
”وأقنعت نفسي إنك لو دفعتِ المبلغ الكبيرة دا في عملية مالك، حسابك هيفضى.. وهتقفي دعمك لينا.”
وأهي الحقيقة.. المرة، البشعة، ظهرت في النور أخيراً. الموضوع مكنش تشكيك طبي ولا نظارات.. كان خوف أناني بحت.
”لو كنتِ اتكلمتي معايا عن الخوف دا ببساطة،” قولت بصوت واطي، “كنت هسمعك.”
ردت: “بس برضه كنتِ هتسافري وتعملي العملية.”
”من غير تردد.. أيوة.”
”وكنتِ هتقفي مساعدتك ليا؟”
فكرت في السؤال.. وبصيت لسنوات الاستغلال اللي سمحت بيها.
”بصراحة يا أمي؟ يمكن لأ. لو كنتِ طلبتِ المساعدة الأدبية والأصول، غالباً كنت هفضل أنزف عشان البيت دا يفضل مفتوح.”
سكتت. الاعتراف دا وجعنا إحنا الاتنين، لأنه كشف حجم الخلل اللي كنا عايشين فيه. أمي راحت لأقصى درجات التزوير واللعب عشان تسيطر، وتضمن الفلوس، فأتسببت في نفس النتيجة اللي كانت مرعوبة منها.
همست في الآخر: “أنا أسفة يا داليا.”
ما رديتش في ساعتها.
”أسفة عشان اتصلت بمركز الجراحة.. وعشان عديت حدودي.”
دي الجملة اللي كنت محتاجة أسمعها بالتحديد.
”أنا سامعاكي يا أمي،” قولت. “وأنتِ فاهمة طبعاً إن حركة زي دي مستحيل تتكرر تحت أي ظرف؟”
”فاهمة.. وعارفة إني اتشالت تماماً من أي ملف طبي تخص مالك.”
”صح.”
ما رجعناش عيلة مثالية بلمسة سحرية، الوجع كان لسه جديد. ما رجعتش التحويلات المباشرة. أمي نقلت الشقة الصغير، وشريف قعد معاها 6 شهور بالظبط يدفع إيجار، وبعدين نقل مع واحد صاحبه كوميديان هاوي أتعرف عليه في الورشة، وقسموا شقة صغيرة مع بعض.
وواضح إن إثنين كوميديانات عايشين في شقة بحمام واحد بيطلع ماتريال ونكت ملهاش أول من آخر.
أمي بتيجي تزور مالك من وقت للتاني، بس بتطلب ميعاد الأول. ما بتقدمش نصايح طبية، ولا بتتصل بدكاترة. وأوقات بتسأل عن أسعار حاجات معينة.
وأنا اتعلمت أرد ببساطة: “الموضوع متغطي جوة الميزانية.”
أول مرة قولت الجملة دي، وشها اتضايق أوي.. بس بلعت كلامها وعدتها.
أما أنا وشريف، فبيننا هدنة سخرية بحذر. بيبعتلي نكت، أغلبها بايخ بصراحة.
بس قريب، بعت نكتة حلوة بجد. فضلت باصة للشاشة 3 دقائق، مش عارفة أعمل إيه، وفي الآخر طلبت رقمه.
”إيه؟” رد بدفاعية.
”عندي سؤال في الإجراءات.”
”عن إيه؟”
”عن النكتة اللي لسه باعتها.”
اتنرفز فوراً: “مالها؟ جامدة على فكرة!”
”مين اللي كتبها يا شريف؟”
سكت ثانية: “أنا.”
”بجد؟ مش واخدها من بوست على الفيسبوك؟ مش سارقها من رسالة قديمة مني؟”
”لأ يا داليا.. قعدت على المكتب وكتبتها.”
ابتسمت: “طب.. مبروك.”
”على إيه؟”
”إنك صنعت منتج بنفسك من الصفر.”
شتمني وقال إني شخصية شريرة ومادية، وبعدين بدأ يضحك.. وضحكت معاه.
نظر مالك استقر والحمد لله. لسه بيلبس نظارة، وفي الواقع، نظارة غالية أوي وعدسات خاصة. الفريم التيتانيوم لوحده عمل مبلغ وقدره.
لما ذكرت السعر قدام أمي بالصدفة في زيارة، عينها وسعت: “المبلغ دا كله في نظارة؟!”
بصيتلها برقعة عين ورفعت حاجبي.
اتثبتت مكانها، وبقها مفتوح.. بلعت ريقها، وابتسمت بالعافية: “يلا.. لايقة عليه ومخلية شكله زي الدكاترة الكبار.”
تطور.. مش كمال، بس تطور لا يمكن إنكاره.
من كام أسبوع، كنت في أوضتي بحط البدلة في الشنطة عشان سفرية شغل جديدة، ومالك دخل عليا ومال على الباب.
”مسافرة فين المرة دي؟”
”الإسكندرية.”
”قاعدة أد إيه؟”
”48 ساعة.”
هز رأسه: “تيتا جاية يوم السبت صح؟”
”أيوة، استأذنت واخدت ميعاد.”
”قشطة.” لف عشان يمشي، وبعدين بصلي تاني: “هي مامي؟”
”نعم يا مالك.”
”هو أنتِ لسه بتحولي لأبيه شريف مصروفه؟”
وقفت والشراب في إيدي: “لأ.. الخزنة اتقفلت. بتسأل ليه؟”
ابتسم: “عشان عزمني على الغدا في المطعم الأسبوع اللي فات.”
نزلت الشراب بالراحة: “شريف هو اللي دفع الحساب؟”
”أيوة.”
”بالفيزا بتاعته؟”
”أيوة.”
”وهي.. الفيزا قرأت وقبلت والعملية تمت؟”
مالك لف عينه بملل: “أيوة يا مامي، قبلت والدنيا تمام.”
هزيت رأسي ببطء، وحسيت بدفا غريب في صدري: “أخويا الصغير.. بيعزمك على الغدا.”
”دا عنده 36 سنة يا مامي!”
”عارفة يا مالك.. بيكبروا بسرعة أوي.”
مالك ضحك وكمل مشي في الممر.
فضلت واقفة لوحدي في الأوضة الهادية، باصة للشنطة المفتوحة، وأدركت إن السيستم والتركيبة الأساسية لحياتي اتغيرت تماماً وللأبد.
لمدة عشر سنين، كنت عايشة في وهم إن حبي لعيلتي بيقتضي إني أكون الدرع والحماية المطلقة ليهم. لو القسط اتأخر، بكتب الشيك. لو شريف فشل، بفتح شبكة الأمان. لو أمي اتوترت، بهديها بالفلوس. لو حد عمل مصيبة، أنا الوسادة اللي بتمتص الصدمة.
وبسبب إني دايماً كنت بمتص الصدمة وأسهل الوقعة، شريف عمره ما لقي سبب يتعلم إزاي يقف على حيلها، وأمي عمرها ما حست بمسؤولية الميزانية.
هما مكنوش عاجزين.. أنا اللي كنت بتمول عجزهم، عشان كان أسهل عليا من إني أواجه إحساس الذنب.
قطع الفلوس كان شكله قسوة ومأساة لمدة 14 يوم.. وبعدها شريف لقي شغلانة بمرتب، وأمي باعت الشرف اللي مش قادرة عليه واشترت الواقع اللي على قدها. محدش مات.. ومحدش اترمى في الشارع.
هما ببساطة.. اتأقلموا.
والشخص الوحيد على ظهر الأرض اللي كان محتاج حمايتي المطلقة، كان قاعد في الكرسي اللي جنبي في العربية طول الوقت.. طفل عنده 12 سنة، خايف من الضلمة، وبيرجوني أنقذ نظره.
أمي راهنت إن رغبتي القديمة في لعب دور المنقذ هتغلب غريزة الأمومة عندي. راهنت إني هستسلم للضغط زي كل مرة.
بس حساباتها كانت غلط.
فريق الجراحة أنقذ عين مالك.. والمكالمتين البساط بتوع البنك؟ حققوا اللي كان المفروض أعمله من عشر سنين: جابوا اتنين كبار، وخلوهم يعملوا جرد لحياتهم لأول مرة.
شريف لسه بيفضل يقول إن قصة “القطع المالي الكبير” أديته أقوى ماتريال في كارييره في الكوميديا.
وأنا دايماً بفكره إن نص الإيفيهات دي بتاعتي أنا.
بيقول إن في العيلة، الإلهام الفني ملكية عامة.
بقوله إن المنطق دا بالذات هو اللي جابنا ورا ودخلنا في الهبل دا من الأول!




