
“أمال إنت مين؟”
الرجل أخرج بطاقة قديمة من جيبه وحطها قدام المديرة.
المديرة أول ما شافتها، اتفاجئت.
“البطاقة دي انتهت من سنين.”
قال:
“عارف.”
“وإنت كنت بتشتغل هنا؟”
“أيوه.”
الحاجة أمينة سألت:
“وكنت تعرف ابني؟”
“أكتر مما تتخيلي.”
جابر اتدخل:
“هو كان واحد من الناس اللي ابنك وثق فيهم.”
الحاجة أمينة بصت لجابر.
“يعني هو اللي خانه؟”
جابر هز راسه.
“لأ.”
ثم بص للرجل.
“الخيانة كانت من شخص تاني.”
المديرة سألت:
“مين؟”
جابر قال:
“الشخص الوحيد اللي كان يعرف إن أمينة هتدخل السجن النهارده.”
سكت الجميع.
الحاجة أمينة فهمت فجأة.
“يعني دخولي السجن ما كانش صدفة؟”
جابر قال:
“لأ.”
الشفُرة قربت منهم وقالت:
“وأنا كمان اتبلغت إن ست جديدة هتدخل النهارده.”
الحاجة أمينة بصتلها.
“مين بلغك؟”
الشفُرة سكتت.
“قولي.”
“رسالة.”
“من مين؟”
الشفُرة طلعت ورقة صغيرة من جيبها.
كانت الورقة مطوية.
الحاجة أمينة فتحتها.
ثلاث كلمات بس كانوا مكتوبين عليها:
“خلّيها تتكلم غصب.”
وتحتهم رقم هاتف.
الحاجة أمينة بصت للرقم.
وفجأة…
ملامحها اتغيرت.
لأن الرقم ده كان محفوظ في موبايل ابنها قبل وفاته.
وكان مكتوب جنبه اسم شخص واحد فقط:
“أبويا.”
الحاجة أمينة شهقت.
المديرة قالت:
“إيه؟”
الحاجة أمينة بصوت مبحوح:
“جوزي مات من عشرين سنة…”
لكن جابر قال:
“يبقى لازم نعرف مين كان بيستخدم رقمه بعد موته.”
الحاجة أمينة فضلت باصة لجابر، ووشها اتغير تمامًا.
جابر سألها:
“تعرفي الصوت ده؟”
قالت بصوت واطي:
“أيوه.”
المديرة قربت منها:
“مين؟”
الحاجة أمينة ما ردتش فورًا.
قعدت على الكرسي، وحطت إيدها على صدرها، كأنها بتحاول تجمع أفكارها.
“الصوت ده… صوت راجل كنت فاكرة إنه مات من سنين.”
جابر اتوتر.
“مين؟”
الحاجة أمينة رفعت عينيها.
“صاحب جوزي القديم.”
الشفُرة فجأة قالت:
“مستحيل.”
الحاجة أمينة بصتلها.
“إنتِ تعرفيه؟”
الشفُرة بلعت ريقها.
“شوفته مرة.”
“فين؟”
“في المخزن.”
جابر سألها بسرعة:
“إمتى؟”
الشفُرة ردت:
“قبل وفاة ابنك بفترة قصيرة.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
“وكان معاه راجل تاني.”
الحاجة أمينة قالت:
“مين؟”
الشفُرة هزت راسها.
“ما كنتش أعرفه وقتها.”
جابر قال:
“لكن الصورة اللي لقيناها في الصندوق…”
الشفُرة بصت له.
“الصورة فيها الراجل ده.”
الحاجة أمينة مدت إيدها.
“هات الصورة.”
جابر أخرجها من الظرف.
الحاجة أمينة بصت للصورة، وبمجرد ما شافت الشخص الواقف جنب أخو الشفُرة، قامت من مكانها.
الصورة وقعت من إيدها.
“ده…”
المديرة سألت:
“مين؟”
الحاجة أمينة قالت:
“ده أخويا.”
الكل سكت.
جابر قال:
“إنتِ عندك أخ؟”
“كان عندي.”
“وكان يعرف ابنك؟”
“مش بس كان يعرفه…”
الحاجة أمينة بصت للصورة تاني.
“ابني كان قلقان منه.”
الشفُرة قربت خطوة.
“يعني أخويا وأخوكي كانوا مع بعض؟”
الحاجة أمينة هزت راسها.
“الظاهر كده.”
جابر قال:
“يبقى لازم نعرف كانوا بيخططوا لإيه.”
المديرة أشارت للتسجيل.
“نسمع باقي الملف.”
رجعوا يشغلوا الشريحة.
الصوت رجع للحظات.
صوت ابن أمينة:
“لو أمي سمعت الكلام ده، متخلوهاش تثق في…”
تشويش.
ثم صوت الرجل الغريب:
“الست دي ما تعرفش حاجة.”
صوت ابنها رد:
“هي لازم تعرف.”
الرجل:
“لو عرفت، كل حاجة هتنهار.”
ثم صوت ارتطام قوي.
وانقطع التسجيل.
الحاجة أمينة كانت واقفة مكانها، لكن عينيها ما اتحركتش من جهاز التسجيل.
قالت:
“هو كان خايف عليا.”
جابر رد:
“وكان بيحاول يحميكي.”
الحاجة أمينة هزت راسها.
“لأ.”
“أمال؟”
قالت وهي بتبص للمفتاح اللي عليه اسمها:
“ابني ما كانش بيحميني من اللي حصل…”
وسكتت.
ثم رفعت المفتاح أمام عينيها.
“كان بيحميني من اللي لسه هيحصل.”
وفجأة…
اتسمع صوت معدن من آخر الممر.
تك.
المديرة التفتت.
“مين هناك؟”
محدش رد.
جابر قرب من الباب.
وبمجرد ما فتحه، لقى الأرض فاضية.
لكن كان فيه شيء واحد بس واقع على الأرض.
ظرف بني قديم.
وعليه اسم مكتوب بخط واضح:
“إلى أمينة… بعد أن تفتح المفتاح الثالث.”
الحاجة أمينة قربت ببطء.
مدت إيدها للظرف…
لكن قبل ما تلمسه، لاحظت حاجة خلتها تسحب إيدها فجأة.
كان على ظهر الظرف ختم قديم جدًا.
نفس الختم الموجود على الأوراق اللي كانت جوه الصندوق 317.
جابر قال:
“ما تفتحيهوش هنا.”
الحاجة أمينة بصت له.
“ليه؟”
قال وهو بيبص ناحية الممر:
“لأن اللي حط الظرف ده هنا…”
سكت.
ثم قال:
“كان عارف إننا هنلاقي المفتاح النهارده.”
الحاجة أمينة فضلت ماسكة المفتاح، ومش قادرة تنطق.
المديرة قربت منها.
“مكتوب عليه اسمك.”
الحاجة أمينة هزت راسها.
“ابني كان عارف إن المفتاح ده هيوصل لي.”
جابر قال:
“يبقى الخزنة مش هي الهدف.”
“أمال إيه؟”
جابر بص للساعة.
“الساعة نفسها.”
الحاجة أمينة قلبتها في إيدها.
“إزاي؟”
جابر أشار لظهرها.
“ابنك كان بيخبي جوه الساعة حاجة أهم من المفتاح.”
المديرة قالت:
“افتحيها بالكامل.”
الحاجة أمينة فكّت الغطاء الداخلي بحذر.
ظهر تجويف صغير جدًا، وفيه شريحة ذاكرة دقيقة ملفوفة في قطعة قماش.
المديرة قالت:
“دي لازم تتسلّم رسميًا.”
الحاجة أمينة قفلت إيدها عليها.
“دي آخر حاجة ابني سابها لي.”
جابر رد:
“وعشان كده لازم تتسلم رسميًا، عشان محدش يقدر يقول إنها اختفت.”
الحاجة أمينة وافقت.
لكن قبل ما تمد إيدها…
الشفُرة قالت:
“استني.”
الجميع بص لها.
كانت واقفة ووشها شاحب.
“أنا عارفة الشريحة دي.”
الحاجة أمينة قالت:
“تعرفيها إزاي؟”
الشفُرة سكتت.
“اتكلمي.”
قالت بصوت منخفض:
“أخويا كان عنده واحدة زيها.”
جابر اتصدم.
“أخوكي؟”
“أيوه.”
المديرة سألت:
“وإيه اللي كان فيها؟”
الشفُرة ردت:
“تسجيلات.”
الحاجة أمينة سألت:
“تسجيلات لإيه؟”
الشفُرة بصت للباب، وبعدين قالت:
“لأشخاص كانوا بيجوا المخزن بالليل.”
جابر قال:
“مين الأشخاص؟”
الشفُرة غمضت عينيها.
“أنا ما كنتش أعرف أسماءهم.”
الحاجة أمينة قالت:
“لكنك شوفتيهم.”
الشفُرة هزت راسها.
“أيوه.”
“مين؟”
الشفُرة فتحت بُقها…
لكن قبل ما تنطق، اتفتح باب الممر.
دخلت سجانة وهي بتجري.
“يا فندم!”
المديرة قالت:
“إيه؟”
السجانة كانت بتتنفس بصعوبة.
“التسجيلات اللي على الشريحة…”
سكتت لحظة.
“حد حاول يمسحها.”
الحاجة أمينة قالت:
“حاول؟”
السجانة هزت راسها.
“أيوه.”
“يعني لسه موجودة؟”
“جزء منها.”
الحاجة أمينة مدت إيدها.
“هاتيها.”
السجانة بصت للمديرة.
المديرة وافقت.
أخذت الحاجة أمينة الشريحة.
قبل ما يسمعوها، جابر قال:
“لأن أول تسجيل فيها ممكن يقول اسم الشخص اللي خان ابنك.”
الحاجة أمينة ثبتت عينيها عليه.
“شغّله.”
اشتغل التسجيل.
في البداية كان فيه تشويش.
ثم ظهر صوت ابنها:
“أنا عارف إنهم بيراقبوني…”
سكت ثواني.
ثم قال:
“ولو التسجيل ده وصل لأمي، يبقى لازم تعرف إن…”
وفجأة انقطع الصوت.
المديرة قالت:
“التسجيل تالف.”
لكن الحاجة أمينة ما ردتش.
لأن وسط التشويش…
كان فيه صوت آخر واضح جدًا في الخلفية.
صوت رجل بيقول:
“أمينة؟ هي لسه عايشة؟”
الحاجة أمينة رفعت عينيها ببطء.
وقالت:
“الصوت ده…”
ثم بصت لجابر.
“أنا أعرفه.”
المفتاح وقع على الأرض بصوت خفيف.
جابر بص للحاجة أمينة، وملامحه اتبدلت.
“اسمعيني… التسجيل ممكن يكون متلاعب بيه.”
الحاجة أمينة ما ردتش.
انحنت وأخذت المفتاح.
المديرة قالت:
“محدش يتحرك من مكانه.”
الشفُرة كانت بتبص لجابر بقلق.
“أنا قلت لكم… كل اللي دخل في الحكاية دي كان بيخبي حاجة.”
جابر انفعل:
“وإنتِ؟ مش مخبية حاجة؟”
الشفُرة سكتت.
الحاجة أمينة قالت بهدوء:
“كفاية.”
ثم التفتت لجابر.
“ابني قال اسمه في التسجيل. قال ما تثقيش فيه، لكنه ما قالش إنه هو اللي أذاني.”
جابر استغرب.
“أمال بتبصيلي كده ليه؟”
الحاجة أمينة ردت:
“عشان ابني كان بيثق فيك.”
جابر سكت.
“وإنت الوحيد اللي عارف تفاصيل ما كانش يعرفها غيره.”
المديرة قالت:
“هنراجع التسجيل الأصلي ونشوف هل حصل تعديل عليه.”
لكن فجأة…
الشفُرة رفعت إيدها.
“أنا أقدر أقول لكم حاجة.”
الكل بص لها.
“ليلة اختفاء ابن الحاجة أمينة…”
سكتت.
ثم قالت:
“جابر ما كانش موجود.”
جابر بص لها بسرعة.
“إنتِ متأكدة؟”
“أيوه.”
“شفتي مين؟”
الشفُرة قالت:
“شفت راجل تاني.”
الحاجة أمينة قربت منها.
“مين؟”
الشفُرة هزت راسها.
“ما شفتش وشه.”
“طيب إيه اللي فاكره؟”
كان لابس جاكت غامق.
“أي علامة مميزة؟”
الشفُرة فكرت.
ثم قالت:
“كان بيلبس ساعة.”
الحاجة أمينة اتجمدت.
“ساعة؟”
“أيوه.”
“شكلها؟”
الشفُرة قالت:
“قديمة… وفيها خدش طويل من الناحية اليمين.”
الحاجة أمينة بصت للساعة القديمة اللي كانت في إيدها.
جابر لاحظ نظرتها.
“الساعة دي كانت مع ابنك؟”
“أيوه.”
الشفُرة قربت منها، وبمجرد ما شافت الساعة، شهقت:
“دي هي!”
المديرة قالت:
“متأكدة؟”
الشفُرة هزت راسها.
“نفس الخدش.”
الحاجة أمينة فتحت الساعة مرة تانية.
لكن المرة دي لاحظت حاجة ما كانتش واخدة بالها منها.
جوه الغطاء…
كان فيه حرف صغير محفور:
“م.”
جابر قال:
“ممكن يكون أول حرف من اسم الراجل.”
الحاجة أمينة بصت للحرف طويلًا.
“أو آخر حرف من كلمة ابني كان عايز يقولها.”
المديرة سألت:
“وإيه الكلمة؟”
الحاجة أمينة ما ردتش.
لأنها فجأة افتكرت حاجة.
ذكرى قديمة جدًا…
قبل وفاة ابنها بشهر.
كان واقف قدامها، وحط الساعة دي في إيدها، وقال:
“يا أمي، لو سألتيني الساعة دي بتاعت مين، هقولك بتاعتي.
بس لو لقيتي عليها حرف م، افتكري اسم واحد.”
الحاجة أمينة رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
“محمود.”
جابر اتوتر.
“مين محمود؟”
الحاجة أمينة بصت له.
“الراجل اللي كان صاحب أبوك.”
المديرة سألت:
“ومحمود ده فين دلوقتي؟”
الحاجة أمينة ردت:
“آخر مرة شفته كانت من عشرين سنة… يوم جنازة جوزي.”
وفجأة…
الشفُرة قالت بصوت متوتر:
“بس محمود…”
سكتت.
الحاجة أمينة سألتها:
“محمود إيه؟”
الشفُرة بصت ناحية باب الممر.
“محمود مات.”
جابر قال:
“إمتى؟”
الشفُرة ردت:
“قبل وفاة ابنك…”
ثم بصت للحاجة أمينة وقالت:
“بأسبوع واحد بس.”
المديرة أمرت الحراس يقفلوا الممر بالكامل، والظرف اتحط جوه ملف رسمي.
لكن الحاجة أمينة ما كانتش قادرة تبعد عينيها عنه.
“أنا لازم أعرف جواه إيه.”
جابر قال:
“هنعرف، بس مش هنا.”
الحاجة أمينة ردت بحزم:
“ابني استنى سنين عشان الظرف ده يوصل لي. مش هخليه يستنى أكتر.”
المديرة فتحت الظرف بحذر.
جواه ورقة واحدة.
أول سطر كان:
“يا أمي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى المفتاح الثالث فتح الطريق الصح.”
الحاجة أمينة حطت إيدها على بقها.
وكملت القراءة:
“لكن أوعي تصدقي أول شخص يقول لك إنه عارف الحقيقة.”
جابر بص للمديرة.
الورقة كملت:
“الحقيقة مش في الصندوق، ولا في التسجيل، ولا في الصورة.”
وتحتها سطر منفصل:
“الحقيقة في الاسم اللي اتشال من السجل.”
المديرة قالت:
“أي سجل؟”
الحاجة أمينة قلبت الورقة.
مافيش حاجة.
لكن جابر لاحظ علامة صغيرة في أسفل الصفحة.
“استني.”
قرب الورقة من الضوء.
ظهر رقم مكتوب بالقلم الرصاص:
“٢١٤.”
المديرة قالت:
“رقم ملف؟”
جابر رد:
“ممكن.”
الشفُرة كانت واقفة بعيد، لكنها أول ما شافت الرقم وشها اتغير.
الحاجة أمينة لاحظت.
“إنتِ تعرفي الرقم ده؟”
الشفُرة سكتت.
“اتكلمي.”
قالت:
“ده مش رقم ملف.”
جابر سأل:
“أمال إيه؟”
الشفُرة قالت:
“رقم غرفة قديمة.”
المديرة عقدت حاجبيها.
“غرفة فين؟”
الشفُرة بصت ناحية آخر الممر.
“هنا.”
الجميع سكت.
“الغرفة دي اتقفلت من سنين.”
الحاجة أمينة قالت:
“وليه اتقفلت؟”
الشفُرة ردت:
“عشان حصلت فيها واقعة محدش بيتكلم عنها.”
جابر قرب منها.
“إيه الواقعة؟”
الشفُرة هزت راسها.
“أنا ما كنتش موجودة وقتها.”
الحاجة أمينة قالت:
“بس سمعتي عنها.”
“أيوه.”
“قولي.”
الشفُرة أخذت نفسًا طويلًا.
“كانوا بيقولوا إن واحد من الموظفين اختفى ليلة كاملة، ولما رجع… رفض يتكلم.”
المديرة سألت:
“وبعدها؟”
“تاني يوم اتنقل من المكان.”
جابر قال:
“اسمه؟”
الشفُرة بصت للحاجة أمينة.
“اسمه كان…”
وتوقفت.
“جابر.”
سادت لحظة صمت.
الحاجة أمينة رفعت عينيها لجابر.
جابر نفسه اتجمد.
“أنا؟”
الشفُرة قالت:
“مش إنت.”
الحاجة أمينة ارتاحت للحظة.
لكن الشفُرة كملت:
“أبوك.”
جابر رجع خطوة للخلف.
“أبويا مات من أكتر من عشرين سنة.”
الحاجة أمينة بصت للمفتاح اللي في إيدها.
ثم للرقم ٢١٤.
وفجأة قالت:
“عشان كده ابني كتب الاسم اللي اتشال من السجل.”
المديرة سألت:
“تقصدي إيه؟”
الحاجة أمينة رفعت الورقة.
“ابني ما كانش بيدور على اللي حصل له.”
سكتت لحظة.
“كان بيدور على اللي حصل لأب جابر.”
جابر اتصدم.
“بس ليه؟”
الحاجة أمينة بصت له.
“لأن أبوك كان آخر شخص شاف ابني قبل ما يختفي.”
وفي اللحظة دي…
صدر صوت من جهاز التسجيل من غير ما حد يلمسه.
صوت ابن أمينة ظهر فجأة، رغم إن الملف كان متوقف:
“ولو جابر موجود معاكي دلوقتي… ما تثقيش فيه.”
جابر اتراجع خطوة.
الحاجة أمينة بصت له.
والمفتاح الثالث وقع من إيدها على الأرض.
الحاجة أمينة فضلت ساكتة.
“محمود مات قبل ابني بأسبوع؟”
الشفُرة هزت راسها.
“أيوه.”
جابر قال بسرعة:
“مين قال لك إنه مات؟”
الشفُرة بصت له.
“أخويا.”
“وإنتِ صدقتيه؟”
“وقتها أيوه.”
الحاجة أمينة سألت:
“طب جثمانه اتدفن فين؟”
الشفُرة سكتت.
“اتكلمي.”
“ما أعرفش.”
جابر قال:
“يبقى ممكن يكون الخبر غلط.”
المديرة تدخلت:
“أو ممكن يكون فيه شخص تاني بنفس الاسم.”
الحاجة أمينة كانت ساكتة، وفجأة افتكرت حاجة.
“أنا عمري ما شفت شهادة وفاة محمود.”
جابر بص لها.
“إزاي؟”
الحاجة أمينة قالت:
“أخو جوزي هو اللي قال لي إنه مات. وقال إن العيلة خلصت إجراءات الدفن.”
جابر قال:
“وإنتِ ما سألتيش؟”
الحاجة أمينة ردت بحزن:
“وقتها كان جوزي متوفي، وابني صغير، وأنا كان همي إني أربيه.”
سكتت لحظة.
“ما كنتش أعرف إن بعد عشرين سنة هلاقي اسمه راجع قدامي.”
المديرة أخذت الورقة.
“لو الاسم اتشال من السجل، ورقم الغرفة 214 مرتبط بالموضوع، يبقى لازم نرجع للأرشيف القديم.”
جابر قال:
“الأرشيف القديم في المبنى الشرقي.”
المديرة بصت له.
“إنت عارف مكانه؟”
“كنت شغال هنا زمان.”
الشفُرة ضحكت ضحكة قصيرة.
“لسه فاكر كل حاجة؟”
جابر تجاهلها.
الحاجة أمينة قالت:
“خدونا هناك.”
المديرة رفضت.
“لأ. الأول لازم نعرف إيه الموجود.”
لكن قبل ما تكمل…
سمعوا صوت ورق بيتقلب من جوه الظرف.
الكل بص للحاجة أمينة.
هي ما لمستش الظرف.
المديرة قربت منه.
ورقة صغيرة كانت مخفية بين طبقتين من الورق وظهرت لوحدها.
جابر مد إيده.
الحاجة أمينة قالت:
“استنى.”
ثم أخذتها بنفسها.
كان مكتوب عليها:
“محمود لم يمت.”
سكت الجميع.
وتحت الجملة كان فيه سطر تاني:
“ولو عايزين تعرفوا مكانه، دوروا على الاسم اللي اتكتب بدل اسمه.”
المديرة قالت:
“يعني فيه اسم بديل؟”
الحاجة أمينة قلبت الورقة.
وفي ظهرها كان فيه اسم واحد:
“سليم منصور.”
جابر اتجمد.
الشفُرة قالت:
“إيه؟”
جابر قرب من الورقة.
“الاسم ده…”
الحاجة أمينة سألت:
“تعرفه؟”
جابر ما ردش.
المديرة قالت:
“جابر، اتكلم.”
قال أخيرًا:
“سليم منصور كان موظف هنا.”
“وكان بيشتغل فين؟”
“في الغرفة 214.”
الحاجة أمينة بصت للمديرة.
“يعني هو الشخص اللي اتشال اسمه من السجل؟”
جابر قال:
“مش بالضبط.”
“أمال؟”
جابر أخذ نفسًا عميقًا.
“سليم منصور ما اختفاش.”
“أمال إيه اللي حصل له؟”
جابر بص للحاجة أمينة وقال:
“هو خرج من المكان ده… لكن دخل مكان تاني باسم محمود.”
الحاجة أمينة اتسمرت مكانها.
“يعني محمود وسليم نفس الشخص؟”
جابر هز راسه.
“أيوه.”
وفجأة…
سمعوا خبطتين على باب الممر.
دق… دق.
المديرة قالت:
“مين؟”
جاء صوت رجل من الخارج:
“أنا.”
الحاجة أمينة قربت من الباب.
الصوت كمل:
“أنا سليم منصور.”
ثم أضاف:
“وجيت عشان أقول للحاجة أمينة الحقيقة اللي ابنها مات وهو بيدور عليها.”
الباب اتفتح ببطء…
ودخل راجل كبير في السن، شعره أبيض، وفي إيده ملف قديم.
الحاجة أمينة أول ما شافته، فضلت ثواني مش قادرة تتكلم.
“إنت… سليم؟”
هز راسه.
“أيوه يا حاجة أمينة.”
جابر قرب منه.
“يعني إنت محمود؟”
سليم قال:
“محمود كان الاسم اللي عشت بيه بعد ما اضطريت أختفي.”
المديرة سألت:
“وليه اختفيت؟”
سليم فتح الملف.
“عشان اكتشفت إن فيه ناس بتغيّر سجلات وتستخدم أسماء ناس تانية في معاملات غير قانونية. وابنك اكتشف الموضوع، وبدأ يدور وراهم.”
الحاجة أمينة قالت:
“وابني حصل له إيه؟”
سليم سكت لحظة.
“ابنك ما كانش هدفهم من البداية. هو دخل في الموضوع لأنه عرف الحقيقة، ورفض يسكت.”
ثم أخرج ورقة قديمة.
“في الليلة الأخيرة، كان معاه نسخ من المستندات. طلب مني أحافظ عليها، وقال لي لو حصل له حاجة، خلي أمه تعرف الحقيقة.”
الحاجة أمينة سألت:
“ليه ما رجعتش لي وقتها؟”
سليم خفض عينيه.
“خفت. وخفت أقول لك حاجة من غير دليل.”
ثم وضع أمامها ظرفًا.
“وده آخر جزء من الحقيقة.”
فتحت الحاجة أمينة الظرف.
جواه مستندات تثبت إن ابنها كان بيجمع الأدلة، وإن الشخص اللي حاول يحمّله مسؤولية المشاكل كان واحدًا من المسؤولين عن التلاعب بالسجلات.
أما أخو الشفُرة، فكان مجرد وسيط بين المجموعة، ولما عرف إن الموضوع انكشف، حاول يخفي الأدلة.
الشفُرة كانت تسمع وهي ساكتة.
ثم قالت:
“يعني أخويا كان عارف؟”
سليم رد:
“أيوه. لكنه ما كانش صاحب القرار.”
الحاجة أمينة سألت:
“وجابر؟”
سليم بص لجابر.
“أبو جابر كان موظفًا قديمًا، وابنه كان بيساعدني من بعيد. ابنك كتب في التسجيل ما تثقيش في جابر لأنه كان يشك إن جابر اتعرض لضغط وخاف يقول الحقيقة، مش لأنه كان متورطًا.”
جابر دمعت عينه.
“وأنا فعلًا خفت… لكني عمري ما أذيته.”
الحاجة أمينة بصت له طويلًا.
ثم قالت:
“كان لازم تقول.”
جابر هز راسه.
“عارف.”
المديرة جمعت كل المستندات رسميًا، وتم فتح تحقيق في السجلات القديمة، واستُدعيت الأسماء التي ظهرت في الأوراق والتسجيلات.
أما الشفُرة، فاعترفت بكل اللي تعرفه عن أخوها، وساعدت في كشف باقي التفاصيل.
وبعد أيام…
دخلت الحاجة أمينة غرفة صغيرة في مكان هادئ.
كان معاها جابر وسليم.
وضعت صورة ابنها على الطاولة.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إني داخلة السجن عشان أدفع ثمن حاجة ما عملتهاش.”
سليم رد:
“لكنه كان الطريق اللي رجّع الحقيقة.”
الحاجة أمينة ابتسمت بحزن.
“ابني كان عارف إن الحقيقة هتظهر يومًا ما.”
ثم أخرجت الساعة القديمة من جيبها.
نظرت للمفتاح الثالث.
وقالت:
“دلوقتي فهمت ليه كتب اسمي عليه.”
جابر سأل:
“ليه؟”
الحاجة أمينة ابتسمت.
“عشان يقول لي إن المفتاح الأخير عمره ما كان للباب…”
وسكتت لحظة.
“كان لقلبي، عشان ما أفضلش طول عمري ألوم نفسي على اللي حصل لابني.”
مرت الشهور.
ثبتت التحقيقات براءة الحاجة أمينة من الاتهام الذي دخلت بسببه السجن، وانتهت القضية بعد ظهور المستندات والتسجيلات.
أما ابنها…
فلم يعد مجرد اسم في ملف قديم.
بقى اسمه مرتبطًا بالحقيقة التي حاول ناس كتير يخفوها.
وفي آخر يوم لها، خرجت الحاجة أمينة من باب المكان.
وقفت لحظة.
بصت للسماء.
وقالت:
“سامحتك يا ابني… مش عشان اللي حصل كان سهل، لكن عشان عرفت أخيرًا إنك كنت بتحاول تحميني لآخر لحظة.”
ثم مشت.
وكان المفتاح الثالث في جيبها.
مش عشان يفتح صندوق…
ولا غرفة…
ولا سر جديد.
لكن عشان يفضل شاهد على إن أصعب الأبواب أحيانًا مش بتتفتح بالمفاتيح…
بتتفتح لما الحقيقة أخيرًا تاخد مكانها.




