روايات وقصص

قصة عودة من أجل الأهل

عدتُ دون إبلاغ أحد إلى “الرياض”، وسمعتُ أبي يستأذن للجلوس إلى الطاولة التي صنعها بيده. كان والداي يتعشّيان في غرفة الأدوات بينما “نورة” تتبادل الأنخاب في مجلسهما. قالت هي: “من الأفضل أن تأكلا في غرفتكن كي لا تزعجا أحداً”. لم أجادل؛ جمّدتُ الحسابات البنكية واتصلتُ بالمحامي، إلى أن رأيتُ ما كان أبي يخفيه تحت اللوح الخشبي.

 

الجزء الأول

في الليلة التي رأى فيها “فيصل” والده يستأذن للجلوس إلى الطاولة التي صنعها بنفسه، أدرك أن هناك من حوّل والدَيه إلى ضيفين ثقيلين في بيتهما.

طوال 12 عاماً، عاش فيصل بين دبي ولندن وبروكسل يؤسس شركة برمجيات تجاوزت قيمتها الملايين. كان يرسل المال شهرياً لوالدَيه “أبو فيصل” و”أم فيصل”، متوهماً أن ذلك يكفي ليعيشا كبرهما بسلام في بيتهما الواسع بحي “الصحافة”، البيت الذي شيداه بـ 30 عاماً من الكفاح. كان أبو فيصل نجّاراً ماهراً، وأم فيصل خيّاطة؛ وكل باب وكل خزانة، بل وحتى طاولة الطعام، تحمل بصمة من أيديهما.

لكن مكالمة هاتفية في الساعة 12:18 ليلاً غيرت كل شيء.

تحدثت أم فيصل لنحو 40 ثانية فقط، قالت إنها بخير، وأن أبا فيصل نائم، ولا يحتاجان لأي شيء. وفجأة، قاطع الحوار صوت امرأة من الخلف:

— ألم أقل لكِ إن هذا الهاتف يغلق في الليل؟

عرف فيصل الصوت فوراً؛ إنها “نورة”، زوجة أخيه “خالد”.

وقبل أن تغلق الخط، همست الأم:

— لا تأتِ يا بني.

ستقل فيصل أول طائرة في الصباح متجهاً إلى الرياض دون أن يخبر أحداً. نزل في فندق صغير بالقرب من الحي، ومع هبوط المساء، مشى في الشارع الذي نشأ فيه.

من الرصيف المقابل، رأى والدَيه عائدين من البقالة. كان أبو فيصل يرتدي حذاءً بالياً، بينما تحمل أم فيصل كيساً فيه خبز وحليب وعلبتان من اللبن. ولم يدخل أي منهما من الباب الرئيسي.

التفا حول البيت عبر ممر جانبي واختفيا خلف باب الملحق الخارجي.

وقف فيصل مشدوهاً لا يتحرك.

لمحته جارته القديمة “أم فهد”، فاقتربت منه وخفضت صوتها وهي تسلّم عليه:

— ظننتك تعرف ما يحدث.

لم يحتج فيصل إلى أن يسأل عن التفاصيل.

اقترب من سور الفناء الداخلي وسمع صوت أبيه يقول:

— هل يمكننا أن نتعشى اليوم في المجلس؟

ردت نورة بهدوء يبعث على الألم أكثر من أي إهانة:

— الليلة سيأتي ضيوف لخالد. الأفضل أن تأكلا في الملحق حتى لا تزعجا أحداً.

بعدها، رأى فيصل والدَيه يحملان طبقين متجهين نحو غرفة الأدوات القديمة. كان فيها سريران ضيقان، وصناديق كرتونية، ومدافئة كهربائية صغيرة، وصور عائلية ملقاة على الأرض.

أما الجناح الرئيسي، الذي طالما زُيّن بلمسات أم فيصل لعقود، فقد أصبح الآن ملكاً لخالد ونورة.

كان فيصل على وشك أن يقتحم المكان ويطردهما من البيت.

لكنه لم يفعل.

لأنه في تلك اللحظة بالذات، رفع أبو فيصل لوحاً خشبياً سائباً تحت أحد السريرين، وتفقد شيئاً ما زال مخبأً هناك، ثم أعاد تغطيته بالسجادة.

أدرك فيصل حينها أن والده لا يتحمل الإهانة فقط… بل كان يخفي دليلاً.

الجزء الثاني

في الصباح التالي، طرق فيصل الباب متظاهراً بزيارة مفاجئة. شحب وجه نورة، لكنها في أقل من دقيقة غيّرت ملامح البيت: نادت أم فيصل بـ “يا أمي”، وسكبت القهوة لأبي فيصل، وأكدت أن العجوزين يفضلان النوم في الملحق الخارجي لأنه “أكثر هدوءاً”.

ابتسم فيصل وتظاهر بتصديقها.

وعندما مرّ بجانب أمه، دسّت أم فيصل ورقة في جيبه:

“لا تسأل أمامهما.”

بعد ساعات التقيا في مقهى بعيد. فتح فيصل تطبيق البنك؛ كان يرسل 15,000 ريال شهرياً منذ سنوات. أكدت أم فيصل أنهما لا يتسلمان سوى 3,000 ريال فقط.

كانت البطاقات البنكية بحوزة نورة.

أظهرت كشوف الحساب تحويلات إلى مكتب استشاري مرتبط بنورة، وتسديداً لديون خالد.

لكن محامي فيصل اكتشف ما هو أسرع وأسوأ: تقارير طبية، وإفادات عن “ضعف الذاكرة”، ووثائق تهدف إلى إثبات عدم أهلية أبي فيصل وأم فيصل لإدارة أملاكهما.

انهمرت دموع الأم:

— صمتنا لأن خالد أخوك.

في ذلك المساء، أخذ فيصل والده إلى الورشة القديمة، وهناك اعترف الأب أنه قبل 4 سنوات باع أرضاً ورثها ليعالج ديون خالد. ثم أضاف أن نورة جعلته يوقع على عدة أوراق أثناء مرضه.

وقبل العودة إلى البيت، فتح أبو فيصل درجاً، وأخرج مفتاحاً صدئاً صغيراً وقال:

— الأسوأ ليس ما وقّعته… بل ما ظهر لاحقاً وهو يحمل توقيعي.

الجزء الثالث

انتظر فيصل حتى خرج خالد ونورة للغداء يوم الجمعة التالي. وقفت أم فيصل عند نافذة الممر ترقب الشارع، بينما أغلق أبو فيصل باب غرفة الأدوات.

جثا الرجل المسن بصعوبة، وأزاح السجادة، ورفع اللوح الخشبي الذي رآه فيصل يتحرك في الليلة الأولى.

تحته كانت هناك علبة معدنية زرقاء، متآكلة الأطراف.

استقر المفتاح الصدئ في القفل.

لم يكن داخلها مال.

كان هناك ما هو أخطر بكثير:

صك الملكية الأصلي للبيت، إيصالات الترميم، عقود قديمة، خطابات البنك، وثائق بيع الأرض التي ضحى بها أبو فيصل لإنقاذ خالد، وعشرات الإيصالات للتحويلات. كانت أم فيصل تنظر إلى كل ورقة وكأنها ترى، مرتبة بالتاريخ، السنوات التي تنازلا فيها عن حياتهما الخاصة لدعم أحد أبنائهما.

ثم وجد فيصل تفويضاً لإدارة الأملاك مؤرخاً قبل 8 أشهر.

كان يتيح لخالد التصرف باسم أمه وأبيه في عمليات معينة، ويمنحه الصلاحية للحسابات المرتبطة بالبيت.

في الأسفل، كان هناك توقيع.

— يا أبي، هل هذا توقيعك؟

نظر الأب إليه لعدة ثوانٍ:

— يشبهه.

— لم أسألك إن كان يشبهه.

رفع العجوز عينيه:

— ليس توقيعي.

كانت أم فيصل تضع يدها على فمها ودموعها تسيل.

كان أبو فيصل يوقع الأوراق منذ أكثر من 50 عاماً؛ يعرف موضع ضغطه على القلم، وكيف ينهي الحرف الاخير، والرجفة الخفيفة التي أصابته بعد إصابة معصمه. كان التوقيع يحاكي الشكل العام، لكنه كان أملسَ وأكثر إتقاناً مما ينبغي.

صوّر فيصل كل شيء واتصل بمحاميه “عبد الرحمن”.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى