روايات وقصص

رجعت البيت بقلم منال علي

2

رجعت البيت بقلم منال علي

مقالات ذات صلة

كانت محافظة عليه.

فتح مصطفى المظروف بإيد مرتعشة.

كان جواه ورقة مكتوبة بخط ياسمين…

وأول سطر فيها خلا قلبه يقع من مكانه

لو أنت بتقرأ الرسالة دي… يبقى هما سبقوني ومنعوني أوصل لك الحقيقة…

رفع عينه بسرعة ناحية أوضة الكشف…

وفي نفس اللحظة، لمح شخصًا يقف عند آخر الممر، يراقبه من بعيد… وما إن التقت عيونهما، حتى استدار واختفى قبل أن يعرف من يكون خرج مصطفى من غرفة ياسمين وهو قابض على الفلاشة بقوة، وكأنها آخر خيط هيكشف الحقيقة.

نزل للكافتيريا في الدور الأرضي، واستأذن من موظف الاستقبال يستخدم الكمبيوتر الموجود عندهم دقائق.

ركّب الفلاشة.

ظهر مجلد واحد فقط… اسمه لو احتجته.

ضغط عليه.

كان فيه تسجيلات صوتية، وصور، ومذكرات قصيرة مكتوبة بالتاريخ.

فتح أول تسجيل.

ظهر صوت ياسمين وهي بتتكلم بهدوء، لكن كان واضح إنها بتبكي.

النهارده ماما مصطفى خدت حمزة وقالت إني مش هعرف أربيه… ولما طلبت الدوا قالتلي استحملي شوية، الدلع هيضيعك.

التسجيل التاني كان بعده بيومين.

من الصبح لحد دلوقتي ماكلتش غير لقمتين… كل ما أقوم عشان أعمل لنفسي أكل، تقوللي ارجعي نامي، وهي هتجيبلي… لكن الأكل عمره ما كان بيوصل.

أما التسجيل الثالث…

فكان فيه صوت خبط على الباب.

وصوت ياسمين وهي بتقول

افتحي يا طنط… حمزة بيعيط من الجوع.

وجاء رد والدته من خلف الباب

لما تتعلمي تسمعي الكلام… ساعتها هفتح.

أغلق مصطفى التسجيل بسرعة.

لم يعد قادرًا على الاحتمال.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.

كان المتصل جارهم الحاج عبدالرحمن.

رد بسرعة.

أيوه يا حاج.

جاءه الصوت مترددًا

يا ابني… أنا كنت ساكت طول الفترة اللي فاتت، لكن ضميري مش قادر يسكت أكتر.

اتعدل مصطفى في جلسته.

خير… في إيه؟

قال الرجل

كل يوم تقريبًا كنت بشوف والدتك

وأختك يقفلوا باب الشقة بالمفتاح من بره ويمشوا بالساعات… ومراتك تفضل تنادي محدش يرد عليها.

مصطفى أغمض عينيه بقهر.

لكن الحاج عبدالرحمن أكمل

وفي يوم سمعت ابنك بيعيط بشكل يخوف… حاولت أخبط، والدتك قالتلي إنهم نايمين ومحدش يزعجهم… حسيت إن فيه حاجة غلط، بس مقدرتش أتدخل.

مصطفى شكره وقف المكالمة.

رجع أوضة ياسمين، فوجدها نائمة بعد ما أثر فيها العلاج.

جلس بجوارها، وأقسم بينه وبين نفسه أنه لن يسمح بتكرار ما حدث مرة أخرى.

وفي أثناء ترتيبه لأغراضها داخل الشنطة…

وجد ظرفًا صغيرًا لم يره من قبل.

كان مغلقًا، ومكتوب عليه بخط ياسمين

يتفتح بس بعد ما تعرف كل الحقيقة.

نظر إلى الظرف طويلًا…

ثم وضعه في جيبه دون أن يفتحه، وهو يشعر أن ما بداخله أخطر حتى من كل ما شاهده على الفلاشة مصطفى جرى ناحية آخر الممر، لكن الشخص كان اختفى تمامًا، كأنه كان عارف المستشفى كويس.

رجع وهو بيحاول يهدّي نفسه، وفتح الرسالة يكمل قرايتها.

أنا عارفة إنك بتحب أمك، وعشان كده كنت بسكت. كل مرة كنت أقول لنفسي إنها هتتغير، وإنك مش ناقص هم فوق شغلك. لكن بعد ولادة حمزة، كل حاجة اتبدلت.

بلع ريقه بصعوبة.

في أول يوم بعد ما رجعنا من المستشفى، بدأت تمنع عني العلاج بحجة إنه هيعودني على الكسل. ولما كنت أكلمك، كانت تاخد التليفون وتقفل المكالمة، وتقول إني نايمة أو مرتاحة.

دموع مصطفى نزلت وهو بيتذكر كل مرة كان يسمع فيها نفس الكلام ويصدقه.

أنا مش بكتب الرسالة دي عشان تكره حد… أنا بكتبها عشان لو حصلي حاجة، تعرف إني حاولت أوصلك.

قفل الرسالة للحظة، وحط إيده على وشه.

في الوقت ده، خرجت الممرضة وقالت بابتسامة بسيطة

الحمد لله… الحرارة بدأت تنزل، والبيبي أخد أول رضعة من ساعة الصبح.

مصطفى حمد ربنا من قلبه، ودخل الأوضة.

ياسمين

كانت مرهقة جدًا، لكنها أول ما شافته ابتسمت ابتسامة باهتة.

مسك إيدها وقال

سامحيني… أنا قصرت في حقك.

هزت رأسها بهدوء، وقالت بصوت ضعيف

المهم إنك جيت.

وفجأة افتكرت حاجة.

قالت بسرعة وهي بتحاول تعتدل

شنطة حمزة… في جيبها الجانبي فلاشة صغيرة… خبيتها قبل ما ياخدوها مني.

استغرب مصطفى.

فلاشة؟ فيها إيه؟

ردت وهي تغمض عينيها من التعب

كل اللي حصل… كنت بسجله من أول يوم… يمكن في يوم تحتاج تعرف الحقيقة كلها.

نظر مصطفى إلى الشنطة الموضوعة بجوار السرير.

مد يده إلى الجيب الجانبي…

وفعلًا، وجد فلاشة صغيرة ملفوفة في منديل أبيض.

نظر إليها في صمت، وهو يشعر أن ما بداخلها قد يفسر كل ما عاشوه خلال الشهور الماضية… لكن لم يكن يتخيل أبدًا ما الذي سيظهر له بمجرد تشغيلها عدت الليلة ببطء شديد.

مصطفى رفض يسيب المستشفى، وقعد على الكرسي جنب سرير ياسمين، وكل شوية يبص على حمزة وهو نايم في حضّانة الأطفال بعد ما حالته بدأت تستقر.

مع أول ضوء للصبح، خرج الدكتور يطمنه.

الحمد لله… الاستجابة للعلاج كويسة، لكن لازم ترتاح تمامًا، وتتغذى كويس، وتبعد عن أي ضغط نفسي الفترة الجاية.

هز مصطفى رأسه وهو بيشكر الدكتور.

وبمجرد ما خرج، طلع تليفونه واتصل بمحاميه القديم، صديقه من أيام الكلية.

طلب منه يقابله في المستشفى.

بعد ساعة، وصل المحامي، وقعد يسمع منه كل اللي حصل، وشاف التسجيلات الموجودة على الفلاشة.

قال بهدوء

أهم حاجة دلوقتي إننا نحافظ على كل الأدلة دي زي ما هي. ما تحذفش حاجة، وما تواجهش أي حد بعصبية. كل خطوة لازم تكون محسوبة.

وافقه مصطفى.

في نفس الوقت، رن هاتفه.

كانت شيماء.

رد عليها من غير كلام.

قالت بسرعة

ماما من امبارح وهي بتعيط، وإنت قافل تليفونك. تعالى البيت نتكلم بالعقل.

رد مصطفى بنبرة هادئة

لأول مرة

الكلام هيبقى بعد ما ياسمين ترجع تقف على رجلها.

وأغلق الخط.

بعد الظهر، سمحوا لياسمين تتحرك خطوات بسيطة داخل الغرفة.

كانت ما زالت ضعيفة، لكنها ابتسمت وهي شايفة حمزة

قالت بصوت خافت

أول مرة أحس إننا بأمان.

ابتسم مصطفى وهو يربت على كتفها.

ثم تذكر الظرف الموجود في جيبه.

أخرجه ووضعه أمامها.

إنتِ اللي كتبتي عليه ما يتفتحش إلا بعد ما أعرف الحقيقة… أفتحه دلوقتي؟

نظرت إليه للحظات، ثم قالت

أيوه… دلوقتي جه وقته.

فتح الظرف ببطء.

لم يجد داخله نقودًا ولا أوراقًا قانونية…

بل مجموعة صور قديمة جدًا.

صور من أول أيام جوازهما.

وفي كل صورة تقريبًا…

كانت هناك ملاحظة صغيرة مكتوبة خلفها بتاريخ مختلف، تصف موقفًا معينًا حدث في ذلك اليوم، وكيف كانت تحاول إخفاءه حتى لا تفسد علاقة مصطفى بوالدته.

وفي آخر صورة فقط…

وجد ورقة مطوية بعناية، مكتوب فيها سطر واحد

في درج المكتب الخشبي في البيت… هتلاقي الدفتر البني. أوعى حد يسبقك ليه.

رفع مصطفى رأسه نحو ياسمين باستغراب.

أما هي…

فاكتفت بهزة رأس خفيفة، وكأنها تؤكد أن الدفتر البني يحمل السر الأكبر، والذي لم يعرفه أحد حتى الآن في اليوم التالي، وبعد ما اطمأن أكثر على ياسمين وحمزة، خرج مصطفى من المستشفى متجهًا إلى البيت.

طوال الطريق، كانت كلمات ياسمين تتردد في أذنه

أوعى حد يسبقك للدفتر البني.

وصل العمارة، فوجد سيارة شيماء متوقفة أمام الباب.

صعد السلم بسرعة، ولما فتح باب الشقة، فوجئ أن أمه وأخته كانتا تجمعان بعض الأوراق من فوق المكتب.

أول ما شافوه، ساد صمت ثقيل.

قال مصطفى بهدوء

بتدوروا على إيه؟

ردت أمه بسرعة

بنرتب البيت… هو بقى الواحد محتاج يستأذن؟

لكن مصطفى لاحظ أن درج المكتب الخشبي مفتوح، وآثاره واضحة إنه اتفتش.

اتجه إليه مباشرة.

فتح الدرج.

كان فاضي.

دق قلبه بعنف.

سأل وهو يحاول يسيطر على أعصابه

كان فيه دفتر بني هنا… فين؟

تبادلت الأم وابنتها

متابعة القراءة

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى