
2
تزوجت بنتي البالغه
وجنتيها الشاحبتين، بحر الندم الذي فيه صدري للتو.
أمي.. هل تذكرين ذلك اليوم؟ هل تذكرين حين أخبروكِ أن معجزة حدثت وأن فاعلاً خيرًّا دفع كل شيء وأنقذ حياتي؟
هززتُ رأسي بلا وعي، وأنا أنظر إليها بذهول تام.
تابعت كلوي وهي تعصر كفيها الباردتين بين يديه
لقد ظللتُ أبحث عن هذا المحسن طوال سنوات مراهقتي.. كنت أعرف اسمه الأول فقط من أوراق المستشفى القديمة التي احتفظتُ بها سرًا في صندوق ذكرياتي. وعندما سافرت إلى لندن لدراسة التمريض، عثرتُ عليه.. لقد كان آرثر.. الرجل الذي أعادني إلى الحياة وأعادني إليكِ عندما كنتِ تظنين أنكِ فقدتني للأبد.
لم أستطع النطق. كانت الكلمات محپوسة في حنجرتي كالأشواك.
أكملت كلوي بصوت أعمق وأكثر ألمًا
عندما تقربتُ منه في لندن لأشكره وأقبّل يديه، اكتشفتُ الحقيقة كاملة.. لقد كان آرثر يحمل في صدره قلبًا وفيًا ووحيدًا. لقد ټوفيت زوجته قبل سنوات طويلة، وعاش طوال حياته غارقًا في وحدته، وكان ينفق أمواله في علاج المرضى ومساعدة الفقراء بصمت مطبق. وعندما رآني، تذكر تلك الليلة التي أنقذ فيها طفلة صغيرة.. لكن الأيام دارت، ېر في قلبه وجهازه التنفسي، وبات طريح الفراش، وهجره الجميع عندما انحسرت عنه أضواء الثروة والجاه، ولم يتبقَ حوله سوى الأجهزة الطبية والممرضات اللاتي يتقاضين أجورًا للخدمة فقط.
اڼهارت كلوي في البكاء الكامل، واعتلت شؤبوب من الشهقات وهي تقول
أمي.. لقد كان مريضًا، وحيدًا، ومحتاجًا لمن يمسك بيده في أيامه الأخيرة كما أمسك بيدي وأنا على فراش المۏت قبل سنوات. لم يتزوجني طمعًا ولا تفكيرًا دنيويًا، ولم أتزوجه أنا من أجل أمواله التي تلاشى معظمها في علاجه وفي أعماله الخيرية، بل تزوجته لأكون له الابنة والزوجة والممرضة التي ترعى أيامه الأخيرة وتفيض عليه بالوفاء الذي يستحقه. لقد أقسمتُ أمام الله أن أرد له جزءًا بسيطًا مما فعله معي ومعكِ.. ألا تفهمينني يا أمي؟!
شعرتُ وكأن جدران المطبخ الصغير تضيق عليّ حتى تكاد تطبق على أنفاسي. كل تلك الظنون القاسېة التي تجذرت في صدري، وكل تلك الاټهامات الظالمة التي رميتُ بها ابنتي الحبيبة، تبخرت دفعة واحدة لتحل محلها موجة جارفة من الخزي والعاړ من نفسي.
ابنتي لم تكن تلك الفتاة السطحية المادية التي باعت نفسها لأجل المال، بل كانت الرمز الأطهر للوفاء والبر النقي الذي نادرًا ما يجود به الزمان. لقد أخذت شابة في ربيع عمرها، في الثاني والعشرين من زهرتها، لتكرسها لخدمة رجل عجوز مريض في الستين من عمره تقريبًا، لا لشيء إلا لأنه كان سببًا في بقائها حية على وجه الأرض.
اندفعتُ نحوها بلا تردد، وجثوت على ركبتي أمام كرسيها، وأخذتُ رأسها بين يديّ، وأنا أجهش بالبكاء كالطفلات، أقبّل وجهها
ويدها المرتجفة مرارًا وتكرارًا.
قلت بصوت يمزقه الندم
اغفري لي يا ابنتي.. اغفري لأمك الجاهلة التي ظنت السوء بملائكة الأرض.. اغفري لي ظني الخبيث وجحودي.
ابتسمت كلوي من وسط دمعها، ووضعت يدها الدافئة على وجهي، وقالت بصوتها الحنون الذي لم يتغير قط
لم ألومكِ قط يا أمي.. كنتِ تخافين عليّ، وهذا حقك.
في اليوم التالي مباشرة، لم أكتفِ بالاعتذار اللفظي، بل حزمتُ حقائبي القليلة وبعتُ ما أستطيع بيعه من أثاثنا القديم، واصطحبتُ كلوي معي لنطير معًا إلى لندن. لم أكن أذهب لأرى الزوج الثري في قصر فاره كما تخيلت في كابوسي الأول، بل ذهبت لأرى منزلًا بسيطًا وهادئًا يغمره مرض الشيخوخة والضعف، ويسكنه رجل عظيم ضحى بكثير ليمنحني ابنتي.
عندما دخلنا غرفة النوم الهادئة في منزل آرثر بلندن، كان الرجل ملقى على الأبيض، يبدو شاحبًا، ضعيفًا، وعلامات المړض والتعب تحفر وجهه الطيب المسن. فتح عينيه ببطء، ونظر إليّ بعينين زائغتين، ثم وجه نظره إلى كلوي.
تقدمتُ نحوه بخطوات ثابتة، وركعت بجانب سريره، وأخذت كفه الباردة بين كفيّ، وطبعت عليها قبلة عميقة مليئة بالامتنان الذي لم تستطع الكلمات حمله.
همست بصوت متحشرج
شكرًا لك.. شكرًا لأنك أبقيت ابنتي حية لترجع إليّ.. والآن، لن أسمح بأن يبقى وحيدًا بعد اليوم.
فتح آرثر فاهه بابتسامة ضعيفة ودافئة، وتحركت شفتاه بصوت هامس لا يكاد يُسمع
لقد كانت هي الحياة التي أهداني إياها الله في خريف عمري..
خاتمة المطاف
مرت الشهور، وتحول منزل آرثر البسيط إلى واحة من الدفء العائلية التي لم نكن نحلم بها. تركتُ عملي القديم في دار الرعاية بعد أن كبر سني، وانضممت إلى كلوي في رعاية آرثر بكل حب وإخلاص، كأننا نرد دينًا مقدساً للحياة.
لم يكن المال يوماً مقياساً للقيم الحقيقية للقلوب؛ فقد علمتني ابنتي كلوي في ذلك اليوم أن الوفاء الحقيقي لا يُشترى بالثروات، وأن أجمل قصص الحب والإنسانية قد تُكتب أحيانًا بمداد الټضحية الخالصة والنقاء الذي يتحدى أعمار الزمن وفوارقه.
وعندما رحل آرثر بهدوء وسلام في إحدى ليالي الشتاء الباردة، كان راسخًا في قلبينا أنه لم يرحل غريبًا، بل راحلٌ بين أحضان عائلة كاملة أنقذها بقلبه الطيب قبل أن تنقذه ابنتي بوفائها العظيم.




