روايات وقصص

قصة عودة من أجل الأهل

حل سكون مفاجئ في الغرفة.

وضع فيصل صورة التفويض المزيف ذي التوقيع المشكوك فيه:

— وما هذا؟

— وقّعه عمي بنفسه.

— لم يوقعه — قال فيصل.

سخرت نورة بضحكة قصيرة: “أبو فيصل أصبح ينسى الكثير من الأمور مؤخراً.”

ضربت أم فيصل الطاولة بكفها؛ لم تكن الضربة قوية، لكن الجميع جمدوا في أماكنهم.

— هذا ما تكررينه منذ شهور أمام الجميع!

التفتت نورة إليها: “لأنه الحقيقة!”

وهنا أخرجت الأم من حقيبتها دفتر ملاحظات أخضر صغيراً. لم يكن فيصل يعلم بوجوده.

فتحت الأم الدفتر من الصفحة الأولى؛ كانت تحتوي على تواريخ وملاحظات بخط يدها:

“12 فبراير: نورة تسحب البطاقات.”

“3 مارس: خالد يقول لا يمكننا استقبال أم فهد لأن أبا فيصل يتوتر.”

“21 أبريل: نقص 6,000 ريال من الحساب.”

“8 مايو: تغيير قفل الباب الرئيسي.”

“15 يونيو: أبو فيصل يطلب العودة لغرفته، ويقولون لا.”

كانت الأم تكتب طوال تلك الشهور، ليس لتبلغ أحداً، بل لكي لا تقنع نفسها أنها خرفت أو جُنّت.

وقالت الأم: “عندما يكررون عليك أنك كبرت ولم تعد تتذكر، يأتي وقت تشك فيه بنفسك… بدأت أكتب كل شيء لأتأكد أنني لست مجنونة.”

شحب وجه نورة: “هذا لا يثبت شيئاً!”

— بل يثبت حياتي وما عشته.

بدأ خالد يرتجف، فالتفتت نورة إليه بغضب: “قل شيئاً!”

نظر إليها خالد، ولأول مرة لم يطلب الإذن من عينيها:

— فيصل على حق.

قامت نورة واقفة: “عفواً؟”

اعترف خالد بكل شيء؛ حكى عن التحويلات، الديون، المستندات، والحديث الذي أقنعته فيه نورة بأنه إن ظهر الوالدان بمظهر غير القادرين، فسيتحكمان بالبيت بسهولة. واعترف بأنه شارك برغبته في البداية.

لم يحاول لعب دور الضحية: “سمحت بذلك لأنني كنت خائفاً من الفشل مجدداً… ولأنني كنت غاضباً من فيصل، كنت أرى أن هذا البيت من حقي لأنني أنا من بقي هنا.”

نظر إليه أبو فيصل بحزن هادئ:

— بقيت في بيتي… لكن هذا لا يعني أنك بقيت معي.

أطرق خالد رأسه.

بدأت نورة تصرخ وتصيح بأنهم جميعاً بلا أصل ولا جحدوا فضلها، وأن الحسابات بدونها كانت ستضيع، وأن فيصل ظهر بالمال بعد سنوات غياب ليلعب دور المنقذ.

وفي نقطة معينة، كانت على حق.

وعرف فيصل ذلك في تلك اللحظة؛ لقد كان غائباً. ظن أن التحويلات المالية تغني عن الرعاية، وأن مكالمة من 10 دقائق من المطار تعني التواجد.

لكن خطأه لا يبرر جُرمهم. غيابه لم يكن ليعطي أي شخص الحق في إهانة والديه.

أغلق المحامي عبد الرحمن الملف، وشرح أن المستندات ستراجع قانونياً، وأن الحسابات ستجمد عن أي تصرفات غير مصرحة، وأن التزوير سيعاقب عليه القانون.

لم يصرخ فيصل، بل نظر إلى نورة فقط:

— الليلة تخرجين من البيت.

ثم التفت إلى خالد:

— وأنت أيضاً.

بكت الأم؛ كانت تلك المرة الأولى التي تتصادم فيها رغبتها في حماية ابنها مع ضرورتها لحماية نفسها.

اقترب خالد منها: “أمي…”

تراجعت خطوة إلى الخلف:

— أحبك يا بني… لكنني لن أنقذك اليوم من نفسك.

كانت هذه الجملة أشد قسوة من أي شتيمة.

غادرت نورة في الليلة نفسها، وخرج خالد بحقيبتين دون أن يطلب ريالاً واحداً.

خلال الأسابيع التالية، راجع المحامي الحسابات، واستُرجع جزء من الأموال. وأُبطل التفويض المزيف بعد أن أثبت الخبير التزوير.

استعاد أبو فيصل وأم فيصل بطاقاتهما، ومفاتيح البيت، وجناحهما الرئيسي.

ولم يكن أول عمل قام به الأب تغيير القفول، بل سحب كرسي خشبي قديم كان قد صنعه بيده عندما كان فيصل في التاسعة من عمره وكان مركوناً في الممر؛ سحبه وضعه أمام نافذة المجلس وجلس عليه، وأتت أم فيصل بالقهوة له.

شاهدهما فيصل دون أن ينبس بكلمة.

وفي اليوم التالي عرض عليهما الانتقال معه إلى دبي؛ حيث الغرف الواسعة والأطباء والخدمة.

ابتسمت الأم وقالت: “لا.”

ظن فيصل أنه لم يسمع جيداً: “أمي، بعد كل ما حدث؟”

— بالذات بعد كل ما حدث… نريد أن نقرر نحن بأنفسنا.

وافقها الأب:

— لا نحتاج ابناً آخر ينظم حياتنا، بل نحتاج أبناءً يشاركوننا إياها.

خفض فيصل رأسه؛ كان قد عاد وهو يظن أنه سيخلصهم، وكاد يقع في الفخ نفسه من الجهة المقابلة: أن يقرر نيابة عنهم لأنه يظن أنه يعرف الأفضل.

بقي أسبوعاً آخر في الرياض، ليس للإشراف، بل ليستمع فقط.

بعد 3 أشهر، ظهر خالد عند باب البيت. لم يطلب العودة للعيش، ولم يطلب التنازل عن الشكاوى. كان يحمل معه طاولة خشبية صغيرة قام بترميمها، وهي قطعة قديمة من ورشة أبيه كان يظنها ضائعة.

قال: “صلحتها.”

مرر الأب يده على سطحها.

بلع خالد ريقه: “لا أتوقع أن تسامحني اليوم.”

تأخر الأب في الرد ثم قال:

— يمكنني أن أستمر في حبك، دون أن أسمح لك بإيذائي مجدداً.

هز خالد رأسه موافقاً.

لم يكن هناك عناق، لكن الباب لم يُغلق في وجهه للأبد. ومن يومها بدأ يعيد الأموال تدريجياً، وتحمل مسؤولياته، وأوجد عملاً جديداً بعيداً عن العائلة. ولأول مرة، لم يبع أبو فيصل شيئاً ليخلصه.

عادت أم فيصل لتدعو أم فهد للقهوة، ولم يعد الباب الرئيسي مغلقاً، وعادت الصور إلى الجدران.

وكل يوم جمعة، سواء كان فيصل في دبي أو في أي مكان آخر، كان يفرغ ساعة كاملة للحديث مع والديه دون العمل أو الاجتماعات أو العجلة.

وبعد عدة أشهر، في يوم ممطر، وصل للبيت دون إبلاغهم.

وجد أبا فيصل عند النافذة يصلح درجاً، وأم فيصل تضحك لأنه يصر على أنه لا توجد قطعة خشب ميؤوس منها إن وجد الصبر.

كان البيت هو نفسه، لم يكبر ولم يصبح أكثر فخامة، لكنه استعاد شيئاً لا يمكن لأي صك كتابته: كرامة أهله.

نظر فيصل إلى الباب المفتوح وفهم أخيراً ما لم يره لسنوات: لم يكن والداه بحاجة إلى ابن مليونير ينفق عليهما، بل كانا بحاجة إلى أبناء يرون كيف يعيشان قبل أن يصبح الصمت عادة.

ومن ذلك اليوم، عاد أبو فيصل وأم فيصل يجلسان حيث يشاءان، ويفتحان أبوابهما الخاصة، وينفقان مالهما دون الاستئذان من أحد… لأن العائلة قد تتجاوز الديون والأخطاء وحتى الخيانة، ولكن ما لا يمكن استعادته إن ضاع هو الكرامة والاحترام.

النهاية

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى