
كان عبد الرحمن حاسماً: لا يجوز مواجهة نورة الآن؛ إن شعرت بالخطر فستتلف الوثائق، أو تنقل الأموال، أو تختلق تفسيرات جديدة.
كان ذلك أصعب اختبار لفيصل: العودة إلى المجلس، والجلوس أمام المرأة التي سلب أمه مفاتيحها، والتظاهر بالجهل.
لمدة يومين تصرف كابن مشغول جاء للزيارة فقط، بل وأثنى على نورة:
— الحمد لله أنكما هنا، أنا من دبي لا أستطيع متابعة هذه الأمور.
وقعت في الفخ، وبدأت تتحدث بفخر عن الحسابات والمصروفات و”القرارات المسؤولة”، مكررة أن أبا فيصل يخلط بين التواريخ وأن أم فيصل توترها الأمور البنكية.
وقالت: “في سن معينة، الراحة والأمان أهم من الاستقلالية.”
أطرق أبو فيصل رأسه، وضغطت الأم بإصبعها على الفنجان.
ابتسم فيصل وقال: “أظن أنكِ على حق.”
في المساء نفسه، أخرجت نورة ملفاً:
— بما أنك هنا، لننهِ هذا الأمر.
كان بالداخل مستند جديد؛ يقر فيه فيصل رسمياً بأن خالد هو الشخص المناسب لإدارة جميع الشؤون المالية لوالديه.
كانت تبدو كمعاملة عائلية روتينية، لكن المحامي عبد الرحمن اكتشف أن بعض البنود يمكن أن تتحول لاحقاً إلى إثبات موافقة قانونية تامة.
أغلق فيصل الملف:
— سنوقعه غداً على العشاء، جميعاً.
تجلّدت ملامح نورة:
— لا داعي للتعقيد وإقامة اجتماع.
— بالنسبة لي، الأمر مهم.
— والداك يتعبان من هذه الأمور.
— إذن سيكون الاجتماع قصيراً.
وأضاف فيصل بنبرة عادية:
— سيحضر أيضاً عبد الرحمن، محاميّ الخصوصي، فهو يراجع كل ما أوقعه.
تشنج فكّ نورة، ولأول مرة فقدت قناع الصبر الذي ارتدمته لشهور.
لاحقاً، عندما كان فيصل يهم بالرحيل، لحق به خالد عند الكراج وقال بصوت خافت:
— لا توقّع.
نظر إليه فيصل: “لماذا؟”
تأكد خالد من عدم وجود نورة بالقرب منهما وقال:
— لأن هناك أوراقاً باسمي أنا نفسي لا أفهمها.
اتفقا على اللقاء في الورشة القديمة لأبيهما.
وصل خالد عند الغروب، وبدا وكأنه كبر أعواماً في بضعة أيام.
في البداية حاول التبرير، وقال إنه كان الابن الذي بقي في الرياض بينما كان فيصل يسافر، وإنه هو من كان يرافق والديه إلى الطبيب ويسمع شكواهما، وهو من وقف معهما عندما بدأت مشاكل ظهر والده وحاجة أمه لعملية المياه البيضاء.
وقال لخالد: “أنت كنت ترسل المال… أما أنا فكنت هنا.”
رد فيصل: “وبسبب وجودك هنا، هل كان لك الحق في سلبهم بيتهم؟”
أشاح خالد ببصره.
بدأت الحقيقة تخرج شيئاً فشيئاً.
قبل 4 سنوات، أفلست شركته الصغيرة للمقاولات، وأخذ قروضاً ووقع ضمانات ووثق بشريك اختفى وترك الفواتير متراكمة. فباع أبو فيصل أرضاً في الخرج كانت للملكية العائلية لثلاثة عقود وسدد معظم الدين.
وعده خالد بإعادة المال، لكنه لم يفعل قط.
وعندما انتقل هو ونورة مؤقتاً للبيت، بدأت هي بتنظيم الحسابات. في البداية كانت تدفع الفواتير وترافق الأم للبنك، ثم أقنعت خالد بأنه من الغباء ترك السيطرة الكاملة بيد الوالدين.
كانت تكرر: “يوماً ما سيعود فيصل ويقرر بيع البيت.”
وخالد، الممتلئ بالغيرة من نجاح أخيه وبالخجل من الاعتماد على والديه، وافق.
ثم وافق على تغيير الغرف.
ووافق على سحب البطاقات البنكية.
ووافق على إخبار الجيران بأن أبا فيصل بدأ ينسى ويهذي.
ووافق على توقيع الأوراق.
كانت كل خطوة تبدو صغيرة… حتى جاء يوم أصبح فيه والداه يحتاجان إلى إذنهما فقط لاستخدام مجلسهما الخاص.
— هل سرقت المال؟ — سأله فيصل.
تردد خالد قبل أن يجيب:
— نعم.
ظلت الكلمة معلقة في هواء الورشة.
— كان جزء منه لديوني، وبعدها بدأت نورة بتحويل المزيد لحسابها، كانت تقول إن ذلك لحمايتنا.
— وأنت، ماذا كنت تحمي؟
لم يجد خالد جواباً.
أخرج فيصل من جيبه صورة من صك بيع أرض الخرج ووضعها على الطاولة:
— أبي باع هذا ليحميك، وأنت حولت مساعدته إلى حجة لتستمر في الأخذ منه.
بدأ خالد يبكي، لكن فيصل لم يضمه. ولأول مرة في حياته، لم يتقدم أحد لينقذه من تبعات أفعاله.
— غداً ستتحدث أمامهما.
— نورة ستدمرني.
— لم تعد هذه مشكلة أبي ولا أمي.
بدأ العشاء في الساعة 8:30.
أعدت أم فيصل طبقاً بسيطاً وكأنها تتمسك بأي مظهر للحياة الطبيعية التي سُلبت منها. جلس أبو فيصل بجانبها، وأخذ خالد زاوية الطاولة، بينما وضعت نورة الملف أمام فيصل.
وصل المحامي عبد الرحمن ومعه صور الوثائق، ودعا فيصل الجارة “أم فهد” لتكون شاهدة، فاحتجت نورة:
— ظننت أن هذا الأمر عائلي وشخصي!
نظر إليها فيصل:
— عندما يتحدث شخص لشهور عن صحة والدي أمام الغرباء، يتوقف الشهود عن كونهم غرباء.
لم تدرِ نورة بما تجيب.
ولعدة دقائق لم يلمس أحد الملف.
وأخيراً فتحته نورة: “هل نوقع؟”
أخرج فيصل كشوف الحسابات البنكية: “أولاً أريد أن أفهم هذا.”
وضع على الطاولة إثباتات المبالغ الشهرية المرسلة (15,000 ريال)، ثم كشوف المصروفات: 3,000 ريال فقط تصل لوالديه، والباقي يذهب لديون وتسوق خاص وتحويلات لشركة استشارية باسم نورة.
قالت هي بسرعة: “خالد هو من كان يدير الحسابات!”
تدخل المحامي عبد الرحمن: “إذن لن يجد هو صعوبة في شرح سبب تحويل المبالغ لشركة تتولين أنتِ إدارتها.”
غيّرت نورة نبرتها: “أنا رعيتهما لسنوات طويلة!”
رفع أبو فيصل رأسه بصوت ثابت:
— نحن والدا زوجكِ، لسنا “هؤلاء الأشخاص”.




