روايات وقصص

وأنا ١٤ سنة

“الدكتور ريكاردو الشاذلي”… لم يكن مجرد رجل مسن ضل طريقه بين أروقة المستشفى. كان العالمي المتقاعد، والمؤسس والمالك الرئيسي لأكبر شبكة مستشفيات ومجموعات عقارية وخدمية في مصر والشرق الأوسط، الرجل الذي تزن كلمته الملايين، والتي تسعى أكبر مؤسسات الدولة لنيل رضاه!

لورديس تقدمت بسرعة وهي تلتقط أوراق الملف الملقاة على الأرض — “يا فندم… الشؤون الاجتماعية بره بتستكمل الإجراءات لأن والد الطفلة تركها هنا ورفض يستلمها…”

مقالات ذات صلة

قاطعها عم ريكاردو وهو يقف ببسطة وثبات، ونظرلي بعينين مليئتين بحنان الأب ورعايته:

— “الشؤون الاجتماعية مش هتاخد الطفلة دي لبيت رعاية يا لورديس. ماريانا من الليلة دي تحت رعايتي وكفالتي القانونية والشخصية المباشرة. اتصلي بمدير المستشفى وبالمكتب القانوني لمؤسستي فورًا عشان ينهوا كل الأوراق.”

دموعي نزلت كالسيل، لكن المرة دي مكنتش … كانت طفلة وجدت سندًا حقيقيًا في أحلك لحظات حياتها.

سنوات البناء والتحول:

من تلك الليلة المظلمة في مستشفى الجيزة، تغير مجرى حياتي بالكامل.

عم ريكاردو لم يكتفِ بكفالتي قانونيًا، بل فتح لي أبواب بيته وقلبه. عشت في قصر هادئ، وأحاطني برعاية نفسية وتعليمية لم أكن أحلم بها. كان يراني الابنة التي لم ينجبها، وكان يرى في ذكائي وإصراري الامتداد الحقيقي لشغفه.

التحقت بأفضل المدارس الخاصة، وثم دخلت كلية التجارة وإدارة الأعمال، وتخصصت في تدقيق الحسابات والأنظمة المالية. طوال 13 سنة، لم أبحث عن الانتقام، ولم أعد للوراء، بل ركزت كل طاقتي ل أكون الإنسانة القوية الشامخة التي أردتُها دائمًا.

ليلة الحساب وسقوط الأقنعة:

بعد 13 سنة كاملة…

كنت في أواخر العشرينيات من عمري، أعمل كمديرة تنفيذية ورئيسة لقطاع التدقيق المالي والشؤون القانونية في مجموعة “الشاذلي القابضة”.

وفي أحد أيام الخريف، دخل عليّ سكرتير المكتب بملف جديد:

— “مهندسة ماريانا… عندنا طلب عاجل لإعادة جدولة ديون ورهن عقاري لشركة كهرباء وأنظمة هندسية صغيرة مقيدة بـ 12 مليون جنيه، وصاحب الشركة ومحاميته بره بيترجوا المقابلة لمنع إشهار الإفلاس والتحفظ على ممتلكاتهم.”

فتحت الملف…

كان اسم الشركة: “مؤسسة أليخاندرو للحلول الكهربائية”.

قلت للسكرتير بهدوء:

— “أدخلهم فورًا لمكتب الاجتماعات الرئيسي.”

دخل أبي أليخاندرو… كان رجلًا في الستينيات من عمره، شعره أصبح أبيض بالكامل، ظهرهنحنٍ، ووجهه ملئ بالتعب والانكسار. وبجواره كانت تترجل فيرونيكا، التي بدت عليها آثار التكلف والمكياج الصارخ لداري تقدم السن، وهي تلبس نظارتها الشمسية وتتأفف من الانتظار.

أبي لم يرفع عينيه في البداية، كان يرتعد وهو يضع ملف الشركة والمستندات على الطاولة الفاخرة:

فيرونيكا قطعت كلامه ببرود واستعلاء:

— “إحنا محتاجين مهلة 6 شهور بس لجدولة الديون، وأكيد الموارد البشرية عندكم تقدر تقدر تاريخ الشركة!”

جلست خلف مكتبي العريض، ونزلت نظارتي الطبية ببطء، ونظرت إليهما .

صوتي خرج بثبات وجليد هز أركان القاعة:

— “المهلة مرفوضة يا أستاذ أليخاندرو.”

أبي رفع رأسه بذهول… أول ما عينيه وقعت على وجهي، اتسعت حدقتاه، والملف سقط من بين يديه على الطاولة.

تجمّد مكانة، وفتحت فيرونيكا فمها بصدمة وذهول وهي تتأمل ملامحي:

— “مـ ماريانا?!

أبي بلع ريقه وصوته خرج كالحشرجة:

— “ماريانا؟! بنتي?!”

ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقلت له بثبات:

— “أنا مش بنتك يا أليخاندرو بيه… أنت نسيت إني من 13 سنة مكنتش بنتك لما سبتني في مستشفى حكومي ومعايا 37 جنيه في الشنطة وموبايل فاصل شحن عشان تظبط مزاج مراتك اللي اتهمتني بزر وسرقة سلسلة أمي الراحلة?!”

فيرونيكا بدأت تتلجلج وتتلوى وارتبكت كليًا:

— “يا ماريانا يا حبيبتي… ده كان سوء فهم زمان! وأبوكي كان خايف عليكِ!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى