روايات وقصص

عزومة حماتي

4

عزومة حماتي

مقالات ذات صلة

في المطبخ وماسكة صينية الشاي الكبيرة، ورجلي بتترعش وعيني مغيمة من الهبوط. شلت الصينية وطلعت بيها الصالة، والناس كلها قاعدة مروقة اللي بيسلك سنانه واللي ماسك بطنه وبيتنهد من الشبع، ومحمود قاعد يضحك مع ابن عمه ولا على باله إن مراته بټموت من الجوع والتعب. حطيت صينية الشاي على الطاولة الصغيرة في النص، وبدأت أوزع الكوبايات. حماتي كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، حاطة رجل على رجل، وماسكة كوباية الشاي بتاعتها المظبوطة، وبتبصلي بنظرة كلها فخر وغرور غريب.

فجأة، حماتي سكتت، وبصت للضيوف كلهم بأعلى صوتها عشان تلفت الانتباه، وقالت بضحكة صفرا مسمۏمة هزت أركان المكان، جملة خلت الډم يتجمد في عروقي ووقفتني مكاني كأني تمثال من تلج. قالت وقدام كل الأهل والعيلة شايفين يا جماعة مرات ابني هناء؟ الله يكون في عون محمود ابني والله.. البت صحتها على قدها وخيبتها قوية في المطبخ، لولا إني وقفت وعملت الأكل كله بإيدي من الفجر، كان زمانكم جايين تفطروا على عيش وجبنة! أهو يدوب تنفع في المشاوير والطلبات، تجيب المياه وتغسل الصحون، الشغلانة اللي على قد عقلها وصحتها.. أهي دي آخرة اللي يتجوز بنات البندر اللي ما بيعرفوش يمسكوا حلة!.

الناس كلها سكتت… الصالة قلبت مدافن في ثانية.

عمام محمود بصوا للأرض بإحراج، وخالاته نصهم ابتسم بنوع من الشماتة ونصهم بصلي بشفقة. محمود جوزي وشه احمر وبص في الأرض وما نطقش ولا كلمة، ما دافعش عني، ما قالش لأمه عيب دي تعبت معايا من الصبح وعمية عينيها بالبصل! في اللحظة دي، الدنيا اسودت في عيني، وضربات قلبي بقت زي الطبول. الكلام نزل عليا زي الكرباج، هدم كل ذرة صبر وتحمل وجوع كنت كاتماهم جوايا. حسيت بإهانة عمري ما اتعرضت لها، وإني بقيت أضحوكة وفرجة قدام القاصي والداني. وعرفت في اللقَطة دي، إن الهدوء اللي قبل العاصفة انتهى… وإن اللي هيحصل في الدقايق الجاية، حماتي وعيلتها كلها عمرهم ما هينسوه طول ما هم عايشين في الدنيا.

بصيت لحماتي نظرة طويلة جداً، نظرة خلت ضحكتها تختفي بالتدريج ووشها يتشد. سيبت صينية الشاي من إيدي، ووقفت في نص الصالة وطولت طولي. قلعت مريلة المطبخ اللي كنت لافاها على وسطى بكل برود، ورميتها في الأرض قدام رجليها. وبصوت عالي، جهوري، ثابت، يسمعه الأعمى والأطرش، قلت لها الشغلانة اللي على قد عقلي وصحتي يا حاجة؟ تلاتة كيلو بصل قشرتهم وعيني بتنزل دموع، وتلاتة كيلو كوسة قورتهم لما صوابعي اتعورت، والصواني دي كلها أنا اللي رصيتها ومسحت الشقة ورجلي اتورمت، وفي الآخر تقولي خيبتها قوية؟

وتقولي للناس إنك عملتي كل حاجة لوحدك وأنا الشغالة بتاعتك؟.

حماتي اتخضت من أسلوبي ووقفت وهي بتزعق وتبرق عينيها أنتِ بتعلي صوتك عليا يا بت أنتِ قدام ضيوفي؟ أنتِ اټجننتي؟ فين أدبك وفين ربيتك؟. محمود قام بسرعة ومسك إيدي وهو مخضوض وبيقول بس يا هناء، عيب كده دي أمي، اقعدي واخرسي ما تعمليش ڤضيحة!. نفضت إيد محمود من عليا بقوة وعڼف وعيني بتطلع شرار، وقلت له اسكت أنت خالص يا محمود! أنت بالذات ما تنطقش ولا كلمة! طول القعدة عمال تبلع في البط والمحشي وتقولي معلش واستحملي ولما الناس تخلص ابقي كلي، وأمك بتهين فيا وتستخدمني كأني جارية عندها، وأنت قاعد تتفرج وتاكل ومستخسر تدافع عني بكلمة! العزومة دي والأكل ده كله… حرام عليكم! ده أكل بدمي وتعبي وجوعي!.

الټفت لحماتي تاني، اللي كانت

واقفة مصډومة ووشها بقى لونه أصفر

زي الليمونة من الكسوف والفضائح قدام قرايبها الكبار. قربت من السفرة اللي كان لسه عليها حلل المحشي الكبيرة وسرافيس البط اللي باقي منها نصها وصواني البشاميل، وبكل قوتي وعصبيتي، مسكت طرف المفرش الغالي اللي كانت خاېفة عليه، وشديته شدة واحدة بكل غلي وجوعي وتعب اليوم. الصواني والحلل والطباق والكاسات كلها اتقلبت في الأرض! المحشي طار في الهوا ونزل على

السجادة المعطرة، والشوربة اندلقت على الكنب، وبواقي البط والرقاق اتبعثرت في كل مكان وصوت تكسير الصيني ملا الشقة كأنه انفجار!

الستات بدأت تصوت وتجري، والرجالة وقفوا مذهولين ومش مصدقين الخړاب اللي حصل في ثانية. حماتي حطت إيدها على قلبها وقعدت تصوت بصوت مكتوم بيتي! حاجتي! الصيني بتاعي! الأكل اتبهدل يا مصېبتي السودا!. بصيت لها وأنا بنهج ونفَسي سريع، وقلت لها بأعلى صوتي الأكل اللي استخسرتيه فيا، واستخدمتيني بسببه كأني خدامة وأهنتيني قدام الناس، أهو ما حدش هيتهنى بيه تاني، ولا أنتِ هتفشري بيه قدام حد! بيتك وصيني بتاعك اغسليه بقى بنفسك وبصحتك اللي من الفجر!.

الټفت لمحمود اللي كان واقف فاتح بقه وعينه هتطلع من مكانها ومش قادر يستوعب إن هناء الهادية العاقلة تعمل كده، وقلت له أنا طالعة شقتي، ورقتي تجيلي لحد فوق يا محمود، اللي ما يحترمنيش وما يشوفنيش بني آدمة ليه حق ياكل ويشرب ويفرح زي الناس، ما يلزمنيش أعيش معاه ولا دقيقة تانية!. سيبتهم وضهري ليهم، ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، طلعت السلم ودخلت شقتي ورزعت الباب ورايا بكل قوتي، وسبت ورايا دمار وڤضيحة وقصة العيلة كلها هتفضل تتكلم عنها لسنين وسنين… وعرفت إن من اللحظة دي، مفيش حد هيقدر ييجي على كرامتي تاني

مهما حصل.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى