قصص و روايات

أنقذتُ حياة طفلٍ في الخامسة خلال أول جراحةٍ أجريتها بمفردي

2

أنقذتُ حياة طفلٍ في الخامسة خلال أول جراحةٍ أجريتها بمفردي

ذلك الخط الشاحب، كصاعقةٍ تمتد من الحاجب إلى الخد.

تلاطمت الصور في رأسي:

طفلٌ فوق طاولة العمليات، صدره مفتوح، يتشبث بالحياة…

وهذا الرجل الغاضب يصرخ كأنني ارتكبتُ جـ .ـريمة.

كانت الكلمات كصفعةٍ ثانية.

ولم أملك وقتًا للاستيعاب حين أشار نحو سيارتي صارخًا:

«حرّك سيارتك حالًا! لا أستطيع إدخال أمي إلى الطوارئ بسببك!»

نظرتُ خلفه.

امرأةٌ منهارة في مقعد الراكب، رأسها مسندٌ إلى الزجاج، ساكنة. حتى من بعيد، بدا لون بشرتها رماديًا على نحوٍ مقلق.

«ما الذي يحدث لها؟» سألتُ، وأنا أندفع مسرعًا نحو سيارتي.

«ألمٌ في الصدر»، قال وهو يلهث. «بدأ في المنزل — خَدِرَ ذراعُها فجأة — ثم سقطت. اتصلت بالإسعاف. قالوا عشرين دقيقة. لم أستطع الانتظار.»

اندفعتُ نحو سيارتي، فتحتُ الباب بعجلة، وتراجعتُ من دون أن ألتفت، كدتُ أحتكُّ بحافة الرصيف. أشرتُ إليه بيدي أن يقترب.

«تقدّم إلى المدخل فورًا!» صرختُ. «سأُحضر المساعدة!»

انطلق بسيارته، والإطارات تصرخ فوق الإسفلت. كنتُ أعدو إلى الداخل، أطلب نقالةً وفريقًا كاملًا. خلال ثوانٍ، كانت على الحمالة، وكنتُ إلى جوارها أتحسّس نبضًا واهيًا، متقطّعًا، يكاد يتلاشى.

كان تنفّسها سطحيًا، ووجهها شاحبًا على نحوٍ مُقلِق.

ألمُ صدر. خَدَرُ ذراع. انهيار.

دَوَّت الإنذارات في ذهني دفعةً واحدة.

أدخلناها غرفة الطوارئ. تخطيطُ القلب بدا فوضويًا. أكّدت التحاليل ما خشيتُه — تَسَلُّخٌ في الشريان الأورطي، تمزّقٌ في الوعاء الذي يغذّي الجسد كلّه. إن تمزّق تمامًا، قد تنزف حتى المـ .ـوت خلال دقائق.

«قسم الأوعية مشغول. وقسم القلب كذلك»، قال أحدهم.

التفتَ إليّ رئيسُ القسم.

«مارك… هل تستطيع تولّي الحالة؟»

لم أتردّد.

«نعم. جهّزوا غرفة العمليات.»

وأثناء نقلها إلى الأعلى، راودني شعورٌ مُلحّ. لم أتأمّل وجهها حقًا. انشغلتُ بإنقاذ حياتها، بينما كان عقلي الباطن قد أدرك ما لم أُدركه بعد.

في غرفة العمليات، اقتربتُ من الطاولة… وتباطأ العالم.

رأيتُ النمش. خُصلاتِ الشعر البني المشوب بالرمادي. انحناءةَ خدّها تحت قناع الأكسجـ .ـين.

إميلي.

مرةً أخرى.

أمام عينيّ.

تحتضر.

حبّي الأول. أمُّ الفتى الذي أنقذتُ حياته يومًا — الفتى ذاته الذي صرخ في وجهي متّهمًا إيّاي بأنني دمّرتُ حياته. أغمضتُ عينيَّ لوهلة.

«مارك؟» سألت الممرضة. «هل أنت بخير؟»

أومأتُ مرةً واحدة.

«لنبدأ.»

كانت جراحةُ تَسَلُّخِ الشريان الأورطي قاسيةً بلا رحمة. لا فرصَ ثانية فيها. نفتح الصدر، نُحكِم السيطرة على الأورطي، نصل المريضة بجهاز المجازة، ثم نخيّط رقعةً تعوّض الجزء المتضرّر.

كلُّ ثانيةٍ كانت فاصلة.

فتحنا الصدر، فظهر تمزّقٌ كبيرٌ، غاضبُ الحواف.

عملتُ بسرعةٍ محمومة، والأدرينالين يطغى على الإرهاق. لم أُرِد لها النجاة فحسب — بل احتجتُها.

مرّت لحظةٌ مرعبة حين هبط ضغطُها فجأة. أطلقتُ الأوامر بحدّةٍ لم أقصدها. خيّم الصمت على الغرفة، بينما استعدنا الاستقرار ببطءٍ شديد. بعد ساعاتٍ، ثبّتْنا الرقعة، وعاد تدفّق الدم، واستقرّ القلب.

«مستقرّة»، قال طبيب التخدير.

تلك الكلمة مجددًا.

أغلقنا الجرح. وقفتُ لثانيةٍ أحدّق في وجهها، وقد غدا هادئًا تحت تأثير المهدئات.

كانت حيّة.

نزعتُ قفّازيّ، وتوجّهتُ للبحث عن ابنها.

كان يمشي في ممرّ العناية المركّزة جيئةً وذهابًا، بعينين محمرّتين. وحين رآني… توقّف فجأة.

«كيف حالها؟» سأل، وصوته مبحوح كأن الكلمات تُنتزع منه.

«إنها حيّة»، قلتُ. «سارت الجراحة على نحوٍ جيّد. حالتها حرجة، لكنها مستقرة.»

انهار على المقعد، وانثنت ساقاه كأنهما من ورق.

«الحمد لله»، همس. «الحمد لله… الحمد لله.»

جلستُ إلى جواره.

«أنا آسف»، قال بعد صمتٍ طويل. «عمّا بدر مني سابقًا. فقدتُ السيطرة.»

«لا بأس»، أجبتُ بهدوء. «كنتَ خائفًا. ظننتَ أنك على وشك فقدانها.»

أومأ برأسه. ثم رفع عينيه إليّ، متأمّلًا وجهي للمرة الأولى حقًا.

«هل أعرفك؟» سأل بتردّد. «أقصد… من قبل؟»

«اسمك إيثان، صحيح؟»

رمش بدهشة. «نعم.»

«هل تتذكّر وجودك هنا وأنت في الخامسة؟»

«إلى حدٍّ ما. ذكرياتٌ مبعثرة. أجهزةٌ تطنّ، أمي تبكي، وهذه الندبة.» لمس خدّه. «أعلم أنني تعرّضتُ لحـ .ـادث. وأنني كدتُ أمـ .ـوت. وأعلم أن جرّاحًا أنقذ حياتي.»

«كنتُ أنا»، قلتُ بصوتٍ خافت.

اتّسعت عيناه فجأة. «ماذا؟!»

«كنتُ الجرّاح المسؤول تلك الليلة. فتحتُ صدرك. كانت من أوائل جراحاتي الفردية.»

ظلّ يحدّق بي، مذهولًا.

«كانت أمي تقول دائمًا إننا كُنّا محظوظين. إن الطبيب المناسب كان حاضرًا.»

«ألم تُخبرك أننا كنّا زميلين في المدرسة الثانوية؟»

اتّسعت عيناه أكثر. «لحظة… هل أنت مارك نفسه؟ مارك الخاص بها؟»

«مذنب»، قلتُ بابتسامةٍ باهتة.

أطلق ضحكةً جافّة.

«لم تُخبرني بذلك قط»، قال. «قالت فقط إن جرّاحًا بارعًا أنقذني. وإننا مدينون له بكل شيء.»

ساد الصمت بيننا طويلًا.

«قضيتُ سنواتٍ أكره هذه الندبة»، قال أخيرًا، وهو يلمس خدّه. «سخر مني الأطفال. رحل أبي، ولم تُواعد أمي أحدًا بعده. لُمتُ الحـ .ـادث والندبة… وأحيانًا لُمتُ الجرّاحين أيضًا. تخيّلتُ أنه لو لم أنجُ، لما حدث كل ذلك.»

«أنا آسف»، قلتُ.

أومأ ببطء.

«لكن اليوم؟ حين ظننتُ أنني سأفقدها؟» ابتلع ريقه. «كنتُ سأقبل بكل شيء مجددًا. كل جراحة، كل إهانة… مقابل أن تبقى هنا.»

«ذلك ما يفعله الحب»، قلتُ. «يجعل الألم محتملًا، بل ذا معنى.»

وقف فجأة… ثم عانقني. عناقًا مشدودًا.

«شكرًا لك»، همس. «عن الأمس… وعن اليوم… وعن كل شيء.»

بادلته العناق.

«على الرحب والسعة»، قلتُ. «أنتَ ووالدتك… مقاتلان.»

مكثت إميلي في العناية المركّزة فترةً من الزمن. كنتُ أطمئنّ عليها يوميًا. وحين فتحت عينيها بعد غفوةٍ قصيرة، كنتُ واقفًا إلى جوار سـ,ريرها.

«مرحبًا يا إِم»، قلتُ بهدوء.

ابتسمت ابتسامةً واهنة. «إمّا أنني متُّ رسميًا»، همست بصوتٍ مبحوح، «أو أن للقدر حسّ دعابةٍ شديد القسوة.»

«أنتِ حيّة»، قلتُ. «وبكل ما في الكلمة من معنى.»

«أخبرني إيثان بما حدث. أنك كنتَ جرّاحه… وأصبحتَ جرّاحي الآن.»

أومأتُ بصمت.

مدّت يدها، وأمسكت يدي.

«لم يكن لزامًا عليك أن تنقذني»، قالت.

«بل كان»، أجبتُ. «لقد انهرتِ قرب مستشفاي مجددًا. ماذا كنتِ تتوقّعين أن أفعل؟»

ضحكت بخفوت، ثم تأوّهت. «لا تُضحكني»، قالت. «حتى التنفّس يؤلمني.»

«لطالما كنتِ درامية.»

«ولطالما كنتَ عنيدًا.»

جلسنا لحظةً، وصوت الأجهزة ينساب في الخلفية.

«مارك»، قالت.

«نعم؟»

«حين أتعافى… هل تودّ أن نحتسي قهوةً معًا؟ في مكانٍ لا تفوح منه رائحة المطهّرات؟»

ابتسمتُ. «يسرّني ذلك.»

شدّت على يدي. «لا تختفِ هذه المرّة.»

«لن أفعل.»

غادرت المستشفى بعد ثلاثة أسابيع. وفي صباح اليوم التالي، وصلتني منها رسالة:

«الدراجات الثابتة اختراعٌ شيطاني. والطبيب الجديد منعني من القهوة. إنه بلا رحمة.»

أجبتُها:

«حين يسمحون لكِ، أوّل فنجانٍ على حسابي.»

أحيانًا، ينضمّ إلينا إيثان. نجلس في ذلك المقهى الصغير بوسط المدينة. نتـ .ـحدّث عن الكتب، أو الموسيقى، أو خططه لما تبقّى من حياته.

أحيانًا، ينضمّ إلينا.

ولو قال لي يومًا إنني أفسدتُ حياته؟

سأنظر في عينيه، وأقول بهدوء:

«إن كان إصراري على بقائك حيًّا يُعدّ إفسادًا… فأنا مذنب.»

أيُّ لحظةٍ في هذه القصة جعلتك تتوقّف وتفكّر؟

أخبرنا في التعليقات.

وإن لامستك هذه الحكاية، فإليك أخرى:

طفلةٌ صغيرة باعت عصير الليمون لتؤمّن تكلفة جراحة والدها… ولم تتخيّل أن سيارةً رباعية الدفع ستمرّ ذات يومٍ وتغيّر مصيرهم.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى