
وكأنه يحاول لأول مرة أن يرى القاتل الحقيقي اتفتح باب القاعة ببطء…
ودخل رجل في أوائل الخمسينات، لحيته امتلأت بالشيب، وملامحه مرهقة كأنه ما نامش من سنين.
-
المشردمنذ يوم واحد
-
رحت اكشف عند دكتورة غير جوزىمنذ يوم واحد
-
كنت فى الطيارةمنذ يوم واحد
-
خروج حمايامنذ يومين
أول ما شافته أمينة…
شهقت.
حسام!
وقف حسام مكانه، وبص لأمينة بحزن.
سامحيني…
أنا السبب إنك عيشتي أربع سنين في العذاب.
القاضي ضرب بالمطرقة.
قبل أي كلمة… قول اسمك كامل.
حسام عزت الشامي.
وتعرف أطراف القضية؟
أعرفهم كلهم… وأعرف الحقيقة من أولها.
القاعة سكتت تمامًا.
القاضي قال
الضابط قال إن عندك شرط.
هز حسام رأسه.
أيوه.
إيه هو؟
نظر حوله، ثم قال
عايز أكلم نادية الأول… وأسمع صوتها قدام الكل.
ساد الصمت.
القاضي شغّل الهاتف على مكبر الصوت.
رن مرة…
ومرتين…
ثم جاء صوت نادية.
أيوه يا حسام.
أغمض حسام عينيه.
الحمد لله… لسه عايشة.
ردت بهدوء
لولا وصية طارق… ما كنتش هعيش لحد النهارده.
بمجرد ما نطقت باسم طارق…
اتجهت كل الأنظار إلى ملك.
البنت الصغيرة كانت ماسكة موبايل أبوها بكلتا يديها، ودموعها بتنزل في صمت.
القاضي سأل
إيه علاقة طارق بالقصة؟
تنهد حسام طويلًا.
الحقيقة… طارق ما ماتش في حادث عادي.
همهمة قوية انتشرت في القاعة.
فؤاد صاح بعصبية
كفاية كذب!
لكن حسام كمل وهو ينظر للقاضي
قبل وفاته بثلاث أيام، طارق سلمني ظرف وقال لي لو حصلي حاجة، متفتحهش إلا لو أمينة اتهموها.
أمينة وضعت يدها على قلبها.
كان عارف؟
هز حسام رأسه.
كان حاسس إن فيه مصيبة جاية.
القاضي قال
والظرف فين؟
أخرج حسام من داخل سترته ظرفًا قديمًا، أطرافه صفراء من الزمن.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه بخط واضح
يفتح بحضور القاضي فقط.
مدّ حسام الظرف للقاضي.
القاضي أمسكه ببطء.
وفؤاد بدأ يتراجع للخلف خطوة… ثم خطوة.
لاحظ الحرس حركته، فأحاطوا به فورًا.
كسر القاضي ختم الظرف.
أخرج منه ورقة واحدة… وصورة فوتوغرافية قديمة.
قرأ أول سطر من الرسالة…
فتغيرت ملامحه تمامًا.
ثم رفع الصورة أمام الجميع.
لكن لم يسمح لأحد برؤيتها.
وقال بصوت منخفض
لو اللي في الرسالة دي صحيح…
فالقضية كلها… من أولها لآخرها… مبنية على كذبة واحدة.
وفي نفس اللحظة…
صدر من خارج المحكمة صوت انفجار هائل، اهتزت معه النوافذ، وانطفأت الكهرباء في القاعة بالكامل…
وغرق الجميع في الظلام القاضي وقف من مكانه ببطء.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت حازم
من هذه اللحظة… كل شخص موجود في القاعة هيعرّف نفسه بالكامل، ومحدش هيتحرك خطوة واحدة.
بدأت الأسماء تُسجل.
المحامون…
أفراد الأمن…
موظفو المحكمة…
الصحفيون…
وفجأة، أثناء مراجعة الكشف، توقف القاضي عند اسم واحد.
علاء مرسي.
رفع رأسه وقال
فين الأستاذ علاء؟
رجل في الأربعينات، يرتدي بدلة سوداء ونظارة طبية، رفع يده بهدوء.
أنا يا فندم.
القاضي قلب بعض الأوراق، ثم سأل
إنت صحفي؟
رد الرجل بثقة
أيوه… جريدة يومية.
لكن أحد الضباط اقترب وهمس في أذن القاضي
يا فندم… كارنيه الصحافة اللي معاه مزور.
تغيرت ملامح علاء للحظة…
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
وقال
واضح إنكم بدأتوا تقربوا.
وقبل أن يقترب منه الحرس…
خلع النظارة بنفسه، ووضعها على المنضدة.
ثم قال بهدوء غريب
أنا مش هقاوم… لأن اللي تعرفوه لحد دلوقتي، نقطة في بحر.
القاعة سكتت تمامًا.
القاضي سأله
تعرف نادية؟
أجاب
من سنين.
وتعرف حسام؟
أكتر مما تتخيل.
وطارق؟
هنا فقط اختفت الابتسامة من وجه علاء.
خفض رأسه وقال
كان صاحبي…
وسكت.
أمينة كانت تنظر إليه في ذهول.
همست
أنا شفتك قبل كده…
رفع علاء عينيه إليها.
شفتِني… لكن باسم تاني.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
أنا كنت بدخل بيت المنشاوي كل أسبوع… لكن محدش كان يعرف اسمي الحقيقي.
في تلك اللحظة، رن هاتف القاضي مجددًا.
نادية.
رد بسرعة.
قالت
متابعة القراءة
4
رواية كاملة
بصوت متوتر
أوعى تصدق كل اللي هيقوله.
رد علاء وهو ينظر إلى الهاتف مباشرة
وأنا مستنيك من سبع سنين يا نادية… تعالي المحكمة بنفسك.
لأول مرة…
ترددت نادية.
ثم قالت جملة أربكت الجميع
لو دخلت المحكمة دلوقتي…
في ناس هتعرف إن القضية دي أكبر من مجرد سرقة أو قتل.
القاضي قال
يعني إيه؟
لكن…
انقطع الخط مرة أخرى.
أما علاء، فابتسم ابتسامة غامضة وقال
واضح إنها لسه مش مستعدة تقول الحقيقة كلها…
وأنا كمان…
لسه ما بدأتش اعترافي الحقيقي القاضي نظر إلى علاء طويلًا، ثم قال
المحكمة هتسمع الحقيقة كاملة… دلوقتي.
تنهد علاء، وأغمض عينيه للحظة، ثم بدأ الكلام.
من سبع سنين، مرات فؤاد المنشاوي اكتشفت إن جوزها
بيستخدم شركاته في عمليات غير قانونية، وجمعت كل المستندات في ملف واحد. نادية كانت سكرتيرتها، وطارق كان السواق اللي ساعدها تهرب الملف من الفيلا.
صمت لحظة ثم أكمل
فؤاد عرف. حاول يسترجع الملف بأي تمن. وفي الليلة دي حصل الحريق.
أمينة شهقت.
علاء قال
نادية هربت قبل الحريق بدقائق، لكن واحدة تانية ماتت في المكان، واتعرفت بالغلط على إنها نادية. ومن يومها، الكل افتكر إن نادية ماتت، وهي فضلت مستخبية علشان تحافظ على الأدلة.
القاضي سأل
وعقد نجمة النيل؟
ابتسم علاء بحزن.
العقد اتسرق فعلًا… لكن مش أمينة اللي سرقته. فؤاد بنفسه خبّاه، ولما حس إن التحقيق هيقرب منه، لفّق التهمة لأمينة علشان الكل يبص في اتجاه
تاني.
في هذه اللحظة، دخل ضابط المحكمة مسرعًا.
وفي يده صندوق صغير من الحديد.
قال
يا فندم… أثناء تفتيش المكتب الرئيسي في شركة المنشاوي، لقينا ده.
فتح القاضي الصندوق أمام الجميع.
وفي داخله…
كان عقد نجمة النيل كما هو، داخل علبته المخملية.
انفجرت القاعة بالهمسات.
التفت القاضي إلى أمينة.
المحكمة تقضي ببراءة أمينة عبدالعال من جميع التهم، وإخلاء سبيلها فورًا.
انهارت أمينة من البكاء، واحتضنت ملك بقوة.
أما فؤاد، فحاول الاعتراض، لكن الحرس أحاطوا به.
قال القاضي
وتُحال أوراق القضية إلى النيابة للتحقيق في تهم تلفيق الأدلة، وإخفاء الحقيقة، والجرائم الأخرى التي كشفتها التحقيقات.
وبينما كان الحرس يقتاد
فؤاد خارج القاعة، التفت إلى أمينة وقال
سامحيني…
لكنها هزت رأسها وقالت بهدوء
المسامحة عند ربنا… أما أنا، فحقي رجع بالقانون.
في مساء اليوم نفسه…
كانت أمينة وملك تقفان أمام قبر طارق.
وضعت ملك باقة ورد صغيرة وقالت
بابا… وعدك اتحقق. ماما رجعت بريئة.
وفي تلك اللحظة، ظهرت سيارة سوداء على بُعد أمتار.
نزلت منها امرأة ترتدي نظارة سوداء.
اقتربت بهدوء، ووضعت وردة بيضاء على القبر.
نزعت النظارة…
كانت نادية.
ابتسمت لأمينة وقالت
خلاص… دوري انتهى.
حاولت ملك أن تجري نحوها، لكن نادية استدارت وغادرت دون أن تنظر خلفها، تاركة وراءها كل أسرار السنوات السبع.
رفعت أمينة عينيها إلى السماء وهمست
الحمد لله… الحقيقة مهما اتدفنت، لازم ييجي يوم وتظهر.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








