روايات وقصص

طالبه تنقذ طائره

رفعت نورهان سماعة الراديو، وابتلعت ريقها، ثم تحدثت بصوت نقي،

هادئ، وخالٍ تمامًا من أي ارتعاش برج المراقبة هنا الطيارة MS804. الكابتن والمساعد في برج المراقبة، عمّ صمت تام لثوانٍ معدودة، قبل أن يرد المراقب الجوي بصوت مشدود ومسؤول آنسة نورهان؟! هل تسمعينني جيدًا؟ هل أنتِ بمفردك في الكابينة؟! أنا لوحدي، وتم استعادة السيطرة الجزئية على الطيارة ونظام التهوية بدأ يعمل. الكابتن ومساعده بحاجة لتدخل طبي فوري فور الهبوط. أحتاج توجيهًا لأقرب ممر هبوط حالاً!

المراقب الجوي، وهو شخص خبير قضى عقودًا في الأبراج، سمع نبرة الثقة والهدوء في صوتها. لم يتردد لحظة واحدة مفهوم يا نورهان. الطاقم الطبي والأمني في انتظارك

على الممر رقم 3. أنظمتنا كلها معك، سنرشدك خطوة بخطوة. حافظي على هذا الثبات.

الهبوط الأخير

بدأت نورهان في تنفيذ إجراءات الهبوط. تدريبات أجهزة المحاكاة التي امتزجت بدمائها طوال سبع سنوات أصبحت حقيقة حية. حسابات الارتفاع، زاوية الهبوط، سرعة الرياح، ومسافة المدرج كل شيء كان يتحرك  أمام عينيها.

 

حالة دعاء مستمر. مدحت حلمي كان جالسًا، مغمض العينين، ويداه بقوة شديدة. أدرك حينها كم كان ساذجًا حين ظن أن الأحلام تقاس بالعمر أو المظاهر. الفتاة التي بها قبل ساعات في المطار، تحمل الآن حياته وحياة المئات على كاهلها الصغير.

انخفضت الطيارة تدريجيًا. عجلات خرجت بصوت

ميكانيكي واثق.

الإضاءة الأرضية لمطار القاهرة بدأت تقترب بسرعة مخيفة.

انتبهي يا نورهان، السرعة أعلى قليلاً، خففي الدفع بنسبة عشرة بالمائة جاء صوت المراقب الجوي عبر السماعة.

نفذت الأمر بحرفية تامة.

مع تباطؤ الطيارة وتوقفها التام في نهاية المدرج، انطلقت صفارات الإنذار لتتوقف تمامًا، وعمّ صمت مذهل داخل الطيارة تلاه انفجار من التصفيق الحاد، الصياغ، ودموع الڤرج التي غطت وجوه الركاب.

على أرض الواقع

فتحت أبواب الطيارة الطوارئ، وتدفق طاقم الإسعاف والأمن لإنقاذ الطيارين المصابين.

في تلك اللحظة،

متابعة القراءة

5

طالبة تنقذ طائرة

فتحت نورهان باب الكابينة وخرجت لتلتقي بعيون الركاب. لم تكن هناك هتافات عادية، بل نظرات إجلال وامتنان عميق لا توصف.

مدحت حلمي اقترب منها ببطء، ووجهه يغمره شعور بالغ بالخجل والاحترام. وقف أمامها وقال بصوت خاڤت ومتحشرج

أنا آسف يا بنتي. كنت جاهل لما افتكرت إن الأحلام بتنتهي عند حدود الكلام. أنقذتي حياتنا كلنا اليوم.

نابت نورهان ابتسامة خفيفة وهادئة، ولم تعقب بكلمة چرح، فالحقيقة الأكبر كانت تتحدث عن نفسها.

خرجت من المطار، وهناك، رأت

سيارة والدها تنتظر عند البوابة. كان الكابتن محمود واقفًا بجانب السيارة، يستند إلى عصاه، وعيناه تلمعان  التي لم يستطع إخفاءها.

ركضت نحوه، ورتمت في حضنه غير مبالية بكل ما حدث حولها.

مسح على شعرها بحنان بالغ،

وقال بصوت مليء بالفخر قالوا عليها مجرد طالبة يا نورهان بس هما ماكنوش يعرفوا إن السما ما بتسألش عن السن، السما بتسأل مين اللي جاهز بجد.

ابتسمت نورهان وهي تنظر نحو السماء الصافية، وتأكدت أن رحلتها الحقيقية في الحياة قد

بدأت للتو.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى