عام

بنت الجنايني سما سامح

صوت أمير دوّى في قاعة الأفراح الشعبية في شبرا الخيمة. وقف ماسك الميكروفون كأنه بيعلن عن انتصار، مش كأنه قلب البنت اللي لحد اللحظة دي كانت دبلته. سارة فضلت واقفة جنب الكوشة، فستانها الأبيض، وبوكيه الورد بين إيديها. جنبها كان واقف أبوها، الحاج متولي عبدالسلام، راجل عنده 58 سنة، إيديه خشنة من الشغل، وضهره انحنى من سنين التعب، ولابسقميص كان شاريه بالقسط. من يوم ما أم سارة توفت وهي عندها 10 سنين، والحاج متولي

كان لها الأب والأم والسند. كان بيشتغل جنايني في فيلات التجمع الخامس، يزرع الورد ويهتم بالجنائن في الناس، وبيسوق عربية نص نقل قديمة صوتها أعلى من الأوتوبيس.

مقالات ذات صلة

على مدار 13 سنة، كان بيحوش أي جنيه يقدر عليه، يحط الفكة والبقشيش والفلوس الصغيرة في علبة صاج قديمة كانت مخصوصة للشوكولاتة. ولما أمير طلب إيد سارة، فتح العلبة قدامها على الترابيزة.

مش كتير يا بنتي… بس نفسي أشوفك عروسة في فرح يفرحك. ومش عايز حد يقول إن أبوكي معرفش يعملك حاجة.

بالمبلغ ده حجزوا القاعة، واشتروا الورد من سوق العتبة، ودفعوا حق الأكل. الستات الجيران عملوا تزيين الترابيزات بإيديهم، وخالتها طبخت صواني الأكل، وشباب المنطقة علّقوا الزينة والأنوار في القاعة.

أمير كان عامل نفسه موافق على كل حاجة. لكن قبل الفرح بأربع أيام، جه هو وأبوه وأمه. أمه، نهى الشاذلي، فضلت تبص في بيت الحاج متولي على العفش وكأن الفقر مرض معدي.

ابني بيتعامل

مع رجال أعمال وشخصيات كبيرة… إزاي يتجوز في المكان ده؟ دي تبقى فضيحة.

الحاج متولي عرض يبيع العربية وأدوات شغله عشان يدفع تكلفة قاعة أفخم. لكن سارة رفضت. كانت تفضّل تلغي الفرح كله، ولا تشوف أبوها يخسر أكل عيشه.

في نفس الليلة، أمير اعتذر، وأكد إنه بيحبها، وإنه هيحضر الفرح مهما حصل. وهي صدقته، لأنها كانت لسه فاكرة إن الوعود معناها إن الإنسان عنده أخلاق.

يوم الفرح وصل متأخر 45 دقيقة، ومعاه أبوه وأمه، واتنين محامين من شركة العيلة، وكام ابن عم كانوا بيصوروا بالموبايلات. ماجاش ندمان… كان جاي محضر لكل حاجة.

أول ما وقف، أعلن قدام الكل إن الفرح اتلغى، وبعدها بص للحاج متولي وقال

أنا مستحيل أقضي عمري كله أقدم للناس حمايا على إنه راجل بيقص النجيلة عشان كام جنيه.

بعض المعازيم وطّوا راسهم. وفي ناس همست وقالت إن أمير معاه حق. أما نهى، فابتسمت وقالت وهي مكملة الإهانة

كل عيلة لازم تعرف مقامها.

وش الحاج متولي اصفر فجأة. سارة مسكته قبل ما يقع، وحست بتنزل على كتفها.

سامحيني يا بنتي… لو كان معايا فلوس، ماكانش حد اتجرأ يعاملك بالشكل ده.

بعدها سابها، ومشى لحد نص القاعة، واعتذر لكل المعازيم لأنه ضيّع وقتهم. المنظر ده كسر قلب سارة أكتر بكتير من إن أمير سابها.

وفجأة…

اتسمع صوت سرينات برا.

3 عربيات حكومية، ومعاهم عربيتين للقوات ، دخلوا قدام القاعة. ومن العربية الأولى نزل عقيد لابس الزي العسكري الرسمي، وماشي معاه مجموعة من الظباط والعساكر.

العقيد دخل القاعة من غير حتى ما يبص لأمير. مشي لحد ما وقف قدام الحاج متولي، وقف ، وأدى له التحية العسكرية.

الحاج متولي عبدالسلام… أنا بقالي 13 سنة بدور عليك.

القاعة كلها سكتت، وسارة حست إن في حاجة كبيرة جدًا لسه هتحصل. وماكانتش قادرة تصدّق اللي هيحصل بعد اللحظة دي..

ساد صمت القبور في القاعة، لدرجة أن صوت التنفس كان مسموعاً. أمير وأمه تجمدت تعابير الغطرسة على وجوههم، بينما كانت عيون المعازيم تتنقل بذهول بين الجنايني البسيط وبين العقيد الذي يقف أمامه بانحناءة تقدير.

مسح الحاج متولي دموعه بطرف كمّه المتسخ، وقال بصوت مرتجف يا سيادة العقيد، حضرتك أكيد غلطان.. أنا متولي بتاع الجناين، جنايني فيلات التجمع.

رد العقيد بصوت جهوري هز أركان القاعة يا حاج متولي، أنت مش مجرد جنايني.. أنت البطل اللي أنقذ حياة لواء أركان في عملية سرية على الحدود سنة 2012، لما كنت بتخدم في الجيش في المهندسين، ودفعت تمن إنقاذ حياة قادتك في ضهرك وتفتت في عضم الكتف.. يومها اختفيت عشان ما تحسسش حد إنك بطل، ورفضت أي تكريم، وقلت ده واجبي تجاه بلدي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى