قصص و روايات

حماتي

ثم وقف محمود أمام القاضي وأدلى بشهادته بكل وضوح. ولما انتهت الجلسة، خرجت حماته وهي منهارة، وقفت أمام ريهام وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك لما تطلقي من ابني هتضيعي.” ريهام ردت: “وأنا كنت فاكرة إني محتاجة أثبت لك إني أقدر أعيش من غيره.” سكتت لحظة، ثم ابتسمت: “لكن اكتشفت إن الموضوع أكبر من كده.” “إيه؟” “إني مش محتاجة أثبت لأي حد أي حاجة أصلًا.” في اليوم التالي صدر القرار برفض كل مطالبات حماتها، وأُغلقت القضية نهائيًا. أما ريهام، فبدل ما تحتفل بانتصارها، عملت حاجة محدش توقعها؛ تبرعت بجزء من أرباح الشركة لصندوق يساعد السيدات اللي بيبدأوا حياتهم من الصفر. وفي المساء، وصلها اتصال من محمود. “ريهام؟” “أيوه.” “أنا مش هطلب منك ترجعي.” “كويس.” ضحك: “بس هطلب طلب واحد.” “إيه؟” “لو في يوم احتجتي صديق، تسمحيلي أكون الصديق ده؟” ريهام سكتت طويلًا، ثم قالت: “الصداقة محتاجة ثقة، والثقة بتتبني مش بتتطلب.” رد: “هبدأ أبنيها.” قفلت المكالمة، وبصت من شباك مكتبها للمدينة وهي منورة. افتكرت الليلة اللي حماتها قدمت لها فيها ورقة الطلاق وسط الناس، وهي كانت فاكرة إنها بتكسرها.. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. ورقة الطلاق ما كانتش نهاية ريهام، كانت أول ورقة في فصل جديد؛ فصل مفيهوش خوف، ولا تقليل، ولا انتظار لموافقة حد. وكانت آخر جملة كتبتها ريهام في مذكرتها: “أحيانًا الناس تظن أنها عندما تغلق بابًا في وجهك تكون أنهت حياتك، بينما هي في الحقيقة أجبرتك على اكتشاف الأبواب التي لم تكن تجرؤ على فتحها.” ومن يومها، لم تعد ريهام تحاول أن تنتقم من حماتها، لأنها اكتشفت أن أجمل رد إنك تعيش سعيد، ناجح، ومرتاح من غير ما تحتاج تكسر الشخص اللي حاول يكسرك.

مرت سنة كاملة. في صباح هادئ، كانت ريهام واقفة وسط مقر شركتها الجديد اللي بقى أكبر بكتير من المكتب الصغير. على الحائط كانت صور أول مجموعة سيدات اتدربوا عندها، وتحت كل صورة اسمها وقصة نجاحها. دخلت السكرتيرة وقالت: “مدام ريهام، في ضيفة مستنياكي.” “مين؟” “مدام سعاد.” ريهام سكتت لحظة.. مدام سعاد حماتها السابقة، وقالت: “خليها تدخل.” دخلت سعاد وهي مختلفة تمامًا عن الست اللي ظهرت في حفلة عيد الجواز؛ مفيش مظهر متباهٍ، مفيش نظرة غرور، ومفيش صوت أوامر. كانت ماسكة ملف صغير بإيديها، قعدت قدام ريهام وقالت: “أنا مش جاية أطلب منك ترجعي لمحمود.” ريهام ابتسمت: “كويس.” “ومش جاية أطلب منك فلوس.” “أمال جاية ليه؟” فتحت الملف؛ كان فيه أوراق تخص جمعية خيرية صغيرة أسستها سعاد لمساعدة السيدات المحتاجات. قالت: “أنا عايزة أبدأ أصلح اللي أقدر أصلحه.” ريهام بصت للأوراق باستغراب: “إيه اللي حصل؟” سعاد تنهدت: “لما خسرت القضية، افتكرت إني خسرتك وخسرت ابني. لكن محمود قال لي حاجة وجعتني.” “قال إيه؟” “قال لي يا أمي، ريهام ما كانتش السبب في إن ابني يبقى بعيد عنك، إنتِ اللي خليتي كل واحدة تقف في صف بدل ما تخلي البيت يجمعنا.” ريهام سكتت. كملت سعاد: “أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني، لكن الحقيقة إني كنت بخسره.” ثم مدت الملف لريهام: “أنا عايزة الجمعية دي تشتغل تحت إشراف شركتك، من غير ما آخد لنفسي أي فضل.” ريهام قلبت الأوراق، وبعد لحظة قالت: “هساعدك.” رفعت سعاد عينيها بدهشة: “بعد كل اللي عملته؟” ريهام ابتسمت: “أنا ساعدتك مش عشان أنسى اللي حصل، ساعدتك عشان أنا اخترت أبقى الشخص اللي أنا فخورة بيه.” دمعت عينا سعاد. وفي نفس الأسبوع، بدأ التعاون بين الشركة والجمعية. أما محمود، فكان بعيدًا عن كل شيء، لم يحاول الضغط على ريهام ولم يطلب منها العودة، اكتفى بأنه يثبت بأفعاله إنه تغير. وبعد عدة أشهر، كانت ريهام في حفل كبير لتكريم السيدات صاحبات المشروعات الناجحة. وقبل صعودها للمسرح، فوجئت بمحمود واقفًا في آخر القاعة. ابتسم لها، لم يقترب ولم يطلب شيئًا. فهمت ريهام الرسالة. بعد انتهاء الحفل، خرجت إلى الخارج ووجدته ينتظر على مسافة. قال: “مبروك.” “الله يبارك فيك.” سكت قليلًا ثم قال: “أنا فخور بيكي.” ريهام ابتسمت: “وأنا فخورة بنفسي.” ضحك وقال: “وده أهم.” كان ممكن في اللحظة دي تبدأ قصة رجوع، لكن ريهام لم تتسرع، قالت: “محمود، يمكن في يوم من الأيام نبدأ نتعرف على بعض من جديد، لكن المرة دي من غير تدخلات، ومن غير خوف، ومن غير حد يقرر عننا.” ابتسم محمود: “أنا مستعد أستنى.” ومشيت ريهام بجانبه، لكن مش كزوجة مكسورة بتدور على أمان ولا كست عايزة تنتقم، كانت ماشية كامرأة عرفت قيمتها. وفي آخر الطريق، وقفت أمام شركتها ونظرت إلى اللافتة، ثم قالت لنفسها: “أنا يوم ما استلمت ورقة طلاقي، افتكرت إن حياتي انتهت، لكن الحقيقة إن حياتي الحقيقية كانت لسه بتبدأ.” وهكذا انتهت حكاية ريهام، مش بانتصارها على حماتها ولا برجوعها لمحمود، لكن بانتصارها على الخوف اللي كان طول عمره بيمنعها تعيش لنفسها. وأجمل نهاية كانت إنها أخيرًا بقت صاحبة القرار في حياتها.

بعد ستة شهور، كانت ريهام في مكتبها بتراجع حسابات الشركة لما دخلت السكرتيرة بسرعة وقالت: “مدام ريهام، في مشكلة كبيرة.” رفعت ريهام رأسها: “إيه اللي حصل؟” “في حد اشترى نصيب كبير من الشركة المنافسة، وبدأ يقدم عروض لعملائنا عشان يسحبهم مننا.” ريهام قامت من مكانها: “مين؟” السكرتيرة حطت ملف على المكتب. ريهام فتحت الملف، ولما شافت الاسم اتصدمت: “محمود.” سكتت ثواني. قالت السكرتيرة: “محمود زوجك السابق؟” ريهام ردت: “أيوه.” لكنها رفضت تتصرف بانفعال وقالت: “حدديلي اجتماع معاه.” في اليوم التالي، دخل محمود المكتب، قعد قدامها وقال: “أنا عارف إن الموضوع شكله غريب.” “مش غريب، بس مقلق.” ابتسم: “قبل ما تحكمي عليا، افتحي الملف.” فتحت ريهام الملف، واكتشفت إن محمود لم يشترِ الشركة المنافسة ليحاربها، بل اشترى حصتها لإنقاذها من رجل أعمال كان يحاول احتكار السوق وإجبار ريهام على بيع شركتها. رفعت عينيها: “ليه عملت كده؟” قال: “عشان لما كنتِ مراتي، كنتِ بتقوليلي إن حلمك مش للبيع.” “وأنت فاكر ده يخليك تدخل في شغلي من غير إذني؟” خفض عينيه: “لا، وعشان كده لو مش عايزة الصفقة، هنسحب فورًا.” لأول مرة، ريهام شعرت إن محمود فعل شيئًا مختلفًا؛ لم يفرض، لم يأمر، ولم يستعمل نفوذه، ترك القرار لها. قالت: “أنا موافقة، بشرط واحد.” “قولي.” “الشركة تفضل مستقلة، وأنا صاحبة القرار فيها.” ابتسم: “موافق.” وقبل ما يخرج، وقف وقال: “ريهام، أنا زمان كنت فاكر إن التمسك بالرأي هو كل شيء، دلوقتي عرفت إن احترام قرار اللي قدامك هو الأهم، حتى لو القرار مش على مزاجك.” ريهام ابتسمت: “أهو كده بدأت تفهم.” خرج محمود، وفي نفس اللحظة وصلتها رسالة من حماتها: “أنا سمعت إن محمود ساعدك. كنت فاكرة إنه هيحاول يضايقك، لكنه قالي إنك أقوى واحدة عرفها في حياته.” ريهام قرأت الرسالة، ثم أغلقت الهاتف. لم تكن محتاجة رد، لأنها أدركت شيئًا مهمًا: الناس فعلًا ممكن تتغير، لكن التغيير الحقيقي مش بالكلام، التغيير الحقيقي إن الشخص يتصرف بشكل مختلف لما محدش يكون مجبره يعمل كده. وفي نهاية اليوم، وقفت ريهام أمام نافذة مكتبها، كانت المدينة تحتها مليانة أضواء، ابتسمت وقالت: “الحكاية بدأت بورقة طلاق وانتهت بحياة أنا اللي اخترتها.” ولأول مرة، لم تكن ريهام تنتظر المفاجأة القادمة، لأنها أصبحت هي صاحبة القرار في كل مفاجأة تأتي بعدها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى