روايات وقصص

جوزي أدا

3

جوزي ادا

مقالات ذات صلة

محمود زقه ناحيتي.

“امضي على ده.”

فتحت الدوسيه.

كان عقد تنازل ونقل ملكية مشاع مناصفة، مكتوب بصيغة كئيبة ومليان أخطاء قانونية، بس هدفه واضح زي الشمس: عايزين يخلوني أكتب نص الشقة باسم محمود بالعافية.

“لو إحنا بيت واحد وبتحبيني بجد”، قالها محمود، “مش هتمانعي ولا تعملي مشكلة.”

سامية ابتسمت بانتصار:

“الأصيل ما بيبخلش على جوزه بالأمان يا حبيبتي.”

قفلت الدوسيه بهدوء.

“واللي بتحترم نفسها ما بتفتحش أدراج مش بتاعتها.”

وش سامية اتغير واسودّ.

“اتكلمي بـ أدب معايا في بيت ابني!”

محمود ضرب الترابيزة بإيده بعنف:

“خلاص بقا يا أميرة! أنتِ بتهدي بيتك وتخربي على نفسك عشان شقة؟”

بصلته بهدوء يخوف:

“لا يا محمود.. انت اللي بتخرب بيتك عشان الطمع في شقة مش بتاعتك.”

طلعت الأوضة. ما لميتش حاجتي. مسكت شنطة سفر سوداء، وحطيت فيها هدوم محمود، شواحنه، جزمه بتاعة الشغل، وإزازة البرفان اللي أمه جابتهاله في عيد ميلاده.

نزلت بالشنطة. سامية كانت واقفة مستعدة للردح:

“أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تطرديه من بيته؟”

“أنا ما بطردوش”، رديت ونظرتي ثابته. “أنا بقوله إني طالبت الطلاق، وموضوع الشقة المحاميين هم اللي يتكلموا فيه.”

بعدين بصلتها هي:

“أما أنتِ.. فبرة حالا. مالكيش قعدة في بيتي من اللحظة دي.”

سامية فتحت بوقها عشان تضحك بتهكم وتزعق.

في اللحظة دي بالضبط، جرس الباب رن.

كان في اتنين أمناء شرطة واقفين برة الباب.

واحد منهم كان ماسك في إيده صورة المحضر ورقم البلاغ اللي عملته في القسم بعد الضهر.

ولأول مرة من يوم ما دخلت حياتي.. سامية ملقتش كلمة واحدة تقولها.

الشرطة طلبت البطاقات.

محمود كان مذهول، ومكانش مصدق إن الضابط واقف في نص الصالة وبيراجع الورق.

“المحضر هنا فيه بلاغ تعدي بالضرب، وإثبات حالة بدخول بدون إذن”، أمين الشرطة قالها وهو بيبص لسامية وللعلامة اللي تحت عيني: “والدكتورة أرفقت الفيديوهات والتقرير الطبي المبدئي.”

سامية وشها اصفرّ، ولسانها اللي مكانش بيبطل ردح اتقطع. مسكت في دراع محمود وهي بترتعش: “شوف مجنونة الطلاق دي جايبة لنا البوليس في نص الليل عشان تبهدلنا!”

محمود حاول يعمل فيها راجل البيت، وقرب من الضابط بصوت متوتر: ” يا فندم ده خلاف عائلي بسيط بين مرات وأمها، مفيش داعي للتضخيم ده، إحنا هنحلها سوا.”

“الخلاف العائلي لما يكون في بيتكم”، رد الضابط بنبرة ناشفة: “لكن المدام معاها عقد ملكية مسجل، والمحضر رسمي. وحضرتك يا مدام سامية مطلوب منك تتفضلي معانا القسم عشان استكمال التحقيق، أو تخرجي من الشقة فوراً بشنطة هدومك من غير أي شوشرة.”

محمود بصلي بعيون مليانة غضب وكسرة: “أنتِ بتبهدلي أمي يا أميرة؟ عشان شقة؟”

“أنا مبهدلتش حد يا محمود”، رديت بصوت واطي بس ثابت كالجبل: “أمك هي اللي بكتني لما مدت إيدها عليا، وأنت اللي بهدلتني لما فتحتلها الباب وعايز تاخد شقتي بالقوة.”

سامية مكانش قدامها حل. زقت شنطتها الصغيرة وهي بتتحسبن وتدعي عليا، ومحمود مسك شنطة هدومه اللي رميتهاله، وأخد أمه ونزلوا مع رجال الشرطة في سكوت تام، كأنهم طالعين من جنازة.

تاني يوم الصبح، كانت شقتي فاضية.

السكون كان مليان راحة ونضافة، بس كان فيه وجع خفيف في قلبي. مش عشان محمود، ولكن على الـ 6 سنين اللي ضاعوا مع راجل كان شايفني مجرد “عقد شقة” ومستقبل مضمون.

أستاذة نيفين، المحامية، بدأت فوراً في إجراءات رفع دعوى الطلاق للضرر، وأرفقت الفيديوهات، المحضر، شهادة الشهود من العمارة، وتقرير المستشفى.

محمود حاول يتصل بيا 20 مرة في اليوم. بعد أسبوع، بعتلي رسالة:

“أميرة، كفاية جنون. أمي تعبانة وقاعدة عند أختي، وأنا مش عارف أعيش من غيرك. تعالي نتفاهم ونلغي المحاضر، ومش هطلب منك تسجلي الشقة باسمي تاني.”

رديت عليه بمسج واحدة بس:

“أنا مش زعلانة منك يا محمود.. أنا زعلانة على نفسي إني تأخرت 6 سنين عشان أفهم نصيحة ستي زينب.”

عملتله بلوك.

بعد 4 شهور في المحاكم، والقضية شغال فيها كشف المستندات، القاضي شاف الفيديوهات والمحضر الرسمي. محمود حاول يماطل ويقول إن البيت كان “بيت الزوجية”، بس نيفين قدمت عقد الشقة المؤرخ قبل جوازنا بسنتين، مع شهادة إثبات إن المصاريف بالكامل كانت من حسابي الخاص.

القاضي حكم بالطلاق للضرر، وتم توثيق كل حقوقي كاملة.

اليوم اللي استلمت فيه وثيقة الطلاق، رجعت مصر الجديدة.

فتحت البلكونة، شلت الستاير التقيلة اللي كانت حماتي معلقاها، ورميتها في الزبالة. فتحت الشبابيك عشان الهوا يدخل والشمس تنور الصالة.

قعدت على الكنبة، مسكت بطانية ستي زينب المطرزة، وضميتها لعندي.

لأول مرة من 5 شهور، حسيت إني بتنفس هواء نقي. الشقة مكانتش مجرد حيطان أو ورق أزرق مسجل… الشقة كانت أماني، وراحتي، وكرامتي اللي أصريت أدافع عنها وما أسبهاش لحد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى