أمي و خطيبيمنذ ساعتين
-
كان كل يوممنذ يومين
-
بنت عندها 7سنين حكايات زيزيمنذ يومين
-
غريب زار قبر زوجتيمنذ 4 أيام
ماجدة بصت للشباك: “بعد ما أمك ماتت.. عصام جهز شنطه وركّبها في عربيته النقل.”
بطني كركبت: “كان ناوي يمشي ويسيبني؟”
— “جه هنا ليلة العزا.. قال لي خالتك هي اللي تربيكي، وقال لي إن بقائه معاكي هيبقى أنانية منه.”
— “أنانية؟”
— “كان مرعوب!” صوت ماجدة اتكسر: “قال لي: كل ما رانيا تضحك، بكون سامع صوت مريم! كل ما تجري ناحية الشارع، نَفَسي بيقف! أنا مش هقدر أستحمل أدفن بنت ثانية!”
وجع شديد عصر صدري: “هو وعدني إنه مش هيمشي ويسيبني!”
— “هو الوعد دا قطعه بعد ما جه هنا يا حبيبتي،” ماجدة همست. “قعد في المطبخ دا لحد الفجر، كان بيقول إنه مش قوى كفاية عشان يحب طفلة ثانية.”
— “وحضرتك قلتِ له إيه؟”
— “قلت له ما تمشيش عشان خايف تحبها.. ارجع واقعد عشان أنت بتحبها فعلاً خلاص.”
طلع مني صوت مخنوق.. مش عياط، حاجة أعمق وأوجع.
— “رجع البيت الصبح دا،” ماجدة كملت، “نَزّل الشنط من العربية قبل ما تصحي، وشكر خالتك إنها كانت معاكي، وبعدين دخل استخبى تحت ترابيزة المطبخ ووعدك إنه عمره ما هيمشي ويسيبك.”
غطيت وشي بإيدي الإثنين.
الوعد دا هو اللي شكل كل حاجة آمنت بيها في طفولتي. طول حياتي كنت فاكرة إن عصام وعدني الوعد دا وهو مطمن وبدون تردد، فاكرة إنه قعد عشان أنا اللي كنت محتاجاه.
— “هو كان هيسيبني..” قلتها بنَفَس مقطوع.
— “أيوه.. بس رجع لك.”
— “ليه خَبّى؟”
— “عشان عمره ما كان عايزك تحسي إنك مسؤولة عن إنك تبقيه عايش. كان عارف يعني إيه طفل يشيل هموم وحزن كبار، ورفض يشيلك الحمل دا.”
افتكرت كل مرة عم عصام كان بيقولي فيها: “إنتي إديتيني سبب أعيش عشانه يا رانيا.”
كنت فاكراها مجرد كلمة حلوة بيقولها أي أب.. دلوقتي بس فهمت إنه كان يقصد كل حرف فيها بالحرف الواحد.
— “هو سابني أفتكر إنه أنقذني..”
ماجدة مسكت إيدي بجامد ابتسمت من وسط دموعها: “هو فعلاً أنقذِك.. وإنتي أنقذتيه كمان.”
رجعت أطير بالعربية ناحية المستشفى، وصورة مريم على الكرسي اللي جنبي. كل إشارة مرور كانت تحسسني بالوقت بيمر بطئ قاتل. كنت محتاجة عصام يعرف إني فهمت.. محتاجة أقوله إن الحقيقة دي ما نقصتش من حبي ليه، بالعكس دي عرفتني تمن الحب دا كان كام.
جريت في الطرقة ناحية أوضته. الممرضة كانت واقفة برة، وملامح وشها وقفتني قبل ما تتكلم: “أنا آسفة يا فندم.. والدك..”
عديتها ودخلت.
عم عصام كان نايم في نفس المكان، بس الأوضة كانت ساكتة تماماً. مفيش صوت أكسجين، مفيش نَفَس مكتوم، مفيش أجهزة بتحسب الوقت المتبقي.
أخدت إيده وحطيتها على خدي: “كان لازم تقولي..” همست ودموعي نازلة على صوابعه الساقعة، “كان لازم تسيبني أشكرك يا بابا..”
الممرضة حطت كيس بلاستيك صغير جنبي بالراحة: “دي المتعلقات الشخصية بتاعته.”
جوة الكيس كان فيه مفاتيحه، ساعته، ومحفظته الجلد البنية القديمة اللي شفته شايلها طول عمري.
فتحت المحفظة.
ورا رخصة القيادة، كانت فيه صورة قديمة دايبة من كثر المسك.. مريم واقفة جنب ترابيزة المطبخ مع طبق الفطير النجوم.
وورا الصورة دي، كانت فيه صورة ثانية.. أنا وأنا عندي خمس سنين، بضحك وبوري الكاميرا فطيرة عوجة ومحروقة من طرف واحد.
المحفظة ماكانش مكتوب على ضهر الصور أي كلام.
عم عصام كان شايل بنتيه معاه في جيبه كل يوم.. عمره ما حاول يستبدل مريم بيا، وعمره ما حبني لأنه نسيها.. هو اختار يحبني وهو فاكر بالظبط الوجع اللي ممكن يعمله فقدان طفل في بني آدم.
رجعت البيت الليلة دي. بنتي كانت قاعد على ترابيزة المطبخ مستنياني: “هو جيلو عصام مش راجع تاني يا ماما؟”
قعدت جنبها: “لأ يا حبيبتي.”
وشها اتغير وكانت هتعيط، حضنتها بجامد وجمعتها في حضني لحد ما العياط هدي.
بعدين فتحت الدرج اللي جنب البوتاجاز. في آخره، كانت قطعة الفطير الصاج القديمة بتاعة عم عصام، متجرحة ولونها غامق من السنين.
خلطت الدقيق واللبن والبيض والسكر، وبنتي كانت بتتفرج عليا وأنا بصب العجينة جوة النجمة الصاج.
— “هو ليه جيلو عصام كان دايماً بيعمل الفطير بالشكل دا يا ماما؟”
بصيت للصورتين اللي حطيتهم جنب البوتاجاز وقلت لها:
— “عشان فيه حد علمه إن القلب ممكن يفتكر حد بحب.. وفي نفس الوقت يشيل مكان لحد تاني يا حبيبتي.”
قعدنا مع بعض على الترابيزة. بنتي قطمت حتة من الفطيرة وابتسمت، وضحكتها رنت في الأوضة.. نفس الضحكة اللي كانت في يوم من الأيام بترعب عم عصام، ونفس الضحكة اللي علمه بعد كده إنه ما يهربش.
لما خلصنا أكل، حطيت قطاعة النجمة جنب البوتاجاز.
هتفضل هناك الجمعة الجاية.. وكل جمعة بعد كده.
مش عشان الحزن مشي.. بس عشان الحب في الأخر بقى كبير كفاية إنه يشيل الحزن ويكمل بيه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








