
وهو نفس اليوم الذي أُعلن فيه رسميًا وفاة نادية القاضي ظل يحدق في الصورة لثوانٍ طويلة.
ثم تغيّر لون وجهه.
-
المشردمنذ يوم واحد
-
رحت اكشف عند دكتورة غير جوزىمنذ يوم واحد
-
كنت فى الطيارةمنذ يوم واحد
-
خروج حمايامنذ يومين
أحد وكلاء النيابة سأله بقلق
يا فندم… حضرتك تعرفه؟
لم يرد.
اكتفى بأن وضع الصورة على المنضدة، ثم أمر الحرس
اقفلوا القاعة
بالكامل… وممنوع أي حد يستخدم موبايله.
بدأ التوتر يزداد.
حتى الصحفيون الموجودون داخل القاعة حاولوا يعرفوا ما في الصورة، لكن القاضي أخفاها سريعًا.
فؤاد المنشاوي ابتسم لأول مرة منذ بداية الجلسة.
وقال بهدوء
واضح إنك عرفته.
رفع القاضي عينيه إليه.
إنت تعرفه؟
رد فؤاد
أعرفه… لكنه عمره ما اشتغل معايا.
ساد الصمت.
ثم التقط القاضي الصورة مرة أخرى، ووضعها أمام أمينة.
بمجرد أن نظرت إليها، اتسعت عيناها.
همست بصوت مرتعش
مستحيل…
ملك شدّت طرف ملابس أمها.
مين يا ماما؟
أمينة لم تستطع الرد.
كانت تنظر إلى الرجل وكأنها رأت شبحًا.
بعد لحظات قالت
ده… ده كان صديق جوزي طارق.
القاعة كلها التفتت إليها.
اسمه حسام.
كان بيزورنا كتير… وبعد وفاة طارق اختفى تمامًا.
القاضي سأل بسرعة
طارق كان بيثق فيه؟
أمينة هزت رأسها.
أكتر واحد كان بيثق فيه.
في نفس اللحظة…
رن هاتف المحكمة الداخلي.
رفع القاضي السماعة.
جاءه صوت الضابط الموجود في المخزن
يا سيادة المستشار… لقينا حاجة جديدة.
إيه هي؟
أثناء تفتيش الهيكل العظمي… لقينا سلسلة معدنية عليها مفتاح صغير، وفي جيب البطانية ورقة متآكلة مكتوب فيها بخط اليد لو وصلتوا للهيكل… دوروا على حسام.
ساد الصمت في القاعة.
القاضي ببطء أنزل السماعة.
ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى.
وقال بصوت منخفض
يبقى حسام مش مجرد شاهد…
ده بقى جزء أساسي من اللغز.
وفجأة…
دُفع باب القاعة بقوة.
دخل أحد أفراد الأمن وهو يلهث.
يا فندم… في راجل واقف بره المحكمة.
القاضي سأله
اسمه إيه؟
رد الضابط وهو لا يزال يلتقط أنفاسه
بيقول إن اسمه… حسام.
ثم أضاف
وبيقول إنه مستعد يعترف بكل حاجة… لكن بشرط واحد.
وتوقفت أنظار الجميع على باب القاعة، في انتظار دخول الرجل الذي ربما يحمل الحقيقة كاملة… أو يكشف لغزًا أكبر مما يتخيله الجميع ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
حتى فؤاد المنشاوي،
الذي كان يتحدث بثقة طوال الجلسة، لم ينطق بحرف.
القاضي قال بحزم
النيابة تأمر بالتحفظ على فؤاد المنشاوي لحين انتهاء التحقيق.
وقف الحرس بجواره.
لكن فؤاد رفع يديه بهدوء وقال
أنا مش ههرب… لأنكم بتقبضوا
متابعة القراءة
3
رواية كاملة
على الشخص الغلط.
القاضي ضيق عينيه.
بعد كل اللي سمعناه… لسه عندك كلام؟
ابتسم فؤاد ابتسامة غريبة وقال
أيوه… لأن نادية نفسها كذبت عليكم.
في اللحظة دي…
المكالمة اللي كانت مفتوحة من أول الجلسة رجع منها صوت تشويش.
ثم قالت نادية
أوعى تسمع كلامه… هو هيبدأ يخلط الحقيقة بالكذب.
رد فؤاد بسرعة
قولي لهم بقى… ليه اختفيتي سبع سنين؟ وليه ما ظهرتيش غير النهارده؟
سكتت نادية.
ثانيتين…
ثلاثة…
ثم قالت
لأن اللي كان بيحميني طلب مني أفضل ميتة قدام الناس.
القاضي سألها فورًا
مين؟
لكنها تجاهلت السؤال وقالت
افتحوا الملف اللي اسمه الحقيقة الأخيرة.
القاضي فتح اللابتوب مرة أخرى.
كان آخر ملف داخل الفلاشة.
ضغط عليه.
ظهر تسجيل فيديو بتاريخ يسبق الحريق بيوم واحد.
كانت نادية جالسة في مكتب فؤاد، والكاميرا مخفية بين الكتب.
دخل شخص إلى المكتب.
وجهه لم يظهر…
لكن صوته كان واضحًا.
قال
بكرة كل حاجة هتخلص… واللي هيعترض هيختفي.
ردت نادية بخوف
وأمينة مالهاش ذنب.
جاءها الرد
عشان كده هي هتبقى كبش الفدا لو احتجنا.
أمينة شهقت.
ملك شدت على إيد أمها بقوة.
وفؤاد صرخ
كبّروا الصورة!
أوقف القاضي الفيديو عند انعكاس الزجاج.
ظهر جزء صغير جدًا من وجه الرجل.
غير واضح بالكامل…
لكن كان فيه شيء لفت انتباه الجميع.
علامة قديمة فوق الحاجب الأيمن.
وفجأة…
خبير الأدلة اللي كان واقف آخر القاعة قال بصوت مرتفع
يا فندم… العلامة دي مش عند الأستاذ فؤاد.
الأنظار كلها راحت لفؤاد.
وبالفعل…
حاجبه سليم تمامًا.
القاضي قال ببطء
يبقى الشخص اللي في الفيديو… شخص تاني.
فؤاد أغلق عينيه للحظة وقال
أخيرًا… بدأتوا تبصوا في الاتجاه الصح.
لكن قبل أن يكمل…
دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يحمل ظرفًا أبيض وصل للتو إلى المحكمة.
قال
الظرف ده كان مرمي قدام بوابة المحكمة من عشر دقائق… ومكتوب عليه يُسلَّم للقاضي سامح الديب فقط.
فتح القاضي الظرف
بحذر.
وجد بداخله صورة حديثة التُقطت صباح اليوم.
الصورة كانت لامرأة تقف أمام بوابة المحكمة…
ترتدي نظارة سوداء وغطاء رأس.
لكن ملامحها كانت واضحة بما يكفي.
أمينة صرخت من مكانها
نادية!
إلا أن القاضي لاحظ شيئًا أخطر.
خلف نادية في الصورة…
كان يقف رجل يراقبها من بعيد.
ولما قرّب الصورة أكثر…
تجمّد في مكانه.
لأنه تعرف على وجه الرجل…
وكان شخصًا لم يتوقع أحد وجوده في القضية منذ البداية اهتزت القاعة بعنف.
الزجاج ارتج، وانطفأت الأنوار بالكامل.
ارتفعت صرخات الحاضرين، بينما صاح القاضي
محدش يتحرك! شغّلوا مولد الكهرباء حالًا!
بعد ثوانٍ قليلة، اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
نورها كان خافتًا…
لكنه كان كافيًا ليكشف أن شيئًا أخطر قد حدث.
الحرس نظروا حولهم في ذهول.
أحدهم صاح
يا فندم… حسام اختفى!
التفت الجميع.
المكان الذي كان يقف فيه حسام أصبح فارغًا.
لكن على الأرض…
كان الظرف الذي أحضره لا يزال مفتوحًا، أما الصورة التي كانت بداخله فلم تعد موجودة.
القاضي قبض على الرسالة بقوة.
اقفلوا المحكمة كلها… فتشوا كل ركن!
خرجت قوات التأمين تركض في الممرات.
في هذه الأثناء، رن هاتف القاضي مرة أخرى.
رد بسرعة.
جاءه صوت نادية، لكنه كان مختلفًا هذه المرة… وكأنها تركض.
الانفجار كان مجرد تشتيت… حد أخد الصورة؟
القاضي أجاب
أيوه… اختفت.
ساد صمت قصير.
ثم قالت نادية بقلق
يبقى سبقونا.
سبقكم لمين؟
للشخص اللي في الصورة… لأنه لو شافها، هيعرف إننا قربنا منه جدًا.
القاضي نظر إلى الرسالة مرة أخرى.
كانت قصيرة جدًا.
إذا وصلت هذه الرسالة، فاعرف أن العقد لم يكن الهدف أبدًا… الهدف كان إخفاء اسم واحد.
وتحت الجملة…
كان هناك اسم، لكن جزءًا منه ممزق منذ سنوات.
لم يبقَ واضحًا إلا أول حرفين
عا…
القاضي همس
عادل؟… عاصم؟… عامر؟…
فجأة قاطعه أحد الضباط، وهو يدخل مسرعًا.
يا فندم!
خير؟
لقينا حسام.
القاضي تنفس الصعداء.
فين؟
الضابط ابتلع ريقه وقال
في جراج المحكمة…
لكنه…
كان فاقد الوعي، ومصابًا في رأسه.
وفي يده اليمين…
كان ماسك ورقة مطوية بإحكام.
فتحها الضابط أمام القاضي.
لم يكن فيها سوى سطر واحد، مكتوب بخط متعجل
اللي اسمه يبدأ بحرف ع… موجود جوه القاعة من أول الجلسة.
وفور أن انتهى القاضي من قراءة الجملة…
رفع رأسه ببطء.
وأخذ يمرر نظره على وجوه كل الموجودين داخل القاعة…








