
وبعدين بص لعلبة الأكل اللي كنت لسه شايلة كيسها الفاضي في إيدي.
وقال:
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ماعرفتش أتكلم.
كنت ببص للشخص اللي قدامي وأحاول أربطه بجوزي اللي خرج من البيت الصبح.
وشه كان شاحب.
خس بطريقة ماخدتش بالي منها لأن هدومه الواسعة كانت مخبية جسمه.
وعلى إيده آثار إبر كتير.
مشيت ناحيته.
وقفت قدامه.
ورفعت إيدي.
ولأول مرة في 11 سنة جواز…
ضربته بالقلم.
الممر كله سكت.
أحمد ما اتحركش.
ولا حتى رفع إيده على خده.
بس دمعة نزلت من عينه.
قلت وأنا بترعش:
— دي على المرض؟
وهزيت راسي.
— لأ.
وضربت بإيدي على صدري.
— دي علشان خلتني أعيش تسع شهور وأنا فاكرة إن شغلك أهم مني ومن بنتك.
نزل عينه.
قلت:
— ليه؟
همس:
— علشان كنت خايف.
— مني؟
رفع عينه.
— عليكي.
ضحكت وسط دموعي.
— فقررت تسيبني أكتشف إن جوزي مريض بالصدفة؟
سكت.
سألته:
— حالتك إيه؟
ما ردش.
— أحمد… حالتك إيه؟
قال:
— العلاج الأول ماجابش النتيجة اللي كنا مستنيينها.
حسيت رجلي مش شايلاني.
مسكت الحيطة.
— يعني؟
اقترب مني.
— يعني هنبدأ مرحلة علاج جديدة.
بصيت له.
كنت عارفة أحمد.
11 سنة وأنا بعرف إمتى بيكدب.
قلت:
— بص في عيني وقولي الحقيقة كلها.
سكت طويلًا.
ثم قال:
— الدكاترة شايفين إن الخيارات بقت أقل.
سألته:
— قد إيه؟
— محدش يقدر يحدد.
— قد إيه يا أحمد؟
ولأول مرة…
انهار.
قعد على الكرسي اللي جنب الباب، وحط وشه بين إيديه.
وقال:
— أنا كنت بحاول أوفرلكم أكبر عدد ممكن من الأيام الطبيعية.
وقفت قدامه أبص له.
وفجأة فهمت.
هو ماكانش بيهرب من البيت علشان المستشفى محتاجاه.
كان بيهرب من البيت…
علشان إحنا مانشوفش المرض وهو بياكله يوم ورا يوم.
قعدت قدامه.
قلت:
— وبنتك؟
رفع عينه.
— ماتقوليلهاش دلوقتي.
— لسه بتقرر لوحدك؟
— هي عندها تمن سنين.
— وأنا مراتك من 11 سنة!
مد إيده يمسك إيدي.
سحبتها.
وقلت:
— من النهارده مفيش سر واحد.
— حاضر.
— ولا تحليل.
— حاضر.
— ولا نتيجة.
— حاضر.
— ولا وجع تصحى منه بالليل وتسكت.
بدأ يعيط.
وقال:
— حاضر.
وقفت.
ثم قلت:
— هات حاجتك.
بصلي باستغراب.
— ليه؟
— هنروح البيت.
— عندي جلسة بكرة.
— يبقى هنرجع بكرة.
— بس…
قاطعته:
— إنت قضيت تسع شهور بتحاول تموت لوحدك يا أحمد…
وقربت منه.
— الباقي… هتعيشه معانا.
لكني ماكنتش أعرف وقتها…
إن أحمد مخبي عني سر تاني.
سر أخطر من المرض نفسه.
وإن سبب إخفائه للحقيقة ماكانش الخوف علينا وبس.
كان فيه ظرف مقفول باسمي…
موجود في مكتب الدكتور محمود.
وأحمد كان مأكد عليه:
“لو حصل لي حاجة أثناء العملية… سلمهولها.”
الفصل الثالث: الظرف
رجعنا البيت بعد يومين.
أحمد دخل شقتنا كأنه داخلها لأول مرة.
بنتنا مريم جريت عليه.
— بابا!
فتح دراعه.
حضنته.
وأنا وقفت عند الباب أتفرج عليهم.
قالت له:
— إنت كنت فين؟
بصلي أحمد.
كان مستنيني أجاوب.
لكن المرة دي ماكدبتش.
قعدت جنب مريم وقلت:
— بابا تعبان شوية.
اتغير وشها.
— تعبان إزاي؟
أحمد قال:
— حاجة بسيطة والدكاترة بيعالجوني.
بصيت له.
هو فهم نظرتي.
فصحح كلامه:
— بس العلاج ممكن ياخد وقت.
مريم قربت منه.
— علشان كده مابتيجيش البيت؟
سكت أحمد.
قالت:
— أنا كنت فاكرة إنك مش بتحب تقعد معانا.
الكلمة كسرت حاجة جواه.
حضنها بقوة.
— عمري ما أحب مكان أكتر من المكان اللي إنتِ وماما فيه.
بدأت مريم تعيط.
وقعدنا التلاتة على الكنبة.
لأول مرة من شهور…
كان البيت كامل.
الأيام اللي بعدها اتغير فيها كل شيء.
أحمد بطل يمثل.
لو تعبان، يقول تعبان.
لو خايف، يقول خايف.
ولو صحى بالليل من الألم، ماكانش يدخل الحمام ويقفل على نفسه.
كنت أقعد جنبه.
أحيانًا من غير كلام.
وبدأنا نكتشف قد إيه ضيعنا وقت وإحنا بنحاول نحمي بعض من الحقيقة.
لكن بعد أسبوعين، اتصل بيا الدكتور محمود.
— ممكن تعدي عليا المستشفى لوحدك؟
قلبي اتقبض.
— أحمد كويس؟
— كويس… بس فيه حاجة لازم أديهالك.
روحت.
دخلت مكتبه.
فتح درج المكتب.
وطلع ظرف أبيض.
كان مكتوب عليه بخط أحمد:
إلى سارة.
قلت:
— إيه ده؟
— أحمد سابه عندي قبل شهرين.
— ليه؟
— كان داخل إجراء طبي وكان خايف تحصل مضاعفات.
مدهولي.
ماخدتوش.
قلت:
— طالما هو عايش، رجعهوله.
محمود هز راسه.
— هو طلب مني أديهولك لو عرفتي الحقيقة.
مسكت الظرف.
رجعت العربية.
فضلت عشر دقايق ماسكاه من غير ما أفتحه.
وفي النهاية فتحته.
جواه ورقتين.
بدأت أقرأ.
“سارة…
لو بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا فشلت أخبي عليكي أكتر.
وأنا عارف إنك غضبانة مني.
ومن حقك.
بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
أنا ماخبيتش مرضي علشان خايف من الموت.
أنا خبيته لأني كنت خايف إن أول حاجة تعمليها لما تعرفي… إنك توقفي حياتك علشاني.
وأنا عارفك.
كنتِ هتسيبي شغلك.
وتلغِي كل حاجة.
وتقعدي جنبي.
وده بالضبط اللي ماكنتش عايزه.
لكن فيه سبب تاني.
من حوالي سنة، لما بدأت أحس بالتعب، عملت تحاليل.
وقبل ما تظهر النتيجة النهائية، قدمت أوراقي لبرنامج طبي خارج مصر كنت بحلم أدخلها من سنين.
واتقبلت.




