
لكن يوم ما أمي ماتت، بدأت أشوف منها تصرفات غريبة.
أول حاجة، إنها رفضت تسيب بيت أمي بعد العزا.
قالتلي:
— أنا هفضل هنا كام يوم أرتب حاجات ماما.
استغربت، خصوصًا إن حسام كان عايز يقفل البيت لحد ما نخلص إجراءات الورث.
لكنها أصرت.
وتاني حاجة، إنها فضلت تسألني عن الديب فريزر القديم اللي في البدروم.
— منى، إنتِ ناوية تعملي إيه في الديب فريزر؟
قلت لها:
— معرفش يا نادية، يمكن نبيعه.
وشها اتغير.
— لأ! أوعي تبيعوه!
ضحكت وقلت:
— يا بنتي ده بقاله عشرين سنة، وبابه بيقفل بالعافية!
ردت بسرعة:
— أنا هاخده.
— خديه يا ستي، هو أنا هستخسره فيكي؟
لكنها بدل ما تفرح، سألتني:
— طب إنتِ فصلتيه من الكهربا؟
— لأ، ليه؟
— خليكي سايباه شغال.
افتكرت إنها خايفة الأكل يبوظ.
لكن بعدها بيومين بعتتلي رسالة الساعة واحدة بالليل:
«إوعي تفصلي الديب فريزر من الكهربا مهما حصل!»
ساعتها بدأت أشك.
ولما روحت البيت تاني يوم، اكتشفت التجويف السري اللي تحت قاع الديب فريزر.
وقبل ما أشوف اللي جواه، ظهرت نادية فجأة.
واللي حصل بعدها غيّر كل حاجة كنت فاكرها عن عيلتي.
رجعت أبص لنادية وأنا مش مستوعبة كلامها.
— أمي كانت خايفة من حسام؟! ليه؟!
نادية مسحت دموعها بطرف طرحتها وقالت:
— علشان اكتشفت حاجة لو اتعرفت، ممكن تدمر حياته.
ضحكت ضحكة عصبية.
وإنتِ طبعًا عايزة تحمي جوزك، صح؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ يا منى… أنا عايزة أحميكي إنتِ.
بصيت للتجويف اللي تحت الديب فريزر.
كان فيه صندوق معدني صغير، ملفوف بكيس بلاستيك تقيل.
مديت إيدي ناحيته.
نادية صرخت:
— استني!
لكن المرة دي ما سمعتش كلامها.
سحبت الصندوق، وحطيته على الأرض.
كان صندوق حديد قديم، لونه أزرق غامق، وعليه قفل صغير.
ولقيت فوقه ظرف أبيض، مكتوب عليه بخط أمي:
«لبنتي منى… لو أنا موت قبل ما أقولك الحقيقة.»
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
قعدت على أقرب كرسي خشب، وفضلت أبص للظرف.
خط أمي.
نفس الخط اللي كانت بتكتب بيه طلبات البيت، واللي كانت بتبعتلي بيه ورق صغير مع الأكل لما أزورها.
بس المرة دي، الخط كان مهزوز.
كأن إيدها كانت بتترعش وهي بتكتب.
بصيت لنادية.
— إنتِ عارفة إيه اللي مكتوب هنا؟
هزت راسها.
— أعرف جزء… بس أمك قالتلي إن باقي الحقيقة لازم تعرفيها بنفسك.
فتحت الظرف.
كان جواه ورقتين متطبقين، ومفتاح نحاس صغير.
بدأت أقرأ.
«بسم الله الرحمن الرحيم.
بنتي وحبيبتي منى…
لو الورق ده وصلك، يبقى أنا غالبًا مبقتش موجودة علشان أحكيلك بنفسي.
سامحيني يا بنتي.
سامحيني إني سكت سنين، وسمحت لناس تظلمك، وكنت كل مرة أقول لنفسي إن السكوت هيحافظ على البيت.
بس اكتشفت متأخر إن السكوت على الظلم مش بيحمي حد… ده بيخلي الظالم يتمادى.
أبوكي الله يرحمه ما سابش محل واحد زي ما إنتِ فاكرة.
وساب حاجة تانية أهم بكتير.
والحاجة دي كانت من حقك إنتِ.
لكن أخوكي أخدها.
وأنا عرفت… وسكت.
لحد ما حصلت المصيبة اللي خلتني أخاف على حياتك.»
وقفت قراءة.
إيدي كانت بتترعش.
رفعت عيني لنادية.
— يعني إيه أبويا ساب حاجة من حقي؟! إيه الحاجة دي؟!
قالت بصوت واطي:
— كملي يا منى.
رجعت للورقة.
«من تلات شهور، اكتشفت إن حسام بيحاول يبيع حاجة مش ملكه.
ولما واجهته، هددني.
وقالي بالحرف الواحد: يا إما تسكتي يا أمي، يا إما هتخسري ابنك وبنتك.
ساعتها فهمت إني ربيت ابني غلط.
وفهمت كمان إن منى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
كل الإثباتات في الصندوق.
بس أوعي تواجهي حسام لوحدك.
وأوعي تمضي على أي ورقة يجيبهالك.
والأهم… خلي بالك من بيت أبوكي.
البيت ده مش زي ما إنتِ فاكرة.»
خلصت الرسالة، وفضلت ساكتة.
كان فيه سؤال واحد بيلف في دماغي.
إيه اللي ممكن يكون أبويا سايبهولي، وأخويا مخبيه عني كل السنين دي؟
وليه أمي كانت مرعوبة للدرجة دي؟
نادية قربت وقعدت جنبي.
— منى، أنا عارفة إنك مصدومة، بس لازم تسمعيني كويس.
بصيتلها بغضب.
— إنتِ عارفة من إمتى؟
سكتت.
— من حوالي ست شهور.
صرخت فيها:
— ست شهور؟! وإنتِ ساكتة؟!
دموعها نزلت.
— كنت خايفة.
— خايفة من إيه؟!
رفعت كم بلوزتها.
وشوفت كدمة قديمة لونها أصفر على دراعها.
اتصدمت.
— حسام عمل فيكي كده؟
نزلت الكم بسرعة.
— دي مش أول مرة يا منى.
حسيت بغصة في زوري.
كنت أعرف إن أخويا عصبي، لكن عمري ما تخيلت إنه بيمد إيده على مراته.
نادية كملت:
— من ست شهور، حسام رجع البيت متأخر، وكان معاه راجل معرفوش. دخلوا المكتب وقفلوا الباب، وأنا كنت في المطبخ.
سكتت لحظة.
— سمعت الراجل بيقوله: الورق ناقص توقيع أختك. من غير توقيعها مش هنعرف نخلص.
سألتها:
— توقيعي أنا؟!
هزت راسها.
— وحسام رد عليه وقال: سيبها عليا… دي أختي وأنا عارف أدخلها منين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
افتكرت حاجة حصلت من شهرين.
حسام كان جه عندي البيت، ومعاه شوية أوراق.
قاللي وقتها:
— منى، إحنا بنحدث بيانات ورث أبويا علشان الضرائب، وعايزين توقيعك.
كنت همضي فعلًا.
لكن جوزي شريف قاله:
— سيب الورق يا حسام، نراجعه الأول.
حسام اتعصب جدًا.
وقال إن شريف بيتدخل في اللي مالوش فيه.
ومن يومها وهو شبه مقاطعنا.
بصيت لنادية.
— هو ده الورق اللي بتتكلمي عنه؟
قالت:
— غالبًا.
— طب إيه علاقته بالديب فريزر؟
نادية بصت للصندوق.
— أمك لما اكتشفت الحقيقة، خافت تحط المستندات في الدولاب أو في أوضتها. حسام كان بيفتش في حاجاتها كل ما يزورها.
— وعلشان كده خبتهم هنا؟
— أيوه. وكانت بتقول إن حسام عمره ما بينزل البدروم، وإنه بيكره الديب فريزر ده من يوم ما أبوكي اشتراه.
سألتها:
— طب ليه وصتني ما أفصلوش؟
نادية اترددت.
— علشان لو فصلتيه، حسام هيعرف إن حد نزل البدروم.
بصيتلها باستغراب.
— هيعرف إزاي؟!
قالت:
— من كام شهر، ركب جهاز مراقبة صغير عند لوحة الكهربا، بيبعتله تنبيه لو الكهربا قطعت عن البدروم. قال إنه خايف الأكل يبوظ لو حصل عطل.
اتجمدت.
— وإنتِ عارفة ده كله وساكتة؟
— أمك طلبت مني أستنى. قالت إنها هتتصرف، وإنها هتقولك بنفسها أول ما تضمن إنك في أمان.
وبعدين بصت في الأرض وأضافت:
— بس ملحقتش.
مسكت المفتاح النحاس اللي كان جوه الظرف.
فتحنا الصندوق.
لقيت جواه ملف بني كبير، وكذا ظرف صغير، وفلاشة سودا، وصورة قديمة لأبويا واقف قدام مبنى كبير.
أول ما شوفت الصورة، اتلخبطت.
أبويا كان واقف جنب راجل لابس بدلة، وخلفهم لافتة مكتوب عليها اسم شركة مقاولات.




