
مراتي كانت بتستحمى كل ما ألمسها.. ولما حكيت لأمي، اقترحت عليا فكرة ندمت إني نفذتها طول عمري!
كنت فاكر إني أخيرًا اتجوزت الست اللي حلمت بيها طول عمري. نورهان دي ما كانتش مجرد زوجة، دي كانت روحي، والبنت اللي لما ببصلها بحس إن الدنيا كلها ابتسمتلي.
أول شهرين جواز كانوا زي العسل، كل حاجة هادية وجديدة وجميلة. وكان أكتر حاجة ملفتة فيها ومحبباني فيها هي اهتمامها الكبير بالنظافة. ريحة شقتنا دايمًا معطرات وورد، والبيت بيلمع، وهي طول الوقت ريحتها جميلة ومنعشة. كنت بتباهى بيها قدام أي حد.
بس للأسف، الاهتمام ده بدأ يتحول لمشكلة بالتدريج، ومن غير ما أحس.
الموضوع بدأ يكبر حبة حبة، من مجرد نظافة لقلق شديد بيتحكم في حياتها. فجأة لقيت المطهرات والمعقمات مالية كل شبر في الشقة، والبيت اتحول لمكان شبه المستشفى!
بقت تمسح الأسطح ومقابض الأبواب والتليفزيون بالمطهرات مرات كتير في اليوم. ولو استقبلنا ضيف في البيت، حتى لو حد من المقربين جدًا، وقعد نص ساعة بس، أول ما الباب يتقفل وراه تبدأ المشكلة.
تجري تفك مفارش الأنتريه كلها وترميها في الغسالة، وتجيب الجردل والممسحة وتبدأ تنظف الصالة والممر من أول وجديد، حتى لو كانت لسه منظفاهم قبل ما الضيف يوصل بربع ساعة!
ولو قلتلها: يا حبيبتي، اهدَي، الراجل قعد على الكرسي وخلاص، ما عملش حاجة، تبصلي بنظرة كلها توتر وتقولي:
أنت مش فاهم حاجة يا أحمد! الهدوم ممكن تنقل ميكروبات، والناس بتجيب معاها حاجات من الشارع!
وياريت الأمر وقف عند البيت والأنتريه، لكن اهتمامها بنظافتها الشخصية كمان بقى مصدر قلق.
بقت تدخل الحمام وتستحمى بالساعات! ساعة واتنين، وأنا قاعد بره أسمع صوت المية شغال ومش فاهم هي بتعمل إيه كل ده.
وتطلع بشرتها حمرا ومتهيجة من كتر الفرك والمية السخنة والصابون.
بعدها الموضوع زاد وبقى أصعب. بقت تتهرب من سلام الناس كأنها خايفة من أي تلامس.
لو حد في الشارع أو من أهلها مد إيده يسلم عليها، تتردد وتحط إيدها بالعافية، والقلق باين في عينيها.
ولو حد من قرايبها قرب منها أو حضنها بعفوية، زي أختها أو والدتها، تجري على البيت فورًا، وتدخل الحمام وتستحمى وتغسل الهدوم اللي كانت لابساها.
بقت تحرجني وتحرج نفسها مع كل الناس، وأنا مش فاهم إيه اللي بيحصل معاها.
ولما عرفنا إنها حامل في طفلنا الأول، قلبي طار من الفرحة.
قلت لنفسي: ربنا فرجها! الحمل والطفل هيشغلوها، وهيبقوا كل اهتمامها، والموضوع ده هيخف وتهدى وتنسى القلق اللي مسيطر عليها.
لكن للأسف، توقعي ما تحققش، والموضوع ما خفش، بالعكس، بقى أصعب بكتير.
وصلنا لمرحلة إن القلق بدأ يأثر على علاقتنا بشكل مباشر.
بقيت كل ما أقرب منها أو ألمس إيدها بحنان، ألاقيها تتوتر وتبصلي بضيق، وتجري على الحمام عشان تستحمى.
أرجع من شغلي تعبان من يوم طويل، ألاقيها واقفة على الباب لابسة قفازات في إيديها!
تقولي: استنى مكانك، اقلع الجزمة بره الشقة، وغيّر هدومك وحطها في الغسالة، وخد دش قبل ما تقعد على أي كرسي!
وتاخد هدومي بحذر شديد، كأني جاي من مكان مليان ميكروبات.
الموضوع بقى غريب جدًا، وبدأ يأثر على نفسيتي. أنا جوزها، والراجل اللي بتشاركه حياته وبيته، ومع ذلك بقيت أحس إني غريب عنها.
كل ما أحاول أكلمها وأقولها: يا نورهان، ارحميني وارحمي نفسك، اللي بتعمليه ده متعب لينا إحنا الاتنين، ترد عليا بتوتر:
سيبني على راحتي يا أحمد! أنا بحافظ عليك وعلى ابننا اللي في بطني. أرجوك ما تضغطش عليا!
ونفضل نتكلم ونتناقش بالساعات، وكل مرة ينتهي الكلام بنفس الطريقة؛ تجري على الحمام، وتستحمى، وتتوضى، وتقعد تصلي وتبكي من شدة الضغط اللي جواها.
كل يوم كان بيعدي أصعب من اللي قبله. بقيت مش عارف أقرب من مراتي، وبقت أحيانًا تلمح إنها مش مرتاحة في النوم جنبي، وإنها محتاجة مساحة أكبر لنفسها.
تعبت واتخنقت، وبقيت حاسس إني غريب في بيتي. مش عارف أعيش مع مراتي زي أي زوجين، وبقيت خايف على مستقبل علاقتنا بعد ما الطفل يتولد.
في لحظة يأس، ولأني كنت بحبها جدًا ومش عايز أبعد عنها أو أخسر بيتي، قررت أحكي لأمي.
قلت يمكن أمي، بخبرتها في الحياة، تلاقيلنا حل أو طريقة نقدر نتعامل بيها مع المشكلة دي.
ويا ريتني ما حكيت!
أمي سمعتني وهي متضايقة جدًا من اللي بيحصل معايا، واقترحت عليا اقتراح قاسي، عمري ما تخيلت إني ممكن أفكر فيه مع الإنسانة اللي بحبها.
لكن من كتر الضغط والتعب، وافقت على كلامها ونفذته، وكانت النتيجة أكبر بكتير من كل توقعاتي.
أمي أول ما سمعت كلامي، وشها اتغير وقالتلي بحزم:
أنت السبب يا أحمد! دلعك ليها وطولة بالك هما اللي وصلوها لكده. اللي زي نورهان دي محتاجة صدمة تفوقها من اللي هي فيه!
تعرف المخزن القديم اللي تحت السلم؟ اللي بقاله سنين مقفول، ومليان تراب وكراكيب؟
هي دي الأوضة اللي هتتعلم فيها الدرس! تدخل تقعد هناك شوية، وساعتها هتعرف إن التراب مش نهاية الدنيا، وتبطل المبالغة دي!
وقفت مشدوه وبقولها بذهول:
إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟! نورهان حامل، ومش هتستحمل حاجة زي دي! دي لو شافت ذرة تراب بتتوتر، عايزاني أدخلها مخزن مليان كراكيب؟!
ردت أمي بلهجة صارمة:
هو ده الحل، يا إما هتفضل طول عمرك تعاني من المشكلة دي! كام ساعة بس يا أحمد، وهتخاف تدخل المكان ده تاني وتسمع الكلام. اسمع مني، أنا أدرى منك!
للأسف، وبسبب كمية الضغط والغيظ اللي كانوا جوايا، وافقت على كلام أمي.
نزلت الشقة، ولقيت نورهان واقفة في المطبخ بتعقم الملعقة اللي أكلت بيها، وشكلها متوتر كالعادة.
قربت منها ومسكت إيدها، فاتوترت وقالتلي:
أحمد! إيدك! أنت لسه جاي من الشارع وما غسلتش إيدك!
ما سبتهاش تكمل. مسكت دراعها بعصبية، ودي كانت أول مرة تشوف مني التصرف ده.
صرخت وسألتني بخوف:
أنت بتعمل إيه يا أحمد؟! سيبني! أنت اتغيرت ليه كده؟!
سحبتها معايا على السلم، وهي بتسألني وبتبكي ومش فاهمة أنا ناوي أعمل إيه، لحد ما نزلت بيها قدام باب المخزن القديم.
كانت ريحته مليانة تراب ورطوبة، والمكان مليان كراكيب قديمة، وده كان كفيل إنه يزود قلقها أضعاف.
أول ما شافت الباب والمكان، عينيها اتسعت من الخوف، وبقت ترجاني بصوت متقطع:
لا يا أحمد، عشان خاطري! أي مكان إلا هنا! فيه تراب وكراكيب كتير! أرجوك يا أحمد، بلاش المكان ده!
والله هحاول أكون أحسن، وهحاول أهدى، بس أرجوك ما تدخلنيش هنا!
ما سمعتش كلامها، وبدل ما أراجع نفسي، قفلت قلبي ونفذت اللي كنت مخطط له.
دخلتها المخزن وقفلت الباب بالمفتاح.
واللي حصل بعد ما الباب اتقفل كان موقف صعب مستحيل أنساه طول عمري.
نورهان بدأت تنادي عليا بصوت عالي، وتخبط على الباب وتستنجد بيا:
أحمد! افتح الباب، أرجوك! أنا خايفة! مش قادرة أستحمل المكان ده! عشان خاطر ابننا اللي في بطني، طلعني من هنا!
كان صوتها بيوصل لآخر الشارع، وقلبي بدأ يتقطع. حسيت إني ارتكبت خطأ كبير، وقربت من الباب عشان أفتحه، ودموعي بدأت تنزل.
لكن أمي كانت واقفة على السلم، ولما شافتني، مسكت إيدي وقالتلي بغضب:
إياك تفتح دلوقتي! لو فتحتلها، كل اللي عملناه هيروح على الفاضي! سيبها شوية لحد ما تهدى وتتعلم!
فضلت نورهان تناديني وتستغيث بيا، لكن صوتها بدأ يضعف بالتدريج.
وبعد فترة، بقيت أسمع صوتها وهي بتقول بصعوبة:
يا أحمد… أرجوك… أنا تعبانة… افتح الباب…
وبعدين، فجأة، ساد الهدوء.
عدى وقت طويل، والسكوت اللي جوا المخزن بدأ يخوفني أكتر من صوتها.
ما قدرتش أستحمل أكتر، وقررت أفتح الباب فورًا، رغم اعتراض أمي.
أول ما فتحت الباب، اتصدمت من المنظر اللي شفته.
نورهان كانت قاعدة على الأرض وسط الكراكيب، مرهقة ومش قادرة تقوم، ووشها وإيديها فيهم آثار خدوش واحمرار من شدة توترها ومحاولاتها المتكررة لتنظيف نفسها.
كانت في حالة صعبة، ومش قادرة تستجيب لكلامي بشكل طبيعي.
صرخت باسمها، وشلتها بين إيديا وجريت بيها على السلم.
أمي كانت واقفة تتفرج، مصدومة ومش عارفة تقول كلمة واحدة.
حطيتها في العربية، وطلعت بيها على أقرب مستشفى بأقصى سرعة.
دخلت الطوارئ وأنا بنادي على الأطباء:
الحقونا، أرجوكم! مراتي تعبانة جدًا!
الدكاترة والممرضين اتحركوا بسرعة، وأخدوها عشان يفحصوها ويقدموا لها الرعاية اللازمة.
وأنا فضلت واقف بره، مش قادر أستوعب اللي عملته، وببكي من الندم، وبدعي ربنا إنها تقوم بالسلامة هي والطفل اللي في بطنها.
بعد فترة من الانتظار، خرج الدكتور من عندها، وكانت ملامحه جادة.
جريت عليه وسألته:
طمني يا دكتور! نورهان عاملة إيه؟ والطفل؟
بصلي وقال بصوت هادي لكنه حازم:
للأسف، المدام فقدت الحمل. واضح إنها اتعرضت لضغط نفسي وجسدي شديد، وده أثر على حالتها الصحية وتسبب في مضاعفات خطيرة.
كمان هي دخلت في حالة نفسية صعبة، ولما بدأت تستوعب اللي حصل، انهارت ورفضت إن أي حد يقرب منها.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. رجلي ما بقتش شايلاني، وقعدت على الأرض وبكيت بحرقة وأنا بقول:
ابني! ضيعت ابني بإيدي! أنا السبب في كل اللي حصل!
قعد الدكتور قدامي، وبصلي باستغراب وقال:
أنا عايز أفهم، إيه اللي وصل ست حامل للحالة دي؟ وإيه اللي حصل معاها بالضبط؟ وليه عندها كل آثار الإجهاد دي؟
دفنت وشي بين إيديا، وبدأت أحكيله كل حاجة، من أول اهتمام نورهان المبالغ فيه بالنظافة، وشكوتي لأمي، لحد الفكرة اللي اقترحتها عليا، ودخولها المخزن.
الدكتور سمعني للنهاية، وبعدها قال بوضوح:
أنت وأمك أخطأتم خطأ كبير في حقها! مراتك مش بتتدلع ولا بتستعبط. هي ممكن تكون بتعاني من اضطراب نفسي اسمه الوسواس القهري، وده محتاج تقييم متخصص.
المرض ده ممكن يخلي الشخص يعيش في قلق شديد من التلوث والميكروبات، ويحس إنه مضطر يكرر التنظيف أو الاستحمام عشان يخفف التوتر اللي جواه، حتى لو التصرفات دي بتتعبه وبتأثر على حياته.
هي مش بتعمل كده بمزاجها، ومش محتاجة حد يخوفها أو يعاقبها. هي محتاجة مساعدة طبية ونفسية، وتعامل فيه رحمة وتفهم.
بدل ما تاخدها لمتخصص يساعدها، قررت تحطها في موقف مرعب وهي حامل، وده عرّضها لخطر كبير!
كلام الدكتور كان بيوجعني، وحسيت بأكبر ذنب في حياتي.
بقيت أترجاه وأقوله:
أنا غلطان وجاهل، بس أرجوك ساعدني. إزاي أقدر أصلح اللي عملته؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة!
الدكتور أخد نفس طويل وقال:
أنا هوجهكم لمتخصص نفسي يقدر يتعامل مع حالتها بشكل مناسب. لكن لازم تفهم إن العلاج محتاج وقت، وإن اللي حصل ممكن يكون أثر على إحساسها بالأمان والثقة فيك.
بعد يومين، أهل نورهان عرفوا بكل اللي حصل، ووالدتها جات وأخدتها من المستشفى عشان ترعاها في بيتهم.
نورهان رفضت تمامًا إنها تبص في وشي أو تسمع صوتي.
وأول ما كانت بتشوفني من بعيد، كانت بتتوتر وتغطي وشها وهي بتبكي، وتقول:
أبعدوه عني! مش عايزة أشوفه! أنا فقدت ابني بسببه!
والدتها أخدتها عندهم البيت، ونورهان اشترطت إنها مش عايزة تشوفني ولا تسمع اسمي في الفترة دي، لأنها بقت شايفاني السبب في فقدان طفلها، وفي أكبر جرح نفسي مرت بيه.
مرت الأيام والشهور، وأنا عايش في ندم ما لوش نهاية.
بيتي بقى فاضي وبارد، وأمي نفسها ندمت بعد فوات الأوان، لما شافت حزني وحجم الضرر اللي حصل.
نورهان بدأت رحلة علاج طويلة مع متخصص نفسي، تضمنت جلسات علاج نفسي ومتابعة طبية، وخطوات تساعدها تتعامل مع أفكارها وقلقها بشكل أفضل.
أما أنا، فقررت إني ما أهربش من نتيجة أفعالي.




