عام

الجدة

غمضت عيني والدموع نازلة باردة دلوقتي. النار اللي جوايا انطفت وحل محلها غل أسود وقوة عمري ما عرفتها. بصيت لحمايا وقلتله بكلمات خارجة من قاع جهنم: “أحمد مات يا عمي، والنهاردة ماتت معاه أي صلة رحم كانت باقية بيننا.. الكاميرا دي هتروح للنيابة، وحماتك مش هتشوف الشمس تاني، وإنتوا من اليوم ده.. ملكمش بنت اسمها نور”.

………..

فاتت الأيام وشهور وسنين، وكأنها دهور عدت على قلبي. المحكمة كانت الساحة اللي أخذت فيها حقي تالت ومتلت، الفيديو كان الدليل الدامغ اللي مفيش مفر منه. حماتي اتسجنت بتهمة الشروع في طفلة مع سبق الإصرار والترصد، وخرجت من الدنيا اللي عاشت فيها تأذي الناس لظلمات السجىن، وحمايا انزوى في بيته مبيخرجش، مكسور عينه قدام المنطقة كلها بعد الفضيىحة والعا.ر اللي لحقوا باسمه وعيلته.

أما أنا ونور، فشددنا رحالنا بعيد عن كل مكان بيفكرنا بالوجع ده. نقلت في شقة جديدة، في منطقة تانية خالص مفيش مخلوق يعرفنا فيها. نور دلوقتي كبرت، بقت عندها ست سنين، وبقت واعية ومصحصحة لكل حاجة حواليها. الوجع اللي عاشته وهي صغيرة ساب جواها حذر، بس حنيتي واهتمامي عوضوها عن كل المرار اللي شافته.

في ليلة من ليالي الشتا، كنت قاعدة في الصالة بصلح هدومها، ونور قاعدة جنبي بتلون في كشكولها الصغير. فجأة سابت القلم، وبصتلي بعينيها الواسعة اللي شبه عيون أحمد الله يرحمه، وقالتلي بصوت كله براءة: “ماما.. هو إحنا ليه مش بنروح عند تيتة وجدو زي زمان؟”

إيدي اتسمرت مكانه، والنغزة القديمة هزت قلبي للحظة. بس أخذت نفس طويل، وطبطبت على شعرها ونزلت لمستوى عينيها وقلت لها بابتسامة صافية: “عشان إحنا خلاص يا نور كبرنا، وبقى لينا بيتنا الجميل ده لوحدنا.. وإنتِ هنا معايا مش محتاجة حد تاني في الدنيا، مش كدة؟”

نور ابتسمت، وهزت رأسها بالموافقة، ورمت نفسها في حضني وقالت: “أنا بحبك أوي يا ماما، ومبقتش بخاف من أي حاجة وإنتِ جنبي”.

ضمتها لصدري بقوة، وغمضت عيني وأنا بحس بنبض قلبها المنتظم والآمن. في اللحظة دي بس عرفت إن حياتي المؤلمة اللي اتدمرت زمان، مكنتش النهاية.. دي كانت البداية عشان أبني لنور وعشاني حياة جديدة ونظيفة، خالية من الغل والسموم، مليانة بس بالحب والأمان اللي بنتي تستحقه.

………..

مرت سنتين كمان على اليوم ده، ونور بقى عندها ثمان سنين. دخلت المدرسة، وبقت متفوقة وكل المدرسين بيحبوها. ضحكتها اللي كانت غايبة رجعت تنور البيت من تاني، وبقت تملأ عليا دنيتي. أنا كمان بدأت أتعافى، نزلت الشغل، وركزت كل طاقتي في إني أكبّر بنتي وأخليها أحسن واحدة في الدنيا، ومبقاش في حياتنا مكان للسيرة القديمة ولا للناس اللي آذونا.

في يوم وأنا راجعة من الشغل، عديت على المدرسة أخد نور كالعادة. وقفت مستنياها قدام البوابة وسط أهالي الطلاب، ولما جرس الخروج ضـ,ـرب، لقيت نور خارجة بتجري عليّ وعلى وشها فرحة مشايلاها الأرض، وفي إيدها شهادة تقدير كبيرة.

جرى عليّ وحضنتني وهي بتصرخ بفخر: “ماما! ماما! شوفي.. طلعت الأولى على الفصل والمدير كرمني في الطابور!”

شلتها ولفيت بيها وأنا مش مصدقة نفسي من الفرحة، لثواني حسيت إن أحمد واقف جنبا وبيبتسم لنا وبيمسح على راسها. بست خدها وقلت لها والدموع في عيني من كتر الفخر: “مبروك يا قلب ماما، مبروك يا روح أحمد.. أنا كنت واثقة إنك هترفعي راسي دايماً”.

وأنا واخدة نور في حضني وبنمشي في الشارع، لمحت بطرف عيني راجل عجوز واقف بعيد، ساند على عكاز وظهره محني، وملامحه هجرتها الصحة. ركزت في وشه.. كان حمايا. كان واقف بيبص على نور وعينه مليانة دموع وندم وكسرة تتهد منها جبال. لما عيني جت في عينه، وطى راسه في الأرض ولف وضهره مكسور ومشي وسط الزحمة وهو بيجر رجليه، من غير ما يتجرأ حتى يقرب خطوة واحدة أو ينطق باسمها.

بصيت لنور اللي كانت ماشية جنبي بتتنطط من الفرحة وماسكة شهادتها، ومخدتش بالها أصلاً من وجوده. في اللحظة دي، حسيت براحة مابعدها راحة. ربنا أخد لي حقي وحق بنتي في الدنيا قبل الآخرة، والناس اللي حاولوا  بنتي وهي حية، بقوا هما اللي عايشين في ضلمة وند وإحنا اللي خرجنا للنور.

أخدت نور من إيدها، وجرينا سوا ونحن بنضحك، وكأننا بنقفل الصفحة الأخيرة من كتاب الماضي الصعب، وبنفتح صفحة جديدة كلها أمل وأمان وضحك طالع من قلوب صفت واتطهرت من كل وجع.

تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى